بسم الله الرحمن الرحيم
بسم الله الموفِق لكل خير, الداعي إلى كل رضوان, بسم الله القائل في كتابه : "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا" فـنشهد يا ربنا أنك حق والملائكة حق والرسل حق والجنة حق والنار حق والإسلام حق, ندين به ونرضاه ونُسَيّرُ عليه أمر دنيانا ونرجوا النجاة به فى أُخرانا.
وبعد, فهذا الكتاب للإمام ابن قدامة المقدسي رحمه الله هو مختصر عن كتاب منهاج القاصدين للإمام العلامة بن الجوزي رحمه الله, والكتاب الأصلي كتاب عظيم كبير, خشينا إن بدأناه ألا نتمّه لضعف الجهد والعزم منّا, فرأينا أن نطلب المختصر كبداية ننتفع بما فيه وندع الكتاب الأصلي لحين تشدُّ منّا الساق ويثبت منّا العزم إن شاء الله.
وأنا أشهد أنّي ما انتعفت بمطالعة كتاب كما نفعتني مطالعة مختصر منهاج القاصدين, فالكتاب كما هو من اسمه, هو المنهج الذي يجري عليه كل قاصد للدار الآخرة, وينتهجه كل راغب إلى وجه الله العظيم, فيه المنهج وفيه افعلْ ولا تفعلْ, وفيه احذرْ وفيه أقبلْ, وفيه خطوات التطبيق ومسارات الوصول إلى دار الأمان والنجاة من كل ما يجحب عن الجنان.
ويروق لى أن أسوق مثالا, فإننا في دراسة الأمراض الباطنية كنا نقضي الزمان الطويل أمام الكتب النظرية, نحفظ ونقارن, ونراجع ونسجل الملاحظات ونستنبط النقاط, ونبذل الجهد الجهيد لحفظ هذا الكم المهول من العلم, ولكن الشقّ الآخر من الدراسة كان التطبيق العملي والفعلي لقواعد الفحص السريري ومناظرة المرضى, فكان كتاب قواعد الفحص أكثر فائدة لنا من ألف كتاب نظري, كنا نجد فيه ما ستفعله بالمريض خطوة بخطوة, فتبدأ بكذا و تنتقل لكذا وتلاحظ كذا وكذا, وقد وجدنا أن تطبيق ساعة يعدل حفظ سنة.
فكذلك وجدت هذا الكتاب, تقرأ فى علوم الدين الزمان الطويل, وتسبح في بحاره ما شاء الله لك السباحة, لكن ما يغني عنك حفظ الكتب أمام خطأ التطبيق, هنا فى هذا الكتاب تجده يرشدك لما ينجيك, في كل ملمح من ملامح حياتك, أفعال القلب وأفعال البدن, المنجيات والمهلكات, العبادات والعادات, في ظني أن هذا الكتاب كدليل الإستخدام للدين, فإنك إن اشتريت جهازا تبحث عن دليل الإستخدام لتتعلم منه ما يصلحه وما يجعله يدور في فلك العمل, فكذلك هذا الكتاب هو دليل استخدام الدين أو كيف تعمل بالدين.
الكتاب مقسم إلى أربعة أرباع : ربع العبادات ثم ربع العادات ثم ربع المهلكات ثم ربع المنجيات
ربع العبادات
تجده يبدأ بفصول عن العلم إذ لا تصح عبادة الجاهل وأن الله يُعبَد عن علم, فتجد فصول عن العلم وآدابه وطرقه وما ينبغي وما لا ينبغي له , ثم الطهارة ثم الصلاة والزكاة والصدقات والصوم والحج وتلاوة القرآن وما إلى ذلك من ضروب العبادات المتنوعة, ولكن لن تجد هنا تفصيلات فقهية ومباحثها وكذا, ولكن تجد الآداب والطريقة المتبعة.
ربع العادات
تجده يحدثك عن آداب المأكل والمشرب والضيافة والنكاح والكسب والمعاش والمعاملات والحلال والحرام والحقوق, وكما قلنا ليست من وجهة نظر البحث الفقهي وإنما ما تفعله أنت فى أرض الواقع, فهذا الكتاب يحرر النظريات الفقهية من صفحات الكتب إلى سلوك البشر.
ربع المهلكات
ويشتمل في أغلبه على أعمال القلوب وأمراضها وعيوبها وعلاجاتها, والصفات البغيضة التي ينبغي للمسلم البعد عنها ومدواتها, والصفات الحميدة التي ينبغي له مزاولتها واعتمادها.
ربع المنجيات
ويتحدث بوجه عام عن علاقة العبد بربه والرب بعبده, فيشرح لك ما ينبغي عليك من التوبة وشروطها وأسباب صحتها وأسباب بطلانها, ويحدثك عن الشكر والصبر والرجاء والخوف والزهد والتوكل والمحبة والشوق والأنس, ولكل من هذة الأعمال آدابها وصفاتها وقبس من عمل الأنبياء والسلف والصالحين بها وأخبارهم معها, ويصل بك إلي محاسبة النفس ووجوبها, ثم إلى الموت وحقيقته وحتميته وأخبار وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين وجانب من الصحابة والصالحين, وحديث عن القبر وأحوال الميت من وقت البعث إلى دخول الجنة أو النار وذكر جهنم أعاذنا الله منها.
ثم يختتم الكتاب بخير ختام, ختامه مسك, فصول ترقق القلب وتدمع العين وتهيّج النفس إلى العمل والسبق : فصول في محبة الرسول, و فصول في ذكر الجنة وصفاتها ونعيمها وما للمقيمين فيها, وفصول عن رحمة الله عز وجل التي وسعت كل شيء.
فبهذا المنهج تجد الكتاب حاضرا معك فى كل ملمح من ملامح حياتك, يوجهك ويرشدك, وينصحك ويرجو منعتك ونجاتك, فإن أخذت به فأنت ناجٍ إن شاء الله, كطالب قِيل له هذا كتاب يعينك على النجاح فى الإمتحان, فإن درسه كان أرجى له أن ينجح بإذن الله وإن لم يدرسه وتركه ولم يأخذ بسبب إلى النجاح فأنَّى ينبغي له؟
وإننا والله نرجوا الخير لكل مسلم ونتمنى نجاته, فننصح بدراسة هذا الكتاب, وقراءته بعناية لا على سبيل الإطلاع السريع ولكن على سبيل التنفيذ كلمة بكلمة, فمن أراد التنفيذ كان أولى له الإهتمام بالدرس, وقد قرأناه على مدار شهور طويلة فما وجدنا أنفع منه للدنيا وللدين, والله المستعان.
"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ۖ"