إلى جانب سعادتي بتحليل الدكتور علي الوردي لتركة عالم الإجتماع ابن خلدون، وجدت نفسي أكثر سعادة بالكيفية التي اتسم بها نقده لفكر وسلوك ابن خلدون. إن الكتابة عن العظماء\العلماء تتحول في ثقافتنا العربية إلى مجرد إطراء وإنشائيات محفوظة تنتهي في الغالب إلى تحويل الشخص إلى كائن أسطوري أو ملاك وأحيانًا أقرب إلى النبي. فنعقد سلسلة من المبالغات غير الموضوعية التي تتمدد شيئًا فشيئًا، فتنتشر نتيجة لذلك كليشيهات لا نمل من ترديدها: كان آخر العمالقة، كان من جيل ذهب ولن يعود، المفكرر الذي عقمت أرحام نساءنا عن الإتيان بمثله .. إلخ إلخ
كسر الوردي في تناوله لشخصية ابن خلدون هذه السلسلة دون أن يبخسه حقه من الثناء. فابن خلدون رغم أنه يستحق من الثناء أجلّه، إلا أن ما يستحقه أكثر هو الوقوف على تركته العلمية ومناقشتها وتبيان بعض نقاط الضعف فيها. وهذا ما فعله الوردي في القسم الثاني من هذا الكتاب حيث إنطلق من صفات ابن خلدون (سلبية كانت أو إيجابية) وسيرة حياته وسلوكه وبعض المواقف التي نقلها هو عن نفسه أو نقلها عنه الرواة لتبيان أثرها الواضح في الأفكار التي ساقها في مقدمته
أما في القسم الأول من الكتاب فيمعن الوردي في شرح ما يمكن تسميته بمنطق ابن خلدون الذي كان بمثابة الإنقلاب على منطق فلاسفة العصور الوسطى، وكيف نجح ابن خلدون في نقل علم الإجتماع من الأبراج العاجية لفلاسفة كبار كأفلاطون وأرسطو والفارابي، إلى الشارع والواقع حيث ينتمي وحيث يجب أن يكون.
أنصح من يفكر في قراءة -أو قرأ- مقدمة ابن خلدون أن يطلع على هذا الكتاب الرائع