انتهيت اليوم الجمعة 1/5/2026 من قراءة كتاب "مصر على كف عفريت" للكاتب الساخر الراحل جلال عامر، وهو في الحقيقة ليس مجرد كتاب، بل مجموعة مقالات صحفية معارضة ترصد وتنتقد الحياة السياسية والاقتصادية في مصر عام 2008، أي قبل ثورة 2011 بثلاث سنوات، في محاولة جريئة لكشف الفساد والإخفاقات خلال تلك الفترة. ما يميز هذا العمل هو أسلوب جلال عامر الفريد، حيث يعتمد على ما يمكن وصفه بـ"الكوميديا السوداء" أو "الضحك المبكي". يطرح قضايا شديدة الجدية لكن بعبارات خفيفة وساخرة، مليئة بالتلاعب بالألفاظ والذكاء اللغوي. من الأمثلة الطريفة والمؤلمة في نفس الوقت، حديثه عن حضوره ندوة عن "حق الاختلاف"، والتي انتهت بإصابته لمجرد أنه حاول أن يختلف!
الكتاب يسلط الضوء على قضايا مهمة تمس المجتمع المصري، مثل الفساد الإداري، تدهور التعليم والصحة، النفاق السياسي، ومعاناة المواطن البسيط، إلى جانب التلويح برفع الدعم، وظاهرة الهجرة غير الشرعية، وحوادث القطارات والعبّارات. ومن خلال هذه الموضوعات، يرسم الكاتب صورة لمجتمع كان يقف على حافة الانفجار… وهو ما حدث بالفعل بعد سنوات قليلة .
اللافت أن هذا العمل يُعد بمثابة مرآة حقيقية لحياة المواطن المصري في أواخر عهد مبارك، ويُعتبر مرجعًا مهمًا لمن يريد فهم تلك المرحلة.
الكتاب عبارة عن كبسولات قصيرة مركزة ومكثفة تجذب القارئ وتجبره علي متابعة القراءة وتحليل الكاتب العميق للأحداث مع تقديم نقد لاذع وسخرية قاتلة بأدب جم و دون اسفاف او استعمال الفاظ خارجة او بذيئة.
جرأة جلال عامر واضحة في كل صفحة؛ فهو لا يتردد في توجيه نقده للحزب الحاكم، والوزراء، ورئيس الوزراء، بل وحتى رئيس الجمهورية، بأسلوب ساخر لاذع لكنه ذكي ومحسوب.
ومن أكثر ما أعجبني رؤيته التاريخية، حين ربط بين وصول السفن الإنجليزية عام 2008 ووصولها عام 1882، ليعقد مقارنة مؤلمة بين حال المصريين في الفترتين، وكأن التاريخ يعيد نفسه دو ن أن نتعلم أو نتقدم و استمرار معاناة المصريين بين التاريخين.
يقول جلال عامر في اقتباساته: "بدأت مصر بحفظ الموتى وانتهت بحفظ الأناشيد... لأن كل مسئول يقسم أن يسهر على راحة الشعب، دون أن يحدد أين سيسهر وللساعة كام!"
السؤال لماذا نهتم فى مصر بالسجون أكثر من إهتمامنا بالمدارس؟ والإجابة واضحة أن المدارس بالنسبة لنا هى ماض لن يعود، لكن السجون هى مستقبلنا جميعا”
“في مصر لا يمشى الحاكم بأمر الدستور، ولكنه يمشى بأمر الدكتور.”
“هذا الحزب الذى نشأ على أنقاض حزب مصر يعيش الآن على أنقاض مصر نفسها.”
أسلوب جلال عامر الساخر المبهر في سخريته يحمل في طياته آلام عميقة يعاني منها الشعب من حاكم لآخر ويحمل الكثير من المعاني ومن الاسقاطات التي لا تخفي عن المصري ابن البلد، فهو كاتب مصري صميم يدرك كم المعاناة التي يعانيها المواطن المصري في حياته اليومية بسبب إجراءات روتينية "تطلع العين" ومن مشاكل في الصحة والتعليم والمجالس المحلية وما بها من فساد. وجلال عامر في مقالاته يضع يده علي جرح عميق ينزف في وجدان الوطن وأن كان يعالجه بطريقة ساخرة تجعلك تضحك حتي البكاء فأنه يقول كلمة الحق بكل شجاعة لا يهاب متعصبين أو أحزاب حاكمة أو أيا كان.