أعرف يا ماريّا أنّ في داخلك طفلة، وأنّ الأطفال يخافون الرصاص، ويحبّون صدور الأمّهات، لكنّي لا أملك لك سوى ذراعَين عزلاوَين في مواجهة كلّ هذا الأسى. أعرف أيضاً أنّك تحبّين الورود، لكنّ حديقتي لم تعد تُنبت سوى الشوك. من يوم جاؤوا، حطّموا الأشجار وأخرسوا الموسيقى وكنسوا ضحكاتنا عن الشوارع. صادروا حاضرنا لكنّني أنقذت بعض حكاياتي. خبّأتها لك. كنت أعرف أنّك ستأتين. كنت أعرف أنّك سترحلين. وأنّني أنا أيضاً سأرحل، لذا أودعتك إيّاها: ولع أبي بسميرة توفيق وغيرة أمّي منها. وليد أبو جحاش الذي سرق منّي بلبلاً وأنا طفل ثمّ سرق جناحيَّ كبيراً. جمعة الحميماتي وغجريّاته الفاتنات. عروة الذي تأخّر دوماً على أحلامه... مدينتي حكاية في عهدتك الآن. وقلبي أودعته في عينيك وأنت راحلة، بانتظار صفّارةٍ تعلن نهاية هذا العبث.
تمّ إنجاز هذا الكتاب في إطار منحة Jean-Jacques Rousseau Fellowship Akademie Schloss Solitude
مواليد منبج في سوريا، 1978. انتسب لجامعة دمشق، حيث تابع دروساً في الإعلام لمدة ثلاثة سنوات (2000-2003). أنشأ صفحته على فايسبوك عام 2011 وبدأ ينشر كتاباته فيها، وفي مواقع إلكترونية مثل «أوكسيجين» و«جدار»، كما نشر بعض نصوصه في جريدة «العربي الجديد» عام 2015. كتابه «عارياً في حوض السمك» هو باكورته الأدبية.
كان من المنطقيّ أن تكون نهاية الرواية مأساوية ترسل الدموع على الخدّين، وفي الوقت نفسه كنت طوال مدة القراءة خائفة من أن تكون كذلك! عبثيّة الحرب وقصّة الثورة وحكايات الحياة بتفاصيلها تمتزج بين أسطر الرواية بلغة سلسة، وجميلة، وبسيطة! تبدو حقيقية جدّا ومؤلمة جدّا ومضحكة جدّا! أشبه بتجربة حقيقية لإنسان يعيش وسط الخراب!
قلّما أحبّ الأعمال الأدبيّة الجديدة، دائما ما تزعجني أفكارها وسردياتها ولغتها. أما صعاليك هيرابوليس فتصوّر عبث "حضارة التكونولوجيا" وسذاجة وجود الإنسان على أنه رقم، مجرد رقم! قرأتها تقريبًا في يوم واحد! ضحكت على النكات فيها ضحكًا شديدًا، كما تجسدت الحرب لي على أنها وحش يسحق قفصي الصدريّ بإبهامه العملاق. لن نفهم أبدًا كيف للعالم أن يسحقنا بكل هذه البرودة! لن نفهم يومًا كيف نستطيع الإستمرار في وسط هذا الجنون!
تحتوي على الكثير من الإقتباسات الجميلة. الإشارة إلى أعمال فنيّة عريقة تشعرك بالإنتماء لها وكأنها تشبهك وتتسلل إليك عبر أذواق شخصياتها واختياراتهم الفنية وأرواحهم المرحة.
رواية خفيفة الظل تنقلك بين صفحات الماضي و الحاضر، ينقلك بينهما بسلاسة، ببساطة لغته، بعاميته، بشغفه، بصدق الكلمات وأوجاعها. رواية تحكي قصة مدينة من عدة مدن سورية بلسان شبابها، ببساطتها، برونقها وحقيقة المشاعر المتواجدة بين طيات سطورها. إنها التناقض الذي يعيشه كل شخص مع ذاته ومحيطه.
هذه رواية تشبهنا كثيرًا.. هي أشبه بكشط الدم اليابس على الجرح، أو بحك قرصة بعوضة تعرف أنّه مؤذٍ ولكنك تشعر بخدرٍ لذيذ في فعل ذلك.. هذه رواية بعيدة عن الفذلكة أو التعقيد، أو الحري القول أن محمد سعيد وجد الواقع معقدًا بما فيه الكفاية فآثر أن تكون روايته انعكاسًا لهذا الواقع وعقده..
هذه الرواية تشبهنا كثيرًا فعلى الرغم أنّها تدور في منبج شمال شرق حلب في شمال سوريا، إلا أنّك تتلمس شخوصها وبيئتها وعاداتها. تربية الحمام هو نفسه.. الخوف ذاته.. مقام الشيخ عقيل المنبجي كم يشبه مقام الشيخ عزيز في البحرين، خصوصًا في الأساطير التي تدور حوله أنّه ملاذ المحتاجين والأمنيات وأنه عصي على الهدم وله القدرة على تعطيل الشاحنات التي حاولت ذلك… الخ..
أحسست بهشاشتي مرتين: مرة مع قصة عروة و مرة مع المرأة التي جلست إلى جوار ابنها ترش عليه الماء.. رواية أقرب ما تكون إلى السيرة الذاتية... أحداثها متداخلة وهو ما أعطى الرواية سلاسة وخفة ظل... لم أشعر بالملل وأنا أقرأها...
"ظلّ عروة يمارس حياته داخل غرفته رافضاً الخروج منها، تاركاً الحياة في الخارج على كرسيٍّ متحرّكٍ من دون أن يلتفت إليها. خرج عروة من السجن بعد أربع سنوات، لكنّ السجن لم يخرج منه"