يسوى سبينوزا بين الجهل و المعجزه حيث أن المعجزه فى نظره هى الجهل بقوانين الطبيعة الضرورية كما نجده يناقض نفسه حيث يدعو إلى الفصل بين مجالى العقل و اللاهوت فصلا قاطعا ثم يدعو من جهة أخرى إلى تأويل الكتاب المقدس بالكتاب المقدس نفسه لذا أرى أنه يجب إخضاع العقل للقانون الآلهى حتى لا تتحكم به الأهواء و النزاعات الفردية
::انطباع عام:: ======== "فكما أنه بانكشاف النور يتقشع الظلام، فالحقيقة أيضًا هي معيار ذاتها ومعيار الخطأ." - علم الأخلاق، الباب الثاني، حاشية القضية 43
كل الشكر للمترجم والباحث القدير جلال الدين سعيد على هذا الكتاب الماتع والجامع لجوهر الفلسفة السبينوزية. هذا الكتاب يجب أن يكون في مكتبة كل شخص يريد أن يفهم سبينوزا من كل أبعاده، وكذلك هذا الكتاب يمكن اعتباره كمدخل ممتاز لفكر هذا الفيلسوف العقلاني العتيد، وكان الكتاب بالنسبة لي هو التقفيل النهائي لسبينوزا -من عجائب الأقدار من أحصل على النسخة الورقية من الكتاب إلا بعد تحصيل كل كتب سبينوزا في البداية وقراءتها- وبالتالي كان الكتاب بالنسبة لي مراجعة وتأكيد على فهمي الكامل للفلسفة السبينوزية. وقد وجدتُ في هذا الكتاب مجهودًا خرافيًا من الباحث في قدرته على هضم جميع أعمال الفيلسوف وإيراد المقتبسات الكاملة من كتبه والإحالة على المصادر بدقة شديدة، ناهيك عن اعتماده على شارحين ومترجمين للفيلسوف. فكان الكتاب في أمتع صورة ممكنة وأكثرها إفادة. *** ::في سطور:: ========= ينقسم هذا الكتاب إلى ثلاثة أبواب تتماشى تمامًا مع الأركان الأساسية التي بناها سبينوزا في نسقه الفلسفي: 1_ الباب الأول: المسألة الدينية رسالة في اللاهوت والسياسة - النقد الفلسفي في مبادئ تأويل الكتاب المقدس - النقد الهرمينوطيقي 2_ الباب الثاني: المسألة الأخلاقية الأخلاق والإيتيقا والخلاص بالعقل الحد الأدنى للعقيد والخلاص بالإيمان الفرح والسعادة والخلاص في الدنيا 3_ الباب الثالث: المسألة السياسية الحق في تنظيم الشؤون الدينية الحرب والسلم
"الفهم الصحيح للكتب المقدسة يكفي وحده لدحض الفهم الخاطئ لها، وإذاك لدرء الأخلاق الفاسدة والسياسات الواهية. إن مشروع سبينوزا الأخلاقي والسياسي هو رهن التأويل الصحيح والفهم الصادق للكتاب المقدس. المنهج القويم لتأويل الكتاب المقدس في نظر سبينوزا هو الاعتماد عليه هو وحده (دون تكديس الحجج والبراهين المستوحاة من الرواة ومن السنن والتقاليد) وقطع النظر عن مدى صدقه أو عدم صدقه (لأن المطلوب هو الكشف عن مضمونة ودلالته لا غير). إن فلسفة سبينوزا تتمثل في الكشف عن دروب الفكر الذي يسعى إلى الاتحاد بالله، أي إلى معرفته ومحبته محبة عقلية خالصة؛ هكذا من دون تناقض مع النزعة المادية، يُفتح المجال لنزعة روحية فريدة من نوعها - حيث يلتحق الإنسان بالمطلق وينضم إلى الذات الإلهية بفضل المعرفة الحدسية (الضرب الثالث): وهي أرقى من المعرفة التي تقوم على الظن والخيال والتجربة المجملة (الضرب الأول)؛ وأرقى كذلك من المعرفة العقلية البرهانية (الضرب الثاني). فلا توجد أية تجربة روحية عدا تجربة العقل المحققة وحدها لمتعة الفهم. للعقل مملكة الحقيقة والحكمة، وللاهوت مملكة التقوى والخضوع؛ فلا ينبغي أن يخضع الكتاب للعقل، ولا العقل للكتاب. العقل يرتع داخل مملكة الفلسفة، وذلك هو اليقين العقلي؛ بينما يرضى اللاهوت باليقين الأخلاقي. لذلك يجب تجاوز كلتا النزعتين: نزعة ابن ميمون العقلية في تطويع الكتاب للعقل؛ ونزعة يهوذا الفخار في تطويع العقل للكتاب المقدس. الجهل والخوف هما مصدر الفكر الخرافي. فعل الوحي لا يتم عبر ممرات عقلية، وإنما عبر ممرات الجسم الخيالية. والوحي كان دائمًا موائمًا لطبع النبي؛ فسبينوزا يساوي بين الجهل والمعجزة - أي الجهل بقوانين الطبيعة الضرورية. تأويل الكتاب في المعجزات وغيرها يجب أن يستند إلى الكتاب وحده، ومن منطلق نصوصه نفسه لا غير، هذا هو المنهج الرئيس للتأويل عند سبينوزا." *** ::الخلاص:: ======== حب الله من خلال العقل (آمور إنتيليكتواليس ديي) فالحب هو فرح تواكبه فكرة مسببه أي الله
"يوجد أكثر من طريق للخاص؛ يوجد طريق أول للخلاص بالفلسفة وهو في متناول العقلاء والحكماء، وطريق ثان يسلكه غير العقلاء والحكماء، إما للخلاص بالدين والعقيدة إن كانوا من المؤمنين، وإما بالسياسة المدنية إن كانوا من غير المؤمنين؛ فالخلاص إنما يتحقق للجميع ولا يبقى حكرًا على نخبة أو على أحد؛ إلا أن سبله مختلفة، وطالما لم نكوّن معرفة تامة بأنفسنا وبالإله وبالأشياء، فإننا لن نتجاوز مستوى العامة والرعاع، وسيبقى توقنا إليه قابلاً للتحقق، وقد نظفر به حقًا، إلا أنه لن يكون ملك أيدينا." *** ::قانون الكوناتوس:: =========== قانون الكوناتوس هو الذي بموجبه: 1- ينزع كل موجود إلى الاستمرار في وجوده بكل ما يملكه من قوة واقتدار، ويحول دون أن ينقل أي كان قوته وقدرته إلى شخص آخر، وأن يمنحه، من ثم، كل ما يملكه من حق، لدرجة أن يكف عن أن يكون إنسانًا؛ 2- لا يمكن لأي كائن أن يتخلى عن طبيعته وأن يستبدلها بطبيعة أخرى؛ 3- لا يمكن للإنسان أن يكف عن أن يكون إنسانًا وأن يقف ضد كوناتوسه ويصبح كالبهيمة أو كالآلة الصماء؛ 4_ عامل المنفعة هو الذي يعطي الأفعال الإنسانية قوتها وحياتها (الكوناتوس هو تلك الرغبة الجامحة الشائعة بين كل الكائنات في حفظ الذات والاستمرار في الوجود). *** ::مشروع سبينوزا الأخلاقي:: ================ "الإنسان الحر يعيش تحت قيادة العقل، لا يقترب الشر، بل أكثر من ذلك: إنه يغفل عنه."
"إن مشروع سبينوزا الأخلاقي لا يتمثل في تعويض حياة الوجدان والعاطفة بالحياة العقلية، بقدر ما يتمثل في تنضيد الحياة العقلية فوق حياة الوجدان والعاطفة؛ بل في تحويل الحياة العاطفية إلى نطاق العقل، أو، بعبارة أخرى، في إدراك حقيقة العواطف والانفعالات وفهمها فهمًا صحيحًا. فإذا فهمنا أنه من المحال ألا يكون الإنسان جزءًا من الطبيعة، فهمنا في الوقت ذاته أنه من المحال ألا يملك انفعالات وعواطف. وأن نفهم انتماء الكائن إلى الطبيعة الكلية، والاتحاد الضروري بين الجزء والكل هو ذا المطلوب لتحقيق تلك الطبيعة المرموقة التي ينبغي النسج على مثالها." صــ114 *** ::مآخذ:: ====== 1- إن فكرة طبيعة إنسانية مثلى؛ أي على غاية من الكمال، إنما هي فكرة جد مجردة، وهي من ثم لا تعدو أن تكون من قبيل الأفكار المختلطة الملتبسة. لأنه لا يمكن أن يتجرد الكائن من طبيعته الموجودة في سبيل طبيعة مثلى غير موجودة، ما يفترض مقابلة الوجود بواجب الوجود، وهو ما يتنافى مع أنطولوجيا سبينوزا، ومع مذهبه الإيتيقي بشكل خاص. 2- الخير ليس في عين التقدم بالذات، وإنما هو في تقدم الفرد؛ إذ ينتصر على الأشياء الخارجية ويتفوق عليها؛ فلو كانت هذه الأشياء قادرة على الإدراك، لأدركت هذا التقدم على أنه شر. إن الواقعية الأكسيولوجية التي نلمحها لدى سبينوزا إنما هو يتصنعها أكثر مما يتبناها؛ إنه يتصنعها باعتبارها ما تبقى ذريعة أخيرة لبناء مشروعه الإيتيقي. 3- المتع والملذات التي قد حرم الإنسان نفسه منها، تكاد تكون بلا قيمة مقارنة بالأريحية والفرح والسعادة التي كانت من نصيبه طوال حياته، فإذا كان هذا كله من قبيل الوهم الميتافيزقي، فهو وهم نافع ومنعش! هذا هو الاختيار بين خير حقيقي وخيرات باطلة زائفة. (لا يسير تفكير سبينوزا باتجاه رهان باسكال) لأنه لا يضع في الميزان خيرات متساوية، بل خيرات حقيقية كلها إيجابية، وبالتالي يجب التخلي عن شر محقق ثابت من أجل خير محقق ثابت. كما يؤكد سبينوزا على أنه يجب على المرء التمتع بملذات الدنيا في حدود شروط حفظ الصحة، وأن يسعى إلى كسب المال بما يساعد على حفظ الحياة والصحة أيضًا. لكن ما لا يدركه سبينوزا هو أن هذه الحالة من التعالي على ملذات الحياة واتخاذها مجرد وسائل هي كذلك حالة مثالية غير محققة في التاريخ البشري، لأن الملذات من طبيعتها الانغماسية وأن تدوّخ العقل، وبالتالي من يتخذها مجرد وسائل فهو بالضرورة سيكون عبدًا لتلك الوسائل لحفظ ذاته، وبالتالي مهما حظى من الملذات فهو كذلك ملتذ سواء بدرجة قليلة أو كثيرة. وبالت��لي، لا يمكن فصل الملتذ العاقل عن الملتذ غير العاقل - لأن الحالة تفرض تداعيات جديدة لم يكن للعقل أن يعيشها لولا حصول اللذة من الأساس. *.*.*.*.*.*.*.*
نحن هنا امام اختبار اخر للجواب عن السؤال الازلي و هل هناك فيلسوف بقدر باروخ اسبينوزا. ؟ لقد تم فصل سبينوزا عن طائفته سنة 1656م، وإجراء الحرم عليه نظرًا لأفكاره ونقاشاته الجريئة مع رجال الدين، كما تعرض لاضطهادٍ ومحاولاتِ قتل من قبل اليهود المتعصِّبين لمعتقدهم. عمل في حرفة صقل الزجاج الخاص بالنظارات و غادر مدينته ناحية منزلِ صديقٍ له، وشرع في تأليف كتبه والتعريف بفلسفته، وقد رفض طلب تعيينه مدرّّسًا في أحد الجامعات حين رأى أنَّ ذلك سيعيقه عن مواصلة مسيرته الفلسفيَّة وكذلك زجه في خضم جدالاتٍ سيراها البعض هرطقةً أو تجديفًا على الدين والإله. أحد أهم النقاط التي يثيرها سبينوزا هو التناقضات الموجودة في الكتاب المقدس، والتي يراها دليلاً على تعدد المؤلفين واختلاف وجهات النظر التي انعكست فيه عبر الأجيال. فهو يؤكد أن النصوص المقدسة لم تُكتب بأسلوب موحّد، ولم تحافظ على نسق فكري ثابت، مما يدل على أنها تعكس مراحل زمنية متباينة وتطورات فكرية واجتماعية متباعدة. ومن هنا، فإن اعتبارها مصدرًا لمعرفة مطلقة هو، في رأيه، خطأ منهجي يجب تصحيحه. انه كتاب اشبه برحلة، رفقة عقل لن يتكرر في التاريخ الانساني.