" لم تكره الكنيسة في كل تاريخها أمرأه بشخصها الاعتباري كما كرهت هيباتيا ، وهيباتيا كانت تُدرك ذلك وتتوقع موتها في أي لحظة "
فقرتين في غاية الصغر ، توضح لنا تأثير هيباتيا الجبار علي كُل من حولها سواء كان بالأيجاب أو بالسلب .
هي رواية عن سينسيوس ، وبعض الفقرات الصغيرة عن هيباتيا ، وَلَكِن في بعض هذه الفقرات كان لها حضوراً طاغياً .
حوارات فلسفية غاية في الجمال ، وتعريف طائفة البارابولاني المُتعصبة للدين ، والذين كانت أفكارهم مُتطرفة وكيف تمت مواجهتهم من قبل هيباتيا ، وتأثير ذلك علي حياتها .
السرد جميل جداً و الأحداث من أول الصفحات رتمها مُتصاعد ، بناء الشخصيات لم يَكُن بالدقة الكافية .
يوجد في الرواية أكثر من مشهد في غاية الرقة والعذوبة ، ومع كل هذه المشاهد ، مشهد النهاية هو مشهد مُفجع للغاية ، بالرغم من علمي المُسيق به إلا أني تأثرت به للغاية .
ولكنها رواية تستحق القراءة ، لأنها رواية حقيقي جميلة .
لا تستطيع أن تقول لهم إن هيباتيا أقرب إلى الربّ، لأنها تعتبر أن الخلاص الحقيقي يكون بتخليص النفس من الحقد و البغض و الكراهية والجشع والكذب ، وفوق كل ذلك تخليصها من الجهل الذي يُعمي ، وإدخالها جنّة المعرفة التي تنير العقول و الأنفس بالتسامح و الاعتراف بأن الحقيقة متعدّدة بتعدّد العقول ...
بأسلوب سلس و مشوق يأخذك الكاتب الليبي فرج العشة إلى العهد الروماني.. زمن اتسم بالصراعات الفكرية بين المسيحية المبكرة و الافلاطونية المحدثة.. لكن الصراع لم يبقى على مستوى الفكر فحسب فسرعان ما ظهر التعصب و الحروب الدينية بظهور من يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة ليسود و يبيد غيره من أصحاب الاراء المعارضة. رحلة يخوضها سينسيوس باحثا عن نقطة التقاء بين عقيدته المسيحية و أفكار معلمته و ملهمته هيباتيا، أستاذة الفلسفة الأفلاطونية في الإسكندرية، يؤكد لنا الكاتب من خلال حواراتها العميقة أن الحقيقة متعددة بتعدد العقول و أن الاختلاف مع الآخر لا يعني اقصاءه بالضرورة.
لعل هذا الكتاب هو أفضل كتاب قرأته في سرد حكاية هيباتيا حتى الآن.. أكثر ماشدني هو الحوارات العميقة في الدين والفلسفة والموقف الذي يمثله سينسيوس والذي حاول في التقريب بينهما..الصراع بين الجهل المتعصب وحرية الانسان في الاعتقاد..كما أستمتعت أيضا بالعمق التاريخي للرواية.. جميلة جدا..
يقيم معي في الغرفة صديق دراسة، قادم من إثيوبيا، يحترم عربيَّتي أيَّما احترام، لأنني من 'قوم النبي'، ويُجِلّ فيّ حفظي للقرآن حدَّ المبالغة. طيلة ثلاث سنين من الدراسة جمعتنا الغرف الصفية فقط، إلا أننا ومنذ شهور قليلة نتشارك الغرفة نفسها أيضًا.
كان يتوقَّع مني أن أثريَ أيامه بخطبٍ وعظيَّة، فإذا به يصطدم بكتبي، وبالوقت الذي أقضيه معها. كان قد سألني أكثر من مرة عن شعور قراءة الكتب، وأخبرته أن القراءة ليست شعورًا، الشعور المعرفة، المعرفة المتحصِّلة من نتاج القراءة.
الصديق مهذب جدًّا وبشوش، ورغم علاقته شبه العدائيّة التي لا أفهمها إلا أنه كان يُقيم لطقسي القرائيّ وزنًا وقيمة. وكثيرًا ما كان يؤثر ألا يطفئ الضوء، وهو يضحي هكذا براحته في النوم، فقط احترامًا لكوني أقرأ حينها كتابًا.
في نقاش لنا قبل فترة أنكر عليي قراءتي، وأنني لو فرغت للعبادة الوقتَ الذي أعطيه للقراءة وهوسي بالمعرفة لأصبحت وليًّا، واستنكر أنني أبحث في كتبٍ كتَبها البشر عن المعرفة، في ظل وجود القرآن. التمس لي سديق آخر العذر أمامه: أحمد يقرأ الأدب، لا يقرأ الفلسفة، ولذا لا خوف على عقيدته!
يا أصدقائي الأعزاء.. يا أصدقائي المساكين، كم أشفق على غربتي بينكم، لأنكم لن تستطيعوا أن تقرؤوا هذه الرواية التي ثبّتتني على طريقي، ولن تدركوا في عالمكم الرهباني.. .. .. أنني سينسيوس! ..
سرد ممتع وأسلوب مشوق منذ بداية رحلة سينسيوس والصراعات الفكرية والدينية، والنقاشات الفلسفية مع هيباتيا المعروفة بعلمها وجمالها، قصة الحب القصيرة، حتى النهاية الحزينة للفيلسوفة