قالت لي أمّي، راقدةً على فراشها، إنّها كانت قطّة بلديّة منذ أربعين عاماً. نظرتْ إليّ، ونظرتُ إليها، أكمَلت أنّها تتذكّر هذا اليوم بدقّة؛ كانت نائمةً على الأريكة التي تحبّ في غرفة سيّدتها مها، استيقَظت بعد غفوةٍ قصيرة لتجد أنّ لها ساقين من سيقان البشر، وعينين تريان كثيراً جدّاً من الألوان. وقبل أن تدرك ما الذي حدث لها بالضبط، كانت مها تفتح الباب حاملةً طبقاً من الحليب. أتذكّر كلّ شيء بوضوح، تقول أمّي. نظرَت إليها مها بمفاجأة تحوّلت إلى فزع، فتهاوى طبق الحليب من يدها متكسّراً على البلاط. سحبت الباب وأغلقته بعنف. جفلت أمّي متراجعةً من هذا الفعل العنيف، ثمّ هداها أنفها لرائحة الحليب اللذيذ. قعدت، مدّت طرف لسانها لاعقةً سطح الحليب الذي تعكّر ببعض التراب. شعرت بألم لم تعهده في ركبتيها، وتناهى لسمعها صوت تحطّم ما. ثمّ ساد صمت.
محمد علاء الدين أحد الكُتاب المصريين الشباب ويعتبر من بين البارزين في جيله مع أحمد العايدي ونائل الطوخي. لفتت روايته الأولى إنجيل آدم إليه الأنظار بشدة، ونالت احتفاءً كبيرًا من كتاب مثل بهاء طاهر وصنع الله إبراهيم وعبد الوهاب الاسواني. كما تم اختياره من بين أهم كُتاب الألفية الجديدة في مجلة أخبار الأدب في العام 2011، كما ذكره الكاتب الامريكي بول توتونجي في مقاله المعنون بـ"خمسة مؤلفين مصريين لا تعرفهم، ولكن يتوجب عليك قراءتهم" في موقع themillions.com.
عُرف علاء الدين بأسلوب التداعي الحر في كتابته، ورأت "الأهرام"-- بتاريخ 10 مايو 2006-- أن روايته الأولى إنجيل آدم "قدمت تجربة جديدة في الكتابة تعكس مرحلة أو موجة جديدة من الكتابة هي بالتأكيد انعكاس للواقع الاجتماعي الذي أصبح بلا ثوابت من اي نوع". وهي "جحيم عصري يسكنه العاديون" علي حد تعبير الكاتب طارق إمام في مقالته بجريدة أخبار الأدب. وهي "نقلة نوعية وتجريبية في النص السردي المعاصر في مصر" كما ذهب الكاتب إبراهيم فرغلي في جريدة النهار (لبنان). ووفي كتابه "الرواية العربية ورهان التجديد" الصادر عن مجلة دبي الثقافية في مايو 2011 وضعها الناقد والكاتب المغربي الكبير محمد برادة من بين الروايات التي احدثت تجديدًا في الرواية العربية.
شعرت بأن الكاتب يخبر حكايته بالعامية ثم يترجمها إلى اللغة الفصحى، وكان هذا جليًّا في بهلوانياته السرديّة ومفرداته المنتقاة وتسلسل/تراكيب جمله التي أتى بعضها جملًا إسميّة منقوصة المعنى أشبه بتلك المستخدمة في الحوارات العاميّة.
ينتقل الكاتب في المقطع ذاته بين عدّة ضمائر؛ مثلًا، يكون الراوي بصيغة المتكلّم أنا، ثم يتوجّه لأمّه ب أنتِ وفجأة يتحوّل إلى هي؛ هذا الأسلوب يوحي وكأنّ الكاتب لم يدقّق عمله كفاية، وبغضّ النظر عن هذه النقطة، فهكذا أسلوب يقتل متعة قراءة النص ويقتل الرغبة في متابعة القراءة.
توقّفت عن القراءة عند الصفحة 63 ثم قرأت الصفحات المتبقيّة على عجل إذ لم أتعلّق بالشخصيات أو بالقصة. كما لم تعجبني البنية الروائية التي تُقحم الفانتازيا إقحامًا (مع العلم بأنّني اقتنعت بعالم موراكامي وقططه المتكلّمة والأسماك التي تهبط من السماء والغابة السحرية المفضية إلى عالم الأرواح، وكانت تعبّر بمنهجيّة منطقيّة عن جوّ رواية 'كافكا على الشاطىء' الفرويدي)، لكنّ علاء الدين بالغ باستخدام الحيوانات وأساطيرهم وحكايات أمّه فضاع المغزى وأضعف أي رموز أراد الاشارة إليها في روايته أكانت عن السياسة والثورة المصرية، الحب، العلاقات الأسريّة، أم الانتماء. كم أتمنّى لو أنّه حدّد مبتغاه وعالجه بعمق أكثر عوضًا عن التأرجح هكذا بين الثيمات دون إيفاءها حقّها.
لو نُفِّذت الرواية بطريقة أقلّ طموحًا وأكثر تركيزًا وترابطًا، لكانت ممتعة لأنّ فكرتها جيّدة.
الاقتباسات التي أعجبتني:
"لم يوجّهني أبي إلى شيء، ولم يكن هنا حين حدثت كلّ الأشياء المهمّة في حياتي، وحين صودف وكان هنا، هرب."
"بلادنا رماديّة يا بنيّ، كالحة. تبدو لعيوننا الجديدة باهرة لوقت قصير، قبل أن تعي عيناك لون الرصاص في كلّ شيء."
"أصحو في النهار وصدري منشرح، ليتملّكه القلق في ثوانٍ أعرفها وأحسّ بها، وكأنّه فيروس إلكتروني خبيث يُحمّل على جهاز كمبيوتر، يتشعّب ويتمدّد ويتقدّم ثمّ يجثم."
أعتقد أن من يقدم على تجربة جديدة في الكتابة بالذات ، لابد وأن يكون متمكناً من أسسها قبل أن يقدم عليها ، حتى لا يكون الإخفاق نصيبه ! هذه الرواية عبارة عن هلوسات وحكايات فنتازية ، ليس إلا ، تختلقها ذاكرة الأم المتذبذبة وتسردها لابنها الذي لا يقل عنها توهاناً وضياعاً . أراد الكاتب أن يقدم روايته بشكل فنتازي ، لكن الغرائبية المنشودة في السرد كانت بأحداث عادية وغير مبتكرة ولا مشوقة .
تظهر الحكايات من خلال السرد وتختفي ، دون ارتباط أو تماسك بالبناء السردي الأساسي للرواية فتبدو مقحمة وحسب ! ولو أنه كتبها في مجموعة قصصية بدلاً من رواية ، لظهرت أكثر تميزاً ربما ! كما أن اللغة التي كتبت بها الرواية عادية جداً !
قصة غرائبية علي لسان راوي مخمور يدمن الحشيش وأمه المصابة بآلزهايمر، تدور الرواية واقعيا فى مدى زمني محدود وأماكن محدودة البيت والمستشفى، ولكن ينطلق وعي الشخصيات لأزمنة سحيقة وأماكن متفرقة. والأعراف هنا للدلالة على مدينة القاهرة ذات الألف عام التي لا تملك أن تكرهها لقسوتها مطلقا كأنها جحيم مطبق ولا تملك أن تصبو إليها كجنة الله على الأرض، هي منزلة بين الجنة والنار، وهي قدر لكل من مر بين جنباتها. أرى أن سؤال الرواية الأساسي هو ما الذى أودى بالقاهرة لحالتها الراهنة، وفيها نقد ذاتي للثوار. فالبطل كما أسلفنا دفن نفسه فى الخمور والحشيش والتدخين، وفى مشهد من المشاهد كان يقارن نفسه بالمشرد الذي لا يملك أي حياة ولكنه يحافظ على نظرة متعالية فنظرة أولى على ملابسه تكفى للتفرقة الظاهرية بينه وبين المشردين حتى وإن لم يختلف المضمون.
وفي القسم التاني من الرواية كأننا انتقلنا إلي عوالم ألف ليلة وليلة، فالطفل عمار الفتى المختار يذهب فى رحلة حرجة لجلب الشمس التي اختفت من السماء، وعلى الرغم من هول المصيبة يرتضى الناس أن يسلموا أمرهم لطفل صغير ولا يخيب الطفل ظنهم، ويمر بكل أهوال الرحلة وينجح بالحيلة والصدف والإيثار. ويصل فى النهاية لمبتغاه ولكن عند خط النهاية يرفض أن يدفع الثمن. نعود بعدها لمستوى آخر من وعي الراوى لحكاية حسن وياسمين وأمه التى كانت قطة، لنجد بطلنا لا يتورع عن خيانة من يأويه ولا يرتضى بالتنازل عن كل ما يحب ويرتضى بالتضحية بأمه وغيرها فى سبيل ما يراه خيرا له، لتنتهى قصة حسن وياسمين بمقتلها بين جمع من الطامعين أمثال الراوي!
الأعراف لمحمد علاء الدين :" السيرة الذاتية المشتّتة"
نبيل مملوك
تشكل رواية الأعراف لكاتبها محمّد علاء الدين (42 عامًا) الصادرة عن دار نوفل (هاشيت انطوان-طبعة أولى 2019) نموذجًا للنص المهشّم الذي يعزيه قدرة المتلقي على الانسجام مع سلاسة السرد ويعتريه تخبط في الحبكة ، فمن خلال 167 صفحة يحاول علاء الدين أن يقدم لنا سيرة أو سيرًا ذاتية لشخصيات قد تكون واحدة منها تمثله أو تمثل آخرين محيطين به لكن جملة من العوامل قد أفقدته قدرته على السيطرة على تقيناته الروائية. الرواية التي تحمل عنوانًا لا يمكن بسهولة ربطه بمضمون النص نظرًا لتشعب الأخبار والأحداث التي تركز على مجموعة مشاكل نفسية تعتلج السارد وأمه وشخصيات ثانوية اخرى كياسمين وحسن ومحمد وغيرها حاولت أن تشكل صلة وصل واضحة فيما بينهم لكن جملة عوامل بنيوية سردية حالت دون ذلك
الإنزياح السردي وتزاحم الساردين
لعلّ اللافت في أي عمل روائي تعرض النص لانزياح سردي خاصة اذا كان صاخبًا بالأحداث ومحكومًا بالإسترجاع وزمن السرد ، الا أن علاء الدين قد أفقد نصه الأعراف بسبب غزارة الوحدات السسردية الخبريّة القدرة على تحديد أزمنة الأحداث وأزمنة السرد ، وآية على ذلك بروز أكثر من صوت روائي تحديدًا في بداية الرواية حيث كان يخبرنا عن أمه المريضة التي تروي معجزة تحولها من قطة الى انثى بشرية ، لنصطدم فيما بعد بمشاكل الراوي النفسية والاجتماعية ، ليتناوب على السرد فيما بعد الأم التي تروي قصتها مع الأب وحبها لرجل هو حصان بالأصل ومصادفتها لأب الشخصية الاساس الذي ينتمي الى فصيلة القطط السوداء ، ومن ثم الكلام عن احتلال الفرس لمصر من خلال القطط ، هذا التناوب السريع على حلبة السرد وتزاحم الساردين قد شكل ضياعًا لدى المتلقي حيث بات علينا أن نفند على مهلنا الى اي زمن ينتمي هذا النص أو ذاك الحدث، والى أي صوت روائي ينبغي أن ننصت لكي نحظى بالحبكة وبنيتها، فضلاً عن فقدان القدرة على استباق ما سيحصل خصوصًا بعد دخول شخصيات أخرى وياسمين وغيرها، أي أن بنية النص تعاني من زحمة شخصيات وعدم قدرة الراوي على افهام المتلقي الى أي نص زمني تنتمي كل شخصية ،مما يستحيل توزيع الشخصيات وفقًا لعامل الذات وعامل الموضوع.
الأمكنة البعيدة
من الثابت أن الرواية تتعد فيها الأمكنة ، وتتفاوت بين مغلقة ومفتوحة لكن ما طغى على نص الأعراف، هو التوازن بين الأمكنة المغلقة (الحانة، المستشفى، المنازل) والمكان المفتوح (الشارع ) مما أفقدنا القدرة على تحديد العوامل النفسية المتبدلة لكل شخصية، واللافت أيضًا انتقال الكاتب من مكان الى اخر ومن زمن الى اخر دون اي اشارة او تنبيه او تمهيد للمتلقي الامر الذي اسقط خيطًا تفاعليًا جديدًا بين النص وقارئه.
الشكل الخطي لقد راعى الكاتب الشكل الخطي في اخرصفحات الرواية لكنه أهملها في صفحاته الأولى ، فبرز لدينا خطأ في توزيع علامات الوقف تحديدًا توظيف (.) النقطة بين كل جملة قصيرة وهذا ما يمكن تأويله الى عدم الانسجام بين النص وكاتبه ربما وعدم مراعاة السياق الحواري بدءًا من كتابة الحوار الخاري على هيئة الحوار الداخي ( بشكل افقي دون فواصل والاكتفاء بفعل القول للدلالة على الانتقال من محاور الى اخر ) لكن سرعان ما ستدرك الكاتب هذا الخطأ ووضع (-) على الهامش للدلالة على حوار قائم بين طرفين.
إذن النص الروائي "الأعراف" اشبه بسيرة ذاتية ضائعة ، تحتاج الى شد لمفاصل السرد وتوزع دقيق للوصف والحوار وتحديد عوامل الشخصيات ليدخل المتلقي الى عمق النص وتأويل سلوكيات كل شخصية وعليه فإن علاء الدين كتب "أعرافه " بطريقة عجولة أو بطريقة حامل بوح خانه كاهله .
أنا عندي نقطة ضعف تجاه أي رواية عليها صورة قطه فأشتريها فورا بدون تفكير .. مادامت الرواية تحتوي على قطط فلا بد أنها ممتعة للغاية ... للأسف خدعني الغلاف هذه المرة ... والعجب العجاب أن تقرأ النبذة عن كاتب هذه الرواية فتفاجأ أنه حاصل على جوائز و صدر له عدة روايات أخرى... ما هذه الركاكة ... كيف كتبت هذه اللغة المختلطة التي لا تعلم لها بداية من نهاية! تجديد الأسلوب لا يعني أبدا التخلي عن كل شيء ... صحيح هو استخدم اللغة الفصحى في معظم العمل لكنها خرجت ركيكة في المجمل... إدخال بعض الكلمات العامية في منتصفها أكبر دليل على الإفلاس اللغوى ...هذا بالإضافة أنك عندما تقرأ الرواية لا تدري أين تبدأ و أين تنتهي.. لا تعلم أي نبرة تقرأ بها هذه العبارة ... إحساسي بعد الخروج من هذه التجربة المريرة أنني كنت أقف أمام لوحة سريالية قبيحة.. يصر صاحبها أنها نتاج فكر عميق وفن لا مثيل له ولها أبعاد نفسية ... واشتراها منه ملياردير جاهل لا يفقه ليعطي لها قيمة لا تستحقها.... لكن يجب أن أقول في النهاية أن كاتب هذه الرواية يجب أن يكف عن تجرع البيرة وشرب الحشيش ويبحث له عن مجال أخر ....