Jump to ratings and reviews
Rate this book

رحلتي عبر السنين - الجزء الأول

Rate this book
أول ما تطلع على كتاب رحلتي عبر السنين يعطيك انطباع أنه من كتب السير والتراجم، الأقرب إلى أدب الرحلات، فهو لا يعبأ كثيرًا بالخيال، بقدر ما يعكسه من صور وأحداث واقعية، ذات قدر من الصدق والدقة، والأمانة في الوصف، فقد عنى بتوثيق أحداث العصر الذي عايشه المؤلف، فجعل منه ذا قيمة توثيقية ومرجعاً لا غنى عنه للباحثين لاستكشاف معالم ذلك العصر، والوقوف على ما خفي من مظاهر الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في المجتمع الذي نشأ فيه المؤلف.
يوثق الكتاب ملامح تاريخية لمدينة جدة ومجتمعها في ستينات القرن العشرين والتطور التعليمي فيها وتقديم نبذة تاريخية عن حي الطندباوي بمكة المكرمة وباب التمار بالمدينة المنورة، ونظرة عامة عن العادات والتقاليد فيهما، بالإضافة إلى سرد جزء من سيرة أسرة الأديب السعودي الراحل طاهر عبد الرحمن زمخشري بصفته أحد أبرز أعلام تلك الحقبة وفي نفس الوقت جد المؤلف لأمه الذي كفله بعد وفاة والده.
كما لامس المؤلف جانب من جوانب تراجم المكفوفين بحكم تجربته الشخصية مع فقدان البصر، في ريعان شبابه، وتجربته الناجحة في تحقيق ذاته من خلال التميز والإصرار على النجاح، والتغلب على تلك المشكلة، فقد سطر ذكريات رحلته في الحياة حلوها ومرها، منطلقاً من قراءته لكتاب "نكت الهميان في نكت العميان" لمؤلفه خليل بن أيبك الصفدي، الذي وجد فيه – كما يذكر في مقدمته للكتاب - إضاءات وأنوار كان لها الأثر المباشر والفعال في رفع روحه المعنوية واكتساب العزيمة والإصرار للخروج من ذلك النفق المظلم.
والكتاب في جزئه الأول، يتحدث فيه المؤلف عن طفولته الحافلة بالأحداث المثيرة، عن حياة الطفولة والصبا، وقضاء السنوات الأولى من حياته في حي البغدادية بجدة ثم الانتقال مع أسرته إلى سانت لويس بولاية «ميزوري» في وسط الولايات المتحدة الأمريكية، وعودتهم إلى حي الكندرة بجدة، واختلاف المزاج والحالة مما دفعته للصياح «أبغى أمريكا أبغى أمريكا»، ثم انتقالهم إلى حي الشرفية، فالبغدادية، وفاجعة وفاة والده وقيام جدة الأديب الشاعر طاهر زمخشري برعايته هو وإخوته.
لقد وضعته تلك الحياة في مواجهة قاسية منذ نعومة أظفاره، عندما فقد والده وذاق طعم اليتم والحرمان في تلك السنين المبكرة من حياته. لكن بالرغم من ذلك، استطاع أن يجد الكثير من الفرص السانحة والأوقات النادرة التي أتاحت له أن يحيا طفولة سعيدة في محصلتها، من خلال السفر والرحلات والأقارب والمعارف وأصدقاء والده الأوفياء الذين أحاطوه بالرعاية والحنان، وأضاءوا له الشموع على الطريق من أجل أن يحقق أحلامه في الانطلاق إلى المستقبل الذي يليق به، يساعده في ذلك عدة عوامل، يأتي في مقدمتها طموحه، وإصراره على التفوق والنجاح، وأسرته (المترابطة)، والتشجيع الذي كان يتلقاه من جده الأديب طاهر زمخشري (بابا طاهر).
لقد كان لتلك المرحلة المبكرة من حياة المؤلف التي قضى جزءًا منها في تلال الوسط الغربي الأمريكي «سانت لويس» أثرها في تكوين شخصيته ورسم ملامح مستقبله كإنسان طموح محب للحياة، تواق إلى المعرفة، وصاحب رسالة في خدمة المجتمع.
والقارئ لهذا الكتاب في جزئه الأول، لابد وأن يلحظ فيها عنصر التشويق، وما يزخر به من معلومات قيمة عن مدن جدة، ومكة المكرمة والمدينة المنورة والطائف، والتنوع العرقي والثقافي والبيئي في تلك المدن العريقة، بأحيائها التراثية، وتراثها الشعبي، وحواريها العتيقة، وأحيائها القديمة، وما كان يتميز به كل حي من تلك الأحياء.
واللافت إفاضته أيضًا في وصف مدينة "سانت لويس" الواقعة في ولاية " ميزوري" الأمريكية، بمعالمها الجغرافية، ومكانتها الاقتصادية والثقافية والاجتماعية المتميزة، إلى جانب تسامح أهلها ونبذهم للتفرقة العنصرية التي كانت في أوجها عندما أقامت أسرة المؤلف بين جنباتها بداية الستينيات من القرن الماضي، وحيث كان الكثير من الأفارقة الأمريكيين ينزحون إلى تلك المدينة "طلبًا للأمان والاستقرار".
ويأتي هذا السرد من الذكريات والأحداث من خلال أسلوب متميز لاحظته في كتابيه السابقين (حصاد الظلام، والماسة السمراء)، فأسلوبه يتسم بأبجدية جذابة وسلسة، كقوله في مستهل حديثه عن ذكرياته في الصف السادس الابتدائي: "فهي مغامرة كبيرة أن يتسلل إليك شعور الإنجاز وأنت في الطريق إليه"، وقوله في وصف حمام المسجد الحرام في مكة المكرمة :"وتحلق حول الكعبة وكأنها تطوف مع الناس"، وقوله في موضع آخر من الكتاب :"وعلى غير إدراك مني بدا وكأن المحيط الأطلسي كتب على سطح أمواجه أنني سأكون أحد عابريه مرارًا وتكرارًا". ويصل هذا الأسلوب في أحيان كثيرة إلى مستوى "الفانتازيا"، كما في وصفه لأعراس وأفراح مكة والمدينة.
والكتاب حافل بمفردات فولكلورية لعادات وتقاليد الأهالي، والأسماء التي ترتبط ببعض المأكولات والمشروبات والمناسبات والألعاب الشعبية، كلمات وأسماء مثل: تيازير (حواجز قماشية مزخرفة تستخدم كسواتر لمكان الحفل) – ليلة الدبش (الليلة التي ينقل فيها أهل العروس ملابسها وأمتعتها إلى بيت الزوجية على وقع الطبول والدفوف وأصوات الأهازيج)- لعب المزمار والبرجون والكبت والدقة والكيرم- العلبة والنقرزان والمرد والمرجف (أنواع من الطبول)- الزومال (أهازيج تردد على إيقاع الطبول)- المعاشر(طاولات خشبية مشغولة ومزخرفة بالأصداف تحمل على الرأس ويوزع منها تشكيلة من المأكولات والحلوى المكية لإفطار أهل الفرح والحارة- الهريكاري والسيريه وآيس كريم التماتيك والدندرمة (مأكولات ومشروبات شعبية)، إضافة إلى الأساطير الشعبية كخرافة الدجيرة أو الدنجيرة، تلك الجِنِّية التي كان يخافها الأطفال كما في (أمنا الغولة).
والكتاب غني أيضًا بالمعلومات التي ربما لم يسمع بها البعض من قبل، مثل تطرق المؤلف إلى مستشفى الجذام, الذي كان يقع على طريق مكة بعد بحرة، والذي كان معلمًا بارزًا من معالم مدينة جدة باعتباره المستشفى الأول والأوحد في الشرق الأوسط لمرضى الجذام، وكاللغات الإفريقية الشائعة في مكة المكرمة (الزبرماوية – الهوساوية – الفلاتة- البرناوية ..)، وكقوله إن مطار جدة هو أول مطار سعودي (أنشئ عام 1945),...

256 pages, ورقي، إلكتروني

First published June 8, 2017

1 person is currently reading
4 people want to read

About the author

محمد توفيق بلو

6 books2 followers
كاتب ومؤلف سعودي ولد في جدة 1961م
خبير في مجال خدمات الإعاقة البصرية وإعادة التأهيل
عمل في الخطوط السعودية 13 عاماً (1980م - 1992م) 4 سنوات مضيف جوي، 4 سنوات كأول طاهي جوي سعودي، 4 سنوات مدرب طهاة جويين، نال شهادة أفضل طاهي جوي 1989م، أفضل مدرب خدمة جوية 1991م.
قدم فكرة «وجبة الراكب الكفيف» حصلت بموجبها الخطوط على جائزة Mercury IFCA 1992 ، جائزة IFSA 1992، جائزة On board Service Magazine 1993.
أصيب بإعاقة بصرية فأحيل إلى التقاعد المبكر عام 1992م على إثره بدأ نشاط إعلامي بالتوعية بتجربته مع فقدان البصر عبر سلسلة من اللقاءات الصحفية، والسفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية والالتحاق ببرنامج للعناية بضعف البصر بمركز لايت هاوس بنيويورك 1994م، ثم برنامج تدريب وإعادة تأهيل بمعهد الجمعية الوطنية للمكفوفين بمنيابلس 1996م، ثم قاد حملة إعلامية عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة وألف كتاباً عن تجربته مع فقدان البصر «حصاد الظلام»، وأسفرت الحملة عن تأسيس أول جمعية عربية للتأهيل وخدمة الإعاقة البصرية في 05/11/2003م سجلت بوزارة العمل والتنمية الاجتماعية برقم (265)، وعين مديراً عليها وخلالها اختير عضواً في اللجنة الوطنية لمكافحة العمى، لجنة المساندة والعلاقات العامة بالوكالة الدولية لمكافحة العمى (IABP)، المجلس الدولي لتعليم المعاقين بصرياً (ICEVI)، المجلس الاستشاري لبرنامج توافق لتوظيف المعاقين بوزارة العمل، وشارك في العديد من المؤتمرات الإقليمية والدولية وقدم العديد من الأبحاث والدراسات في مجال الإعاقة البصرية، وكتابة المقالات الصحفية وألف كتاباً مختصراً للسيرة الذاتية عن جده لأمه الأديب طاهر زمخشري «الماسة السمراء .. بابا طاهر زمخشري القرن العشرين» فجعله شغوفاً بالكتابة فقرر التفرغ للتأليف والعمل الحر وغادر الجمعية في 06/12/2015م بعد 13 عام قدمت فيها الجمعية خدماتها لنحو (29,000) مستفيد و(3,000) مختص بكلفة تجاوزت 55 مليون ريال وإيرادات تجاوزت 50 مليون ريال، وكُللت تلك المسيرة بنيله جائزة الأميرة صيتة بنت عبد العزيز للتميز في مجال العمل الاجتماعي 2015م.
بدأ مرحلة جديدة بتأسيس شركة سطور للنشر وأصدر الجزء الأول من سلسلة «رحلتي عبر السنين» مزج فيها ما بين السيرة الذاتية وأدب الرحلات، ثم كتاب «الأديب طاهر زمخشري في سطور» ترجمة مختصرة عن الأديب.

Ratings & Reviews

What do you think?
Rate this book

Friends & Following

Create a free account to discover what your friends think of this book!

Community Reviews

5 stars
1 (50%)
4 stars
1 (50%)
3 stars
0 (0%)
2 stars
0 (0%)
1 star
0 (0%)
Displaying 1 - 2 of 2 reviews
Profile Image for محمد بلو.
Author 6 books2 followers
October 31, 2019
أول ما تطلع على كتاب رحلتي عبر السنين يعطيك انطباع أنه من كتب السير والتراجم، الأقرب إلى أدب الرحلات، فهو لا يعبأ كثيرًا بالخيال، بقدر ما يعكسه من صور وأحداث واقعية، ذات قدر من الصدق والدقة، والأمانة في الوصف، فقد عنى بتوثيق أحداث العصر الذي عايشه المؤلف، فجعل منه ذا قيمة توثيقية ومرجعاً لا غنى عنه للباحثين لاستكشاف معالم ذلك العصر، والوقوف على ما خفي من مظاهر الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في المجتمع الذي نشأ فيه المؤلف.
يوثق الكتاب ملامح تاريخية لمدينة جدة ومجتمعها في ستينات القرن العشرين والتطور التعليمي فيها وتقديم نبذة تاريخية عن حي الطندباوي بمكة المكرمة وباب التمار بالمدينة المنورة، ونظرة عامة عن العادات والتقاليد فيهما، بالإضافة إلى سرد جزء من سيرة أسرة الأديب السعودي الراحل طاهر عبد الرحمن زمخشري بصفته أحد أبرز أعلام تلك الحقبة وفي نفس الوقت جد المؤلف لأمه الذي كفله بعد وفاة والده.
كما لامس المؤلف جانب من جوانب تراجم المكفوفين بحكم تجربته الشخصية مع فقدان البصر، في ريعان شبابه، وتجربته الناجحة في تحقيق ذاته من خلال التميز والإصرار على النجاح، والتغلب على تلك المشكلة، فقد سطر ذكريات رحلته في الحياة حلوها ومرها، منطلقاً من قراءته لكتاب "نكت الهميان في نكت العميان" لمؤلفه خليل بن أيبك الصفدي، الذي وجد فيه – كما يذكر في مقدمته للكتاب - إضاءات وأنوار كان لها الأثر المباشر والفعال في رفع روحه المعنوية واكتساب العزيمة والإصرار للخروج من ذلك النفق المظلم.
والكتاب في جزئه الأول، يتحدث فيه المؤلف عن طفولته الحافلة بالأحداث المثيرة، عن حياة الطفولة والصبا، وقضاء السنوات الأولى من حياته في حي البغدادية بجدة ثم الانتقال مع أسرته إلى سانت لويس بولاية «ميزوري» في وسط الولايات المتحدة الأمريكية، وعودتهم إلى حي الكندرة بجدة، واختلاف المزاج والحالة مما دفعته للصياح «أبغى أمريكا أبغى أمريكا»، ثم انتقالهم إلى حي الشرفية، فالبغدادية، وفاجعة وفاة والده وقيام جدة الأديب الشاعر طاهر زمخشري برعايته هو وإخوته.
لقد وضعته تلك الحياة في مواجهة قاسية منذ نعومة أظفاره، عندما فقد والده وذاق طعم اليتم والحرمان في تلك السنين المبكرة من حياته. لكن بالرغم من ذلك، استطاع أن يجد الكثير من الفرص السانحة والأوقات النادرة التي أتاحت له أن يحيا طفولة سعيدة في محصلتها، من خلال السفر والرحلات والأقارب والمعارف وأصدقاء والده الأوفياء الذين أحاطوه بالرعاية والحنان، وأضاءوا له الشموع على الطريق من أجل أن يحقق أحلامه في الانطلاق إلى المستقبل الذي يليق به، يساعده في ذلك عدة عوامل، يأتي في مقدمتها طموحه، وإصراره على التفوق والنجاح، وأسرته (المترابطة)، والتشجيع الذي كان يتلقاه من جده الأديب طاهر زمخشري (بابا طاهر).
لقد كان لتلك المرحلة المبكرة من حياة المؤلف التي قضى جزءًا منها في تلال الوسط الغربي الأمريكي «سانت لويس» أثرها في تكوين شخصيته ورسم ملامح مستقبله كإنسان طموح محب للحياة، تواق إلى المعرفة، وصاحب رسالة في خدمة المجتمع.
والقارئ لهذا الكتاب في جزئه الأول، لابد وأن يلحظ فيها عنصر التشويق، وما يزخر به من معلومات قيمة عن مدن جدة، ومكة المكرمة والمدينة المنورة والطائف، والتنوع العرقي والثقافي والبيئي في تلك المدن العريقة، بأحيائها التراثية، وتراثها الشعبي، وحواريها العتيقة، وأحيائها القديمة، وما كان يتميز به كل حي من تلك الأحياء.
واللافت إفاضته أيضًا في وصف مدينة "سانت لويس" الواقعة في ولاية " ميزوري" الأمريكية، بمعالمها الجغرافية، ومكانتها الاقتصادية والثقافية والاجتماعية المتميزة، إلى جانب تسامح أهلها ونبذهم للتفرقة العنصرية التي كانت في أوجها عندما أقامت أسرة المؤلف بين جنباتها بداية الستينيات من القرن الماضي، وحيث كان الكثير من الأفارقة الأمريكيين ينزحون إلى تلك المدينة "طلبًا للأمان والاستقرار".
ويأتي هذا السرد من الذكريات والأحداث من خلال أسلوب متميز لاحظته في كتابيه السابقين (حصاد الظلام، والماسة السمراء)، فأسلوبه يتسم بأبجدية جذابة وسلسة، كقوله في مستهل حديثه عن ذكرياته في الصف السادس الابتدائي: "فهي مغامرة كبيرة أن يتسلل إليك شعور الإنجاز وأنت في الطريق إليه"، وقوله في وصف حمام المسجد الحرام في مكة المكرمة :"وتحلق حول الكعبة وكأنها تطوف مع الناس"، وقوله في موضع آخر من الكتاب :"وعلى غير إدراك مني بدا وكأن المحيط الأطلسي كتب على سطح أمواجه أنني سأكون أحد عابريه مرارًا وتكرارًا". ويصل هذا الأسلوب في أحيان كثيرة إلى مستوى "الفانتازيا"، كما في وصفه لأعراس وأفراح مكة والمدينة.
والكتاب حافل بمفردات فولكلورية لعادات وتقاليد الأهالي، والأسماء التي ترتبط ببعض المأكولات والمشروبات والمناسبات والألعاب الشعبية، كلمات وأسماء مثل: تيازير (حواجز قماشية مزخرفة تستخدم كسواتر لمكان الحفل) – ليلة الدبش (الليلة التي ينقل فيها أهل العروس ملابسها وأمتعتها إلى بيت الزوجية على وقع الطبول والدفوف وأصوات الأهازيج)- لعب المزمار والبرجون والكبت والدقة والكيرم- العلبة والنقرزان والمرد والمرجف (أنواع من الطبول)- الزومال (أهازيج تردد على إيقاع الطبول)- المعاشر(طاولات خشبية مشغولة ومزخرفة بالأصداف تحمل على الرأس ويوزع منها تشكيلة من المأكولات والحلوى المكية لإفطار أهل الفرح والحارة- الهريكاري والسيريه وآيس كريم التماتيك والدندرمة (مأكولات ومشروبات شعبية)، إضافة إلى الأساطير الشعبية كخرافة الدجيرة أو الدنجيرة، تلك الجِنِّية التي كان يخافها الأطفال كما في (أمنا الغولة).
والكتاب غني أيضًا بالمعلومات التي ربما لم يسمع بها البعض من قبل، مثل تطرق المؤلف إلى مستشفى الجذام, الذي كان يقع على طريق مكة بعد بحرة، والذي كان معلمًا بارزًا من معالم مدينة جدة باعتباره المستشفى الأول والأوحد في الشرق الأوسط لمرضى الجذام، وكاللغات الإفريقية الشائعة في مكة المكرمة (الزبرماوية – الهوساوية – الفلاتة- البرناوية ..)، وكقوله إن مطار جدة هو أول مطار سعودي (أنشئ عام 1945), حيث انطلقت منه أول رحلة جوية إلى دمشق.
ولابد وأن يعجب القارئ بالذاكرة الخصبة للمؤلف وهو يصف بالتفصيل ذكرياته في الصفوف الابتدائية الأولى في مدرسة العزيزية، ثم المدرسة النموذجية الابتدائية، ويعدد أسماء كل من عرفهم خلال تلك الفترة المبكرة من حياته، مع وصفه الدقيق لكافة المشاهد والأحداث التي علقت بذاكرته خلال رحلاته المتعددة إلى الولايات المتحدة ومصر ومكة والمدينة والطائف، إضافة إلى الرحلات المدرسية وأنشطته المدرسية الرياضية والفنية وهواياته المتعددة التي سردها بمنتهى الدقة.
ولابد وأن يلفت النظر، ما تضمنه الكتاب من عشرات الأسماء لأعلام في الفكر والأدب والفن والإعلام, ممن التقاهم المؤلف في طفولته وصباه في مجالس جدة «بابا طاهر زمخشري» والأعمام، ممن كانت تربطه بهم علاقة صداقة، من داخل المملكة، ومن خارجها، خاصة من مصر وتونس اللتين كان «بابا طاهر» كثير التردد عليهما، ومن أبرز تلك الأسماء: شاعر الشباب أحمد رامي- المطرب الفنان محمد عبده - عتاب – ابتسام لطفي – أحمد قنديل- محمد حيدر مشيخ – محمد أحمد صبيح – عبد الرحمن يغمور، وغيرهم.
وقد ساهم احتكاك المؤلف بهؤلاء الأعلام منذ الصغر في نمو موهبة القراءة والكتابة لديه، وحيث يعود الفضل الأول في ذلك إلى جده طاهر زمخشري الذي كان المشجع الأول والأكبر له في هذا المضمار.
كما لابد وأن يلفت النظر ما يزخر به الكتاب من معلومات قيمة، كاستعانته بمعلومة للرحالة الفرنسي جول جرفيه كورتيلّمون (كتابه رحلتي إلى مكة في العام 1894)، حول الوباء الذي اجتاح مكة وأدى إلى وفاة العديد من سكانها وزوارها، وما أشيع آنذاك بأن السكان (الأفارقة) هم الذين جاءوا بالوباء، وكوصفه لفوائد نخيل الدوم الطبية، وغير ذلك كثير.
وهناك بعد سياسي في "الكتاب" تمثل بشكل خاص في الحديث عن "ريال فلسطين" الذي كان من أبرز ملامح الدعم العربي السعودي للقضية الفلسطينية على المستوى الشعبي، وزيارة الرئيس الأمريكي نيكسون للمملكة، والرئيس اللبناني سليمان فرنجية في عهد الملك فيصل – يرحمه الله- وحيث كان الطلبة المتفوقين يشاركون في الاستقبال بالاصطفاف على جانبي الطريق للترحيب بضيوف المملكة. كما تطرق المؤلف بإسهاب عن حرب أكتوبر (العاشر من رمضان، أو حرب أكتوبر 1973)، التي يعتبر قطع جلالة الفيصل – يرحمه الله- موارد النفط عن أمريكا من أبرز ملامحها التي سجلها التاريخ بأحرف من نور.
ويبدو البعد التربوي واضحًا في الكتاب، ويمكن الاستدلال عليه من خلال انتقاد الكاتب للأسلوب التربوي الخاطئ الذي كان متبعًا من قبل بعض معلميه، خاصة في مدرسة العزيزية الابتدائية في جدة، كاستخدام (الكرباج) و (الفلكة) في معاقبة الطلاب المخالفين، بما يشبه التعذيب. ويرى المؤلف أن أساليب تلك العقوبات التي كانت شائعة في المدارس آنذاك، تولد الشعور بالرهبة من المدرسين القساة، وعقدًا دراسية من المواد التي يدرسونها، بما يؤثر سلبًا على إبداعات الطلبة، إلى جانب الشعور بالإهانة أمام زملائهم.
ولا عجب إذا حظي هذا الكتاب بأرقى وأعلى التقديرات الأدبية فمن خلال تلك القراءة الممتعة لسيرة حياة المؤلف في جزئها الأول، نجد أن محمد توفيق بلو يحمل أولاً وقبل أي شيء لقب إنسان بكل ما تحمله الكلمة من معاني السمو والنبل والإحساس المفرط بالألم والفرح والحزن والرضى، والإصرار على التميز والنجاح مهما عظمت التحديات وتعثرت مسيرة الإنجاز ,مع سلسلة الفقد الذي طالت حلقاته خلال تلك المسيرة الشاقة بدءًا من فقدان والده، وجده (بابا طاهر)، وحتى فقدانه عمله مرتين عبر صدمتين موجعتين، مرورًا بفقدانه بصره. لكن ظلت الابتسامة، بالرغم من هذه السلسلة المؤلمة- لا تفارق محياه. ويكفي محمد توفيق بِلُّو فخرًا، أنه مؤسس جمعية (إبصار) التي تعتبر منجزاً وطنياً وإنسانياً وحضارياً بامتياز.
رحلة محمد توفيق بِلُّو ما زالت تبحر في البحر الأحمر الذي يعشقه، ولابد وأن يسطر المزيد من الصفحات المضيئة في مسيرة حياته المثمرة إن شاء الله.
Profile Image for Samah.
189 reviews6 followers
December 30, 2021
لفتني هذا الكتاب بمعرض جدة الدولي للكتاب في دار سيبويه
لم اسمع بالكاتب أو اتعرف عليه قبل ذلك
لكن لفتني أنه قصة حياة رجل فقد بصره وبنفس الوقت يكون حفيد الإعلامي والشاعر الراحل طاهر زمخشري رحمه الله
الشاعر والأديب طاهر زمخشري بقدر ماهو اسم عريق وثبت في أذهاننا من الطفولة ونشأنا ونحن نحفظ أشعاره ونصوصه في المدرسة
بقدر ماأجد صعوبة واتمنى أن أقرأ مؤلفاته وبحثت عنها في المكتبات ولم أجدها
ليت أحفاده وأبنائه يهتمون بإعادة نشر كتب جدهم وتوفرها لمن يرغب بقرائتها أو يرفعوها على مواقع التحميل
أحب كتب السيرة الذاتية بالذات عندما عرفت بأن الكاتب من أصحاب الهمم ولم يفقد بصره إلابعد فترة طويلة من عمره ليس من الطفولة
استمتعت وأنا أقرأ حكايات الطفولة للعائلة في أمريكا وبدايات نشأة شركة الخطوط الجوية السعودية وعمل والده رحمه الله فيها
وحكايات الحياة البسيطة والحواري واجتماع الأسرة لاحياء الأفراح في حوش أو فناء المنزل
وشقاوة الأولاد في المدارس وحكاياتهم مع المدرسين
وفقدان الأب في سن مبكرة ورعاية الجد طاهر زمخشري رحمهم الله جميعاً لأحفاده
والسفر للمدينة المنورة
كاقتراح للكاتب في حال اصدار طبعة جديدة من الكتاب
أن يدمج الكتابين في جزء وكتاب واحد
صحيح أني استمتعت جداً بالقراءة وبأجواء الأسرة والحارة
لكن الأصل الذي تحمست منه لقراءة الكتاب لايوجد بهذا الجزء
وهو حكاية الكاتب مع فقدان بصره وكيف تعايش بعد هذا المرض
وأنه أصبح شخص نشيط وفعال لخدمة وتطوع الناس بهذا المجال

كل الشكر والتقدير للكاتب
وبارك الله له في عمله ووفقه
Displaying 1 - 2 of 2 reviews

Can't find what you're looking for?

Get help and learn more about the design.