من وجهة نظر البعض، يستطيع علم البيولوجي تفسير كل ما يتعلق بالعقل. غير أن هناك الكثير من الأمور التي لا تزال دون تفسير: هل يتشكل العقل بالجينات أم بالبيئة؟ إذا كانت الصفات العقلية قد نشأت نتيجة للتكيفات التي تمت عبر آلآف السنين، كما يزعم علماء النفس التطوريون، فكيف يمكن اختبار ذلك الزعم؟ وإذا كان العقل آلة، كما يدعي البيولوجيون، فكيف يمكنه أن يعبر عن شيء معقد جداً كالإدراك البشري؟ يسبر كتاب العقل البيولوجي: مدخل فلسفي، أغوار هذه الأسئلة وغيرها، مستخدماً البيولوجيا والفلسفة لتعريف وتقييم طبيعة العقل. وبناء على الأركان الأربعة الأساسية للبيولوجيا التطورية، والبيولوجيا الجزئية والوراثة، وعلم الأعصاب، والطب الحيوي والطب النفسي، وضع جارسون كتابه.
Justin Garson, Ph.D., is a philosopher and historian of science at the City University of New York. He’s written numerous scholarly books and articles on biology, mind, and madness, including Madness: A Philosophical Exploration and The Madness Pill. He lives in Connecticut with his wife and children.
يبدو أن جاستن جارسون مؤلف هذا الكتاب بارع في تحويل النقاش والتحليل من البعد العلمي البيولوجي بالتحديد الى بعد آخر معقد جدا هو البعد الفلسفي ، لك أن تتصور التفاصيل المعقدة حينما تدخل الفلسفة بكل أسئلتها الوجودية والتفسيرية الى داخل المجال العلمي ، سوف تصبح كل المسلمات العلمية الى افتراضات قابلة للإطاحة بها ، فمبحث الانانية الذي استمد علميا من كوننا نحمل جينات تعمل على صنع آليات تكيفها في الطبيعة عبر التكاثر والبقاء وتحول بذلك سلوكياتنا لتتناغم مع ذلك الهدف ، سوف يكون مفهوم الإيثار احدى مظاهر نقض هذا التكوين مع ان الإيثار نفسه تم تفسير الوظيفة التطورية التي تحكمه ضمن طبيعة الانتخاب الطبيعي وأنتج مفهوم الإيثار الجماعي ضمن انتخاب الجماعة أو انتخاب النسب . وتجد الفلسفة قدرتها أكثر عندما تتغلغل في ثنايا مفهوم العقل نفسه وتطوره التاريخي وما يصاحبه من تطور ثقافي وبروز مفاهيم التكيّف ومن ثم مفاهيم ماهو غريزي وماهو مكتسب ، فيما اذا كان التكيّف يقتصر على الجانب البيولوجي أم المعلوماتي الناتج عن التعلم كما اسماه دوكنز " الميمات " وعليه فهل العملية الإدراكية هي تلك الناتجة عن العمليات الكيميائية التي تحدث في الدماغ أما ان هذا اختزال للإدراك في حد ذاته وعلاقة الإدراك نفسه بإنتاج المعنى والتصور ، وأخيرا الجدل في النقاشات العلمية بحقيقة الاضطرابات العقلية أو النفسية وكيفية تحديدها وضبطها علميًا بين جمعية الطب النفسي وجمعية علم النفس الديناميكي ، فهل الاضطراب ناتج عن خلل وظيفي أم عدم توافق نتيجة لكون الاضطراب حالة تكيفية سابقة عند أسلافنا ورثناها دون فائدة لها ، لتغير في تركيبة الانسان الاجتماعي من عصر لعصر آخر .
كتاب عبقري يطرح مواضيع في غاية الأهمية ومثيرة للإهتمام والتفكير إلى أبعد حد. وإن كان في كتير من الأحيان يثير المسائل ولا يحلها. ويكون له متعة خاصة لو لقارئه أي قراءات مسبقة في علم النفس، أو علم الأعصاب، أو الطب النفسي.