تعدد أصوات الراوي فى سيناريو الفيلم السينمائي البحث الفائز بجائزة كتاب الجمهورية لافضل بحث في النقد الدرامي 2010 (ملخص الكتاب)
تأليف د/فـدوى ياقوت
اصدار الهيئة المصرية العامة للكتاب 2018
يُعد السارد/ الراوي مكوناً أساسياً من مكوناتِ عمليةِ السردِ بشكلٍ عام، والسردِ السينمائي وبناءِ الفيلمِ بشكلٍ خاص. إذ إننا لا يمكننا-بأي حالٍ من الأحوال- تصوُر حكايةٍ بدون راوٍ، أو ساردٍ يحكيها.
وإذا كان مصطلحا الراوي والسارد في اللغةِ العربيةِ يقابلهما في اللغةِ الإنجليزية مصطلحٌ واحد أساسي هوThe Narrator، فإن اللغةَ العربيةَ تتميز بأنها تفرِّق بين المصطلحين عبر التمييزِ بين وظيفةِ كلٍّ منهما، إذ في حين يكتفي الراوي بنقلِ الحديثِ وروايةِ الخبرِ، يقوم الساردُ بتنسيقِ الحكي، ومتابعتِه بتقدمتِه شيئاً إلى شئ، بعضَه في إثْرِ بعض.
لكن هذا التمييز المصطلحي بين وظيفتي الراوي والسارد في اللغة العربية، لايجعل من الراوي المتعارَف عليه في حالة الأدب مناظراً أو مقابلاً حرفياً للراوي في حالة السينما، الذي هو موضوعُ هذا الكتاب؛ حيثُ إن الراوي السينمائي يتميز بأن حكيَه لايقتصر على السرد اللفظي القائم على التلخيص والتقرير فحسب، بل إنه قد يثير بحكيِه مشاهداً تقوم على منطقِ تتابُع الصور، والعرضِ البصري لما يحكيه، أي إنه يقوم بدَوْرٍ يتماس في بعضِ النقاطِ مع دَوْرِ السارد، الذي تصفه ساره كوزلوف Sarah Kozloff بأنه "أشبه بمحركِ الدمى في سيطرتِه على الفيلم"، من منطلَق أنه يُعْتَبر المسئولَ عن تنظيمِ الوحداتِ السرديةِ الفيلمية، حيثُ إنه مثله مثل سارد الأدب "يأتي بها منسَّقة، بعضها في إثر بعض، متتابعة".
لكن الراوي السينمائي يختلف عن الساردِ السينمائي، في أنه يمكن الاستغناءَ عنه، إذا لم يكن الفيلم بحاجةٍ لوجودِه السردي، حيثُ إن السينما التي تقوم-في أساسِها-على الصورة، يمكنها-أحياناً-الاستغناءَ عن شكلِ الراوي، الذي يعتمد في وجودِه -بشكلٍ أساسي- على السردِ اللفظي، في حين لايمكنها الاستغناءَ-بأي حالٍ من الأحوال-عن وجود الساردِ السينمائي المسئول عن منحى القصِ في الفيلمِ بشكلٍ عام.
وعلى الرغم من الاختلافِ البيِّن بين الراوي في حالةِ السينما والراوي في حالةِ الأدب، فإننا لايسعنا عند الكتاب في موضوعِ السردِ في السينما، ومحاولة الاقترابِ من المفهومِ السينمائي للسرد، إلاَّ الرجوع إلى المصطلحاتِ السرديةِ المتعارَف عليها في الأدب، حيثُ إن أغلبَ الدراساتِ السينمائيةِ التي قد تتطرق إلى عمليةِ السردِ في السينما، لم تتأسس من خلالِ دراسةِ الظاهرةِ السينمائية، بل إنها وفَدَت على السينما من مجالاتٍ سرديةٍ أخرى سابقةً على السينما مثل الحكاية الشفوية، المسرح، الأسطورة والرواية.
فالسينما التي لا يتجاوز عمرُها-الآن-123 عاماً، والتي كان عليها أن تُرْسي قواعدَها السردية خلال هذه الفترةِ القصيرةِ-نسبياً- مقارنةً بالفنونِ الأخرى التي سبقتها. هذا الفن الجديد الذي تعلَّمه مبدعوه ومتلقوه معاً، والذي كان عليه أن ينمو ويتطورَ بالتوازي مع عمليةِ تلقيه، وتبعاً للأساليبِ الفنيةِ والسرديةِ التي يستطيع كلٌ من مبدعيه ومتلقيه إستيعابَها، كان عليه أن يستقي-بشكلٍ بديهي-العديدَ من أساليبِه السرديةِ من تلك الفنونِ السرديةِ التي سبقته الشفوية منها والمكتوبة؛ مما يجعل تلك النظرياتِ السرديةِ التي تأسست على دراسةِ تلك الفنون قابلةَ التطبيق-بشكلٍ ما-على السينما.
لكن هذه القابليةِ للتطبيقِ والاستعارةِ لاتعني-بأي حالٍ من الأحوال-التطبيقَ الحرفي دون مراعاةِ الاختلافاتِ بين السينما وبين تلك الفنونِ الأخرى، أو ما يسمى باختلافِ الوسيط، إذ إن عمليةَ السردِ في الفيلمِ تأخذ طبيعةً مختلفةً، من حيثُ إنه "سردٌ يُحْكَى عبر الصَّوْتِ والصورةِ"، أي بواسطةِ العرض السمعي-البصري، بخلافِ ما هو عليه في أي شكلٍ سرديٍِ آخر، يقوم على فعلِ حكي قصةٍ عبر الكلماتِ كالروايةِ مثلاً.
أما مفهوم تعدد الأصوات المقصود في عنوان هذا الكتاب أو البوليفونية Polyphonic فهو مصطلحٌ مستعارٌ من الموسيقى، ويُعتبر ميخائيل باختين Mikhail Bakhtin أول من استخدمه في الأدبِ لوصفِ التعدد السردي في أعمال ديستويڤسكي Dostoevsky، ولكنه وإن كان يعني في الموسيقى مجردَ فكرة التعددِ اللحني، فإنه يعبر في حالةِ السردِ ليس عن التعددِ فحسب، وإنما عن نسبيةِ الحقيقة، وتعددِ وجوهِها، ومدى استحالةِ إدراكِ الحقيقةِ المطلقة، أو بالأحرى استحالةِ وجودِها، فالعالم كما يقول الكاتب ميلان كونديرا Milan Kundera "ملتبسٌ لدرجة أن نُضطرَ على مواجهةِ ليس حقيقةً واحدةً مطلقة بل تلاطُم من الحقائقِ المتناقضةِ...، وأن اليقينَ الوحيدَ الذي يمتلكه المرءُ هو حكمة عدم اليقين".
لكن لابد من الإشارةِ-هنا-إلى أن مفهومَ تعددِ الأصواتِ في السينما، وإن تشابه في بعضِ سماتِه الأوليةِ مع نظيرِه في حالةِ الأدبِ، من حيثُ إنه يشير إلى (من يتكلمون) أو (من يقومون بعمليةِ الحكي)، فإنه يختلف عنه في حالةِ السينما، التي هي فنٌ بصري في المَقامِ الأول، حيثُ يتجاوز دَوْرُ الصَّوْتِ مجردَ الحكي اللفظي، متحولاً إلى وجهةِ النظرِ التي نرى الأحداثَ المحكيةَ من خلالِها، حتى أنه يمكن القولُ بأن مفهومَ تعددِ الأصوات في السينما هو-بالأحرى-تعددٌ في وجهاتِ النظر.
كذلك لابد من الإشارةِ إلى أنه على الرغمِ من أن أغلبَ منظري السردِ-على المستوى النظري- قد يعتبرون كلَ ما يُعْرَضْ في السينما على اختلافِ أشكالِه الروائيةِ والتسجيليةِ"سردياً بالضرورة"، فإن الباحثةَ قد رأت أن تقْصِرَ دراستَها على الأفلامِ الروائيةِ، أو الأفلامِ التي تقوم على حكي قصة، والتي يمكن أن تتوافر فيها ظاهرةُ تعددِ الأصواتِ أو تعددِ وجهاتِ النظر.
وبناء عليه فقد تم تقسيم الكتاب كالتالي: الفصل الأول: الجذور الثقافية والإجتماعية لتقنيات السرد في السينما المصرية. وتم التعرض فيه للأشكالِ السرديةِ المختلفةِ التي توظِّف أشكالَ الراوي وتعددَ الأصواتِ، التي سبقت ظهورَ السينما المصرية ، فالسينما المصريةُ وإن تشابهت مع السينما الغربيةِ في توظيفِها للتقنياتِ الرئيسيةِ، التي تعود إلى كون أن السينما إختراعٌ غربي، فإنها تختلف عنها-أحياناً-في طرقِِ توظيفِها للأساليبِ السرديةِ، حيث إن السينما المصريةَ تختلف في جذورِها الثقافيةِ التي تنحدر منها تلك الأساليبُ السردية، إذ إنه في حين إستقت السينما الغربيةُ أساليبَها السرديةَ المبكرةَ من الأساليبِ المسرحيةِ، ثم استفادت-بعد ذلك-من تطورِ شكلِ السردِ في الرواية. استقت السينما المصريةُ أساليبَها السرديةَ-في بداياتِها- من الأشكالِ الفنيةِ المتاحةِ ذاتَ الطابعِ السردي الشفوي مثل روايةِ السيرةِ الشعبيةِ وعروضِ خيالِ الظلِ والقراجوزَ وصُندوقِِ الدنيا، ومن هنا كانت ضرورةُ التعرضِ لأساليبِ توظيفِ الراوي في تلك الأشكالِ الشعبيةِ بَدْءاً من شكلِه البسيطِ المباشرِ في شكلِ راوي الحكاياتِ والسيَّرِ والمواويلِ الشعبيةِ، وانتهاءً بشكله غير المباشرِ في حالةِ عروضِ خيالِ الظلِ والقراجوز وصُندوقِ الدنيا. كذلك تم التعرضُ للمسرحِ المصري وعلاقتِه بالسينما المصريةِ، بالإضافةِ إلى التعرضِ لشكلِ السردِ ووجهةِ النظرِ السرديةِ في بداياتِ السينما بشكلٍ عام، وكيف تطورت متمردةً على وجهةِ النظرِ المسرحيةِ الثابتةِ، والعواملِ التي ساهمت في ظهورِ وجهةِ النظرِ السينمائيةِ وأشكالِ السردِ المركبِ، كذلك شكلِ السردِ ووجهةِ النظرِ السينمائيةِ وبذورِ السردِ متعددِ الأصواتِ في السينما المصريةِ في بداياتِها المبكرة.
الفصل الثاني: آليات السرد وتعدد الأصوات بين الأدب والسينما. وتم التعرضُ فيه لنشأةِ مفهومِ الراوي/السارد وتطورِه التاريخي ومصطلحاتِ السردِ في الأدبِ ومفهومِ تعددِ الأصواتِ ونظرياتِ السردِ المختلفةِ، مع التركيزِ على نظرياتِ الخطابِ أو نظرياتِ السردِ، التي تتعامل مع السردِ "بوصفِه خطاباً ينتجه سارد". ثم تم التعرضُ بعد ذلك للفروقِِ النوعيةِ بين كلٍ من الأدبِ والسينما، ومصطلحاتِ السردِ في السينما، وأساليبِ الكشفِ عن هُويةِ الصَّوْتِ السردي في الفيلمِ السينمائي، وأهم التصنيفاتِ المتعلقةِ بأشكالِ الراوي/السارد ووجهةِ النظرِ في السينما، مع التركيزِ على تصنيفِ "أڤروم فليشمان" لأشكالِ السردِ والراوي الممكنةِ في الفيلمِ السردي، والذي تم استخدامُه بشكلٍ تطبيقي على الأفلامِ سواء من السينما الغربيةِ أو المصريةِ في الفصلين التاليين من هذا الكتاب.
الفصل الثالث: وعنوانه أشكال الراوي في السينما والسينما المصرية كحالة خاصة. وتم التعرضُ فيه لأشكالِ وتجلياتِ الساردِ/الراوي في السينما بشكلٍ عام ، والسينما المصريةِ بشكلٍ خاص، مع التوضيحِ بالأمثلةِ من كلٍ منهما، وينقسم هذا الجزء إلى جزئين: أولاً: السرد الخارجي: External Narration ويتناول هذا الجزءُ الأشكالَ المختلفةَ للساردِ الذي ليس شخصيةً في الفيلمِ، وليس فاعلاً في السردِ الذي يحكيه، والذي تبعاً لتصنيفِ "أڤروم فليشمان" يمكن أن يأتي على ثلاثةِ أشكالٍ هي: أ. العناوين الداخلية Intertitles ويتناول أساليبَ توظيفِ العناوينِ الداخليةِ، التي كانت أداةً سرديةً سينمائيةً اقتضتها الحاجةُ في بداياتِ السينما قبل دخولِ الصوتِ، ويتناول أيضاً الأساليبَ السرديةَ لتوظيفِ هذه التقنية بعد دخولِ الصَّوتِ. ب. السرد الخارجي بواسطة الصوت الخارجي External Voice-over Narration ويتناول هذا الجزءُ المرحلةَ التاليةَ في استخدامِ السردِ الخارجي بعد مرحلةِ العناوينِ الداخليةِ، والتي ترتبط بمرحلةِ دخولِ الصَّوتِ إلى شريطِ السينما، ومحاولةِ توظيفِ التقنيةِ الجديدةِ لخدمةِ السرد. ج. السرد الخارجي على الشاشة On-screen external narration ويتعرض هذا الجزءُ لشكلِ الراوي الذي يكون مرئياً ومسموعاً أثناء فعلِه السردي على الشاشةِ، سواء كان هذا الراوي أحد صنَّاعِ الفيلم، أو شخصيةً معروفةً للمتلقي، تقوم بعمليةِ السردِ عبر شخصِها المعروف، أو كان صانع الفيلم-هو نفسه-من يقوم بأداء دور الشخصية الساردة في الفيلم. ثانيا: السرد الداخلي: Internal Narration ويتناول هذا الجزءُ أشكالَ الراوي/الساردِ الداخلي، الذي هو شخصيةٌ مشاركةٌ في الحكي الذي تحكيه، سواء بوصفِه فاعلاً، أو كمن وقع عليه الفعل. والذي يمكن أن يأتي على أربعةِِ أشكالٍ هي: 1- السرد الداخلي المباشر: Direct Internal Narration ويتناول هذا الجزءُ شكلي السردِ الداخلي المباشرِ وهما: أ. السرد الداخلي بواسطة الصوت الخارجيInternal Voice-over Narration ويتناول هذا الجزءُ توظيفَ الصوتِ الخارجي للراوي، الذي هو أحدُ شخصياتِ الفيلم، مع المقارنةِ بين توظيفِ الصوتِ الخارجي في حالتيه الخارجيةِ والداخليةِ. ب. السرد الداخلي على الشاشة On-screen internal narration ويتناول هذا الجزءُ إسلوبَ السردِ المباشرِ الذي يتبنى تقاليدَ المناجاة، كأن تتحدث الشخصيةُ/الساردةُ إلى المتلقي أو إلى نفسِها. 2- السرد الداخلي المكتوب: Written Narration ويتعرض هذا الجزءُ للسردِ الداخلي، الذي يوظِّف الأشكالَ المكتوبةَ من رسائل ويوميات لتوصيلِ الحكي، مع المقارنةِ بين أسلوبي توظيفِ الرسائل في حالةِ كل من السينما والأدب، و بين أسلوبي توظيفِ السردِ المكتوب في حالةِ كلٍّ من اليومياتِ والرسائل. 3- العرض العقلي Mindscreen ويتناول هذا الجزءُ الراوي/الساردَ الداخلي الذي لايحكي قصتَه عبر كلامِه مع الشخصيات، أو عبر عمليةِ الكتابة، وإنما عبر استعادتِها عقلياً مع نفسِه، أو مايسمى بالحديثِ العقلي.
الفصل الرابع: السرد الدرامي في السينما بين الصوت الواحد وتعدد الأصوات. ويتعرَّض هذا الجزءُ للشكلِ الرابعِ والأخيرِ من أشكالِ السردِ الداخلي، وهو السردُ الدرامي Dramatized Internal Narration، الذي يتميز بأنه يمكن أن يأتي على شكلين أساسيين هما: أ- السرد الداخلي الدرامي الأحادي: Single Dramatized Internal Narration ويتناول هذا الجزءُ شكلَ السردِ الداخلي الدرامي، الذي يتميز بهيمنةِ موقعِ الراوي/ البطل، الذى يحكم منطقَ بنيةِ القصِ، والذي يمكن أن يأتي على شكلين فرعيين هما: 1. إطاري Framing وهو الراوي الدرامي الذي يتواجد في بدايةِ الفيلمِ ونهايتِه، حيث يظهر في تلك المشاهدِ كقائمٍ بالفعلِ السردي، ومؤطِّرٍ للقصةِ المعروضةِ في الفيلم. 2. تطوري Climactic وهو الراوي الدرامي الذي إضافةً إلى كونِه شخصيةً فاعلةً في السردِ الذي يحكيه، فإنه يتواجد كراوٍ في مسارِ الحدثِ المتطور، كصاحبٍ لوجهةِ النظرِ الداخليةِ الثابتةِ التي نرى الأحداثَ من خلالِها، وصولاً إلى لحظةِ الذروة والكشفِ في الدراما التي يقدمها الفيلمُ، حيث يشغل الفعلُ السردي الموقعَ المركزي في الفيلم. ب- السرد الداخلي الدرامي المتعدد: Multiple Dramatized Internal Narrations ويتناول هذا الجزءُ السردَ الدرامي الذي يتميز باستخدامِه عدداً من الرواةِ أو الساردين، الذين يمثلون مجموعةً من وجهاتِ النظرِ المختلفةِ أو المتعارضةِ، التى تُسلَّط على الأحداث، والذي يمكن أن يأتي-تبعاً لتصنيفِ فليشمان- على ثلاثةِ أشكالٍ فرعيةٍ هي: 1. السرد الداخلي الدرامي المتعدد التسلسلي Serial الذي يقوم على توظِّيفِ مجموعةٍ من الساردين أو الرواة، الذين يسردون أجزاءً مختلفةً من القصةِ، بحيث يشكِّل مجموعُ مايسردونه-بشكلٍ تراكمي- القصةَ مكتملة. 2. السرد الداخلي الدرامي المتعدد التكراري Iterative الذي يقوم على توظِّيفِ مجموعةٍ من الرواةِ أو الساردين، الذين يحكون نفسَ القصةِ أو نفسَ الجزءِ من القصةِ، كلٌّ على طريقتِه، بحيث تصبح نسبيةُ الحقيقةِ–في حد ذاتِها-موضوعاً للسرد. 3. السرد الداخلي الدرامي المتعدد الاقتطافي Anthology الذي يقوم على توظِّيفِ مجموعةٍ من الرواةِ أو الساردين، الذين يسردون مجموعةً من المقتطفاتِ والتنويعاتِ من القصصِ ذات الصلةِ أو بعيدةِ الصلةِ سواء بالتيمةِ الأساسيةِ أو بالشخصياتِ في مسارِ الفيلم.
وبناءً عليه فقد خلصت المؤلفة إلى النتائج التالية: أولاً: إن مفهومَ المنظورِ أو وجهةِ النظرِ في الفيلمِ السينمائي يختلف عنه في حالةِ الروايةِ الأدبية، من حيث إن: الفيلمَ لايُسْرَدُ–عادةً- من وجهةِ نظرٍ ثابتةٍ بشكلٍ حرفي، وحتى في حالةِ تبني الفيلمِ لوجهةِ نظرٍ ذاتيةٍ، فإن الكاميرا لاتتقيَّدُ باللقطاتِ الذاتيةِ، على الرغمِ من أننا مازلنا نرى مجرياتِ الحكايةِ عبر منظورِ-تلك-الشخصيةِ صاحبةِ وجهةِ النظر؛ وبناءً عليه فإن تحديدَ الهُويةِ السرديةِ للساردِ في الفيلمِ، يكون بتحديدِ وجهةِ النظرِ السائدةِ أو المهيمنةِ على معظمِ-وليس على كلِّ-الأجزاءِ السرديةِ الهامةِ في الفيلم. تعذُّرِ بل واستحالةِ الاعتمادِ بشكلٍ منفصلٍ على أحدِ عناصرِ التقنيةِ السرديةِ السينمائيةِ (كزاوايا الكاميرا مثلاً) لتحديدِ هُويةِ الساردِ أو الراوي في الفيلمِ، وذلك لأن الفيلمَ يعتمد على قناتي معلوماتٍ متزامنتين سمعيةٍ/بصرية.
ثانياً: إن السينما المصريةَ ظلت أسيرةَ المنظورِ المونولوجي التقليدي، الذي يوظِّف أشكالَ السردِ الأحادي، الذي يختصر السردَ إلى صَوْتٍ واحدٍ مهيمن، هو الصَّوْتُ الساردُ في الفيلمِ، والذي تراوح ما بين توظِّيفِ الساردِ الموضوعي الخارجي الضمنيExternal Implied Omniscient Narrator، وتوظيفِ الراوي بواسطةِ الصَّوْتِ الخارجي Voice-over Narratorبنوعيه الخارجي والداخلي، وإن كانت السينما المصريةُ تفضل استخدامَ الراوي بواسطةِ الصَّوْتِ الخارجي في حالةِ السردِ الداخلي ؛ الأمر الذي قد يعود إلى سببين: 1. نظراً لما يتمتع به الراوي الداخلي من شكلٍ حميميٍ ومصداقيةٍ لدى المتلقي العادي، الذي يفضل سماعَ الحكايةِ مسرودةً بصَوْتِ أحدِ أطرافِها. 2. إن السينما المصريةَ في توظيفِها للراوي الخارجي بواسطةِ الصَّوْتِ الخارجي قد تأثرت-مثلها مثل السينما الغربيةِ- بأسلوبِ التعليقِِ في الإذاعةِ، التي سبقت السينما في الظهورِ، وبناءً عليه اتسمتْ أصواتُ كلِ الرواةِ الخارجيين في السينما بنبرةٍ أحاديةٍ حياديةٍ متعاليةٍ، الأمر الذي خلقَ مسافةً بين ذلك الراوي المتعالي وبين المتلقي العادي، الذي تعوَّد النبرةَ الحميمةَ التي تُغلِّف صَوْتَ الراوي الشعبي، وأسلوبَ أدائِه الذي يتفاعل ويتلوَّن تبعاً لما يحكيه.
ثالثاً: على الرغمِ من أن السينما بطبيعتِها تحمل في بنائِها السردي بذورَ التعددِ السردي، من حيث تبنيها لأشكالِ الزمنِ الذاتي، التي تتمثل في مشاهدِ التذكُّرِ والأحلامِ والتخيُّل...، مما يجعلها تربةً طبيعيةً صالحةً لنموِ نموذجِ تعددِ الأصوات، فإن نموذجَ تعددِ الأصواتِ لايعتبر شكلاً سردياً شائعاً في السينما المصريةِ مثلما هو في السينما الغربيةِ، حيث إن السينما المصريةَ تقصر إستخدامَ التعددِ الصَّوْتي -في الغالبِ الأعم-على الأفلامِ التي تقوم على عقدةٍ بوليسيةٍ، أو على مبدأ استنطاقِِ الشخصيات. كما أن السينما المصريةَ في استخدامِها لتعددِ الأصواتِ لم تحاول نقلَ النموذجِ المُستخدَمِ في السينما الغربيةِ بشكلٍ حرفي، وذلك لأن الفيلمَ المصري-في الغالبِ الأعم- لايطرح التعددَ الصَّوْتي على طولِ عمليةِ سردِه، وإنما يوظِّفه لسردِ أجزاءٍ بعينِها-دون غيرِها-من الفيلم. وحتى في تلك الأفلامِ التي قامت بتبني منظورِ تعددِ الأصواتِ على طولِ السرد، فإن تلك الأفلامَ لم تقم بتوظيفِ شكلٍ واحدٍ من السردِ المتعددِ على طولِ الفيلم، وإنما قامت بطرحِ التعددِ عبر المزجِ بين أشكالِه المختلفةِ على مستوى الفيلمِ الواحدِ، حيث يتم المزجُ بين الشكلِ التسلسلي والتكراري أو بين الشكلِ التكراري والاقتطافي، دون أن يستقل شكلٌ تعدديٌ واحد –في العادةِ-بعمليةِ سردِ الفيلمِ بأكملِه.
رابعاً: إن الأفلامَ المصريةَ التي تقوم بتوظيفِ السردِ المتعددِ تختلف عن نظيرها في السينما الغربيةِ من حيثُ الهدف، إذ في حين تحاول السينما الغربيةُ-عبر عمليةِ السردِ المتعددِ-رسمَ منظورٍ لانهائي الوجوهِ للحقيقةِ المُفْتَرَضةِ، تحاول السينما المصريةُ محاصرةَ تلكَ الحقيقةِ في وجهٍ واحدٍ، وتطويقَ مساحاتِ السردِ، بهدفِ سردِ حكايةٍ مكتملةِ التفاصيلِ، وسدِّ كلِّ الثغراتِ التي تنشأ عن عمليةِ الحكي المتعدد، والإجابةِ عن كلِ الأسئلةِ التي قد يطرحها السردُ، وهي في سعيِها نحو هذا الهدف، تحاول -ربما بشكلٍ لاواعٍ- تحويلَ كلِّ الأشكالِ السرديةِ التي تقومُ بتوظيفِها، بما فيها الأشكالُ السرديةُ ذاتَ الطابعِ المتعددِ، إلى توليفةٍ سرديةٍ أقربَ لأسلوبِ الراوي الموضوعي العليمِ، الذي يعلم كلَّ شئٍ عن عالمِه السردي: الداخلي والخارجي، وتحاول صبَّ تقنياتِ ذلك السردِ المتعددِ–ضمنياً- في قالَبِ الرؤيةِ الواحديةِ، التي تشبه في نظامِها المونولوجَ، الذي تتم رؤيةُ الأشياءِ فيه انطلاقاً من ذاتٍ واحدةٍ، حتى لو أنها-ظاهرياً-تدَّعي أنها تنطلق من ذواتٍ متعددة.