مشكلة التاريخ العثماني هي مشكلة المصادر ، بمعنى كيف تُأرّخ للعثمانيين وأغلب المصادر الأصلية باللغة التركية العثمانية ! وقد سبق المستشرقون المؤرخين العرب في ذلك، فانتقوا منه ما يخدم أغراضهم، ومن هنا تأتي أهمية مجهود الأستاذ محمد عبد العاطي، أنه فتح بابًا لترجمة المصادر العثمانية مباشرة إلى العربية بترجمته لكتاب الصدر الأعظم " لطفي باشا" عن تواريخ آل عثمان، فهو مجهود مشكور بغض النظر عن القيمة العلمية للكتاب .
هذا الكتاب هو لأحد رجال السلطة العثمانية الهرمية، وقد تربَّى داخل الحرم السلطاني كأحد أفراد الدوشيرمه، وترقى وتدرّب وتعلّم إلى أن وصل للصدارة العظمى ومكث فيها لمدة عامين كاملين، وبالتالي أنت هناك أمام تاريخ يدين بالولاء التام للنظام العثماني، وهذا جيد لو كان في إطار الموضوعية، لكن وللأسف كتاب لطفي باشا يبعد تمامًا عن نقد السلاطين أو نقد بعض السياسات الخاطئة لهم، بل النقد الموجود في الكتاب يمكن حصره حصرًا وهو إما نقده المطول للقبطان خير الدين بارباروس وإما نقده لظلم وطغيان ناقلي الرسائل .
الكتاب هو إذن تأريخ بعيون عثمانية ذات ولاء مطلق للدولة العثمانية من بداية دولة آل عثمان إلى عهد السلطان القانوني، ورغم أن لطفي باشا كان شاهد عيان على عصور ثلاثة سلاطين كبار مثل ( بايزيد الثاني ، سليم الأول، سليمان القانوني) إلا أن الحاسة النقدية عنده كانت غائبة تمامًا و النزعة التحليلية للأحداث لا أثر لها، هو يقول عن بني أمية أنهم أحدثوا بدعًا في الدين ثم يقول عن عقيدة العثمانيين بأنها طاهرة ونقية، بدون أي نزعة نقدية وكأنها خلت من البدع! ولا يتحاشى نقد السلاطين العثمانيين فقط بل هو يكرّس لتقريرات غريبة كقوله بأن السلطان سليم الأول هو مجدد القرن التاسع الهجري ! وأن " عثمان غازي " هو مجدد القرن السابع الهجري !! .
غياب هذه النزعة النقدية - بتقديري- أوجدت غياب للنزعة التحليلية، مثلًا هو يتكلم عن قتل السلطان سليمان القانوني للصدر الأعظم إبراهيم باشا بدون ذكر للأسباب هذا فضلًا عن تحليلها، بل إنه يتعمد عدم ذكر قتل السلطان سليمان لولده مصطفى وكأنه لم يحدث أصلًا ! ، ويذكر واقعة تنازل السلطان مراد الثاني عن العرش لكنه لا يُقدّم التفسير التاريخي لذلك ، هذا فضلًا عن التعميم، مثل قوله أن جيش العثمانيين بعد هزيمة طومان باي قام بنهب ثكنات جيش مصر ، ولكنه لم يتعرض لأهالي المدينة بأذى، وهذا خلاف ما ذكره المؤرخ ابن إياس عن فظائع الجند العثماني بمصر، وعلى الرغم من تهويلات و أيديولوجيا ابن إياس الموالي للعهد المملوكي، فإن الصورة المثالية التي يقدّمها لطفي باشا لا تستقيم إلا عند مؤرخ يخشى من توجيه النقد لعوامل أيديولوجية .
المشكلة الأخرى في تاريخ لطفى باشا أن المواضيع الشائكة والمثيرة للجدل في تاريخ الدولة العثمانية لا تجد لها ذكرًا في الكتاب ولا تسمع لها همسًا، مثلًا في كلامه عن محمد الفاتح اهتّم بالكلام عن الحدث العظيم فتح القسطنطينية، ولم يتعرض لقوانين الفاتح حول قتل الإخوة والأشقاء ومدى صحتها، ورغم أن الكتاب يؤرّخ للجانب العسكري إلا أنه لم يتكلم عن نظام الدوشرمه الذي كان هو نفسه أحد منتجاته، ولا أمدنا بمعلومات ذات قيمة عن الإنكشارية ونشأتها ، كما أن تحليله لدوافع حرب السلطان سليم للشاه وحصرها في الجانب الديني فقط هو برأيي تحليل مُجتزأ .
إذا كانت هذه سلبيات تاريخ لطفي باشا من وجهة نظري ، فإن مميزات الكتاب في تفصيلات الحوادث العسكرية سواء موقعة جالديران أو مرج دابق أو فتح ديار بكر، أو في تقديم رؤية بعض السلاطين مثل رؤية سليم الأول تجاه الشاه إسماعيل الصفوي والرافضة، حيث كان يرى فيهم زنادقة مرتدين حتى أن السلطان سليم زوّج زوجة الشاه إلى نيشانجي تاجي زاده لأنها في رأيه في حكم المطلقة .
بالنهاية الكتاب لا يصلح لتكوين رؤية واضحة عن الدولة العثمانية لمن أراد القراءة عنها لأول مرة، وأرى أن أهميته كمصدر هي أهمية تكميلية بحثية للمتخصصين في التاريخ العثماني أكثر مما يفيد المثقف العام، كما أن الترجمة الرائعة للأستاذ محمد عبد العاطى أعطت الكتاب رونقًا وإبداعًا، وفتحت الطريق نحو ترجمة العديد من الكنوز العثمانية المدفونة تحت ركام المخطوطات الممنوعة عن عامة المثقفين بسبب مانع اللغة .