"لذا نظن أن بعض الذين عارضوا قيام علم الكلام في الإسلام ورموه بالابتداع بحجة أنه لم يكن موجودا في الصدر الأول من الإسلام، وأنه خوض في العقائد ويبعد المسلمين عن الممارسة ويلهيهم عن العمل ... إن مثل هذا الموقف من علم الكلام، والذي اشتهر خاصة بين الحنابلة، ينم عن غفلة أو تجاهل مقصود لتاريخ علم الكلام، بل هو قلب للمعنى الأصلي لهذا العلم وفهم مقلوب له! من حيث إنه يجعل جوهر الموقف الكلامي أنه موقف نظري وعقائدي محض للفعل وللعمل، بينما المعروف تاريخيا أن هذا العلم في طبيعته وتشكله كان - كما لاحظنا - موقفًا سياسيا، ومن ثَمَّ فهو موقف عملي! نعم ! إنه فعلا كان موقفا «كلاميًا»، ولكنه كلام في السياسة وفي «الكبائر» السياسية خاصة والظن الغالب أن هذا الخلط بين الكلام في السياسة والخوض في العقائد قد حجب عن أولئك المعترضين الأبعاد الحقيقية لذهاب العديد من علماء الكلام ضحية سيوف بعض رجال السلطة، متوهمين أن سبب ذلك الاصطدام عقائدي محض ، بينما هو في الأغلب يعكس خلافا سياسيا حادًا طالما حرص رجل السلطة أن يغلفه بغلاف عقائدي".