ميراث سعد محمد رحيم "المحتكر"
ولعبة السارد والمسرود
وصلتني هذه الرواية كهدية من صديق عزيز منذ بضعة أشهر، ونظرًا لأنها آخر أعمال الروائي العراقي الراحل سعد محمد رحيم، فقد آثرت تأجيل قراءتها، وكان أن اختزنتها لميعاد لم أحدده، وقد أحطتها بدرجة من القداسة والاهتمام، وكأنني أخشى أن تنقطع، بانتهاء آخر أوراقها، صلتي بكاتب مبدع لطالما استحسنت منتجه الروائي، قبل أن يرحل عنا مبكرًا، دون إنذار أو تمهيد.
الرواية فائزة بجائزة كتارا، فئة الرواية غير المنشورة، ونظرًا لإصرار مؤسسة كتارا - لسبب غير مفهوم - على عدم تسويق الأعمال التي تحتكر إصدارها كشرط من شروط التقدم في تلك الفئة من المسابقة، ولو عبر عرضها في منصات المتاجر الإلكترونية، كان العثور عليها صعبًا، وشبه مستحيل، حتى حباني الله بصديق مصري مقيم في قطر، ليقصر المسافات، ويذلل الصعوبات.
نحن أمام رجل يحكي حكايته، أو أنه قرر أن يكتب -لأول مرة- رواية يودِعُ صفحاتها فصول حكايته الغرائبية، كنوع من أدب الميتافيكشن. يخلط رحيم السارد والمسرود، ويقحم القارئ في اللعبة عبر خطاب مباشر، وطلب ختامي بالمشاركة في وضع نهاية مُرْضية للحكاية التي تمسك بتلابيبه منذ أولى الصفحات، مستحوذة على انتباهه عبر إيقاع سريع، وأحداث متلاحقة، وتفاصيل مضفورة بحرفية، بحيث لا يشعر القارئ بعدد صفحات النص التي تقارب الأربعمائة.
بغداد مسرح الحكي، وبؤرة الوجع، تنساب المروية كمعزوفة لعازف قلق مشحون بالهواجس، وإيقاع الرصاص والتفجيرات يسري في خلفية الحدث، دون أن يقاطعه، بطريقة تمنح المأساة درجة مؤلمة من العادية، نحن في عام ٢٠٠٧، والقوات الأمريكية سارحة في بغداد، والفصائل في تكاثر مضطرد، والقتل دون مسوغات حاضر خلف سطور مفخخة، والراوي عربي مجبر على التعايش، والرضوخ، والقبول بفتات تمنحه حياة عبثية وتفرضه أزمنة الحرب، فيما تتشكل ملامح الحكاية تدريجيًا في ظل يعكسه جسد استثنائي لامرأة جمعت في ثناياها أطياف الكون وأسرار الشهوة، امرأة تقبض بكف ناعم على كل الخيوط، وضحاياها يتناثرون على عتبات الفصول، وكل منهم يعرفها باسم مختلف، ولا يقدر أن ينسى جسدها، فالأسماء هنا لا تغير من واقع يفرضه حضور الجسد، الذي يعد بالكثير، ولا يمنح إلا حفنة منثورة من خيالات الوصال.
يتتبع الراوي الخيوط المنسابة من أفواه شخوص شاركته الحلم في وصالها، تتوحد الصفات والتشبيهات حين تحضر سيرتها، وكأن الرواة ظلال لعاشق أوحد، يحاول الراوي كشف المخبوء وإزاحة السُتر عن حقيقة المرأة الغامضة، ثم لا يلبث أن تغشاه الهواجس، وقد راح باقي الضحايا يلاقون مصيرًا مأساويًا، الواحد تلو الآخر، يحاول طي صفحات الحلم ومواصلة والاندماج في الواقع، خصوصًا وقد أشرقت في السماء امرأة عاشقة، حقيقية، لا تمانع أن تشاطره العيش المطرز بالخوف والترقب.
تقترب صفحات النهاية، ويتأهب القارئ لاكتشاف الحقيقة، فتأتيه مموهة كأزياء المارينز، ويعلو صوت السارد ليشرك القارئ في فك طلاسم المسرود، مطلقًا دعوة مفتوحة لكل قارئ بأن يتواطأ مع رؤياه الخاصة فيما يخط بعينيه السطر الأخير في الحكاية، ذلك السطر الذي لم يكتب!
قرأت تقريبًا كل أعمال سعد رحيم، تأثرت كثيرًا بأعمال مثل "مقتل بائع الكتب"، و"فسحة للجنون"، وأحببت كذلك "لما تحطمت الجرة" رغم يقيني بأن الموت الفجائي قد سلبه فرصة مراجعتها وتنقيحها، وغيرها من الأعمال. "ظلال جسد ... ضفاف الرغبة" كانت هي الإرث الذي تركه لنا الروائي العراقي، والذي أتمنى أن يتم التسويق له لينال المقروئية المستحقة، أو أن تنتقل حقوقه بطريقة ما إلى دار نشر أخرى تعيد طباعته، بعيدًا عن عقلية الاحتكار، ذلك لأن الرواية تقيم بالبال طويلاً، لذا فهي تستحق القراءة، والاحتفاء، والتناول النقدي الجاد لموهبة عراقية فذة.
رحم الله كاتبنا الكبير، الذي خطفه الموت قبل أن يفيض بكل ما لديه بين يدينا ورقًا وحبرًا...
#محمد_سمير_ندا