عمل أساسي شكّل إنعطافة هامة في تحديث القصة العربية؛ أنه محمد خضير، الذي نوّه عنه الكاتب العالمي ماركيز في إحدى حواراته؛ محمد خضير العالمي الذي يتوارى عن الأنظار ويهرب من أضواء الإعلام لائذاً بكتبه وأوراقه
محمد خضير كاتب قصة قصيرة عراقي من الطراز الأول. بقليل من النصوص استطاع لا أن يفرض اسمه كقاص فحسب، إنما أن يشكل ظاهرة في القصة العربية ويحدث اختراقاَ نوعياَ مازال يتواصل مع نتاجه الكثيف والمميز.
في مدينة البصرة، ولد محمد خضير عام 1942. وفيها عاش وأصرّ على البقاء، حتى في فترات القصف اليومي الذي تعرضت له المدينة خلال الحرب العراقية - الإيرانية، ورغم الهجرة شبه الجماعية لسكانها أثناء تلك الحرب.
ينتمي خضير إلى جيل الستينات الأدبي في العراق. وقد عرفه القراء من مواطنيه حين نشرت أولى قصصه: (النيساني) في مجلة (الأدب العراقي) قبل أكثر من ثلاثين عاما. ثم لفت اسمه أنظار القراء والنقاد العرب بعد نشر قصته (الأرجوحة) في مجلة (الآداب) البيروتية، التي ثنّت بنشر قصته (تقاسيم على وتر الربابة) عام 1968.
صدرت المجموعة القصصية الأولى لمحمد خضير: (المملكة السوداء) عام 1972، وعُدّت عملاً تجديدياً ومغايراً، يشير إلى (عالم متشابك معقد ومركب وبسيط في آن، ومتجذر ووهمي، وواقعي وسحري، محبط ومتفائل، تلعب فيه اللغة والذاكرة والمخيلة والتاريخ والأسطورة والتشوّف الإنساني النبيل أدواراً لافتة للنظر).
وفى عام 1978، صدرت مجموعة خضير القصصية الثانية: (فى درجة 45 مئوي)، وتلتها المجموعة الثالثة: (رؤيا خريف) 1995. وسجلت كل من المجموعتين مرحلة متقدمة عما سبقها في العالم القصصي للكاتب، الذي لم يكفّ عن محاولته الدؤوب لإقامة المتخيل الخارق للمدن، وخلق عوالم مدينية تضرب جذورها في عمق التاريخ الواقعي والخيالي.
وضمن سياق احتفاء محمد خضير بمدينته البصرة، أصدر عام 1993 كتابه": (بصرياثا - صورة مدينة)، الذي سجل فيه وتخيل حياة البصرة في تسعة مشاهد. وصاغ بهذا الكتاب (بياناً شخصياً) يؤكد فكرة (المواطن الأبدي) التي يعمق خضير ـ من خلالها ـ وجوده الإنساني والكتابي، وانتماءه لمدينته.
"عن المدن التي غادرتها؟ المدن التي كنت فيها يوما بالمصادفة، ثم خرجت منها كالحسير. كنت أتمنى لو أني لا أدخل هذه المدن مرة ثانية كي لا تطمس المشاهدة التالية ما رأيته أول مرة. كانت للمدن تلك سمات تعرف بها... بغداد: الأسواق والمآذن والقباب وأبواب السور وأبراجه. الناصرية: المقاهي وسوق الأغنام والإبل والبدو ذوو اللحى الحمراء القصيرة المدببة وأشرطة التسجيل الريفية في المقاهي وأبناء العشائر الباحثون عن الصوف وأغلفة الأسلحة النارية الجلدية. الديوانية: مزارع هاربة من نافذة القطار تلوح فيها تنانير الفجر وصبية نهضوا لتوهم من النوم وخرجوا أمام بيوهتم لمشاهدة القطار. الموصل الحدباء اللاثغة بالراء. الزبير: الخفافون الماهرون في صنع اليمنيات الحمر. أما البصرة فلا تعرف إلا باختلاط الأجناس والأقوام فيها."
القراءة لمحمد خضير ممتعة جدًا, وأكثر من ذلك هي مدهشة بكل معنى الكلمة. لإن القصة القصيرة هنا -وبين يدين خضير تحديدًا- تجري مجرى المغامرة والواقعيّة في ذات الوقت.
قرأت مرّة أن كتابة هذه المجموعة وتنقيحها أخذ منه 7 سنوات, وهذا ما شدّني أكثر لها ولعل أكثر ما يلاحظه القارئ كيف جاء السرد في سياق نص فنّي وبذخ لغوي بسيط, تكراره محبّب للنفس وقريب جدًا منها.
قد تكون المجموعة طويلة قليلًا, لكنك أبدًا لن تشعر بطولها, أو يُداخلك الملل هذا الكتاب كنز من كنوز القصة القصيرة. -
""الأفكار البريئة مستحيلة. عزلتي كامرأة في نشوة. أدس قدمي في جوربين صوفيين أمام المدفأة. وحدتي تخلع أفكارها كامرأة تقشط فتنتها بسكين حادة. اللحظة أسطورتي الماجنة تقود روحي العزلاء إلى ممرات شائكة. اللعنة! ينبغي أن أخرج إلى زمهرير الساحات والمصاطب الخالية، وأتجول حتى الإنهاك، الانفراد بنفسي مستحيل. ولكن ها هو الدفء يشدني إلى المقعد.. النهوض وحده من المقعد معجزة"".
- ما هي أمنيتك القادمة ؟ - ما يسندني . ما يغريني بالبقاء . - ماذا في قلبك ؟ - سكون , خوف , لا قلب لي . - من أنتِ ؟ - امرأة من طين . - لمن تتكلمين ؟ لا أعلم . لمن يحضر ولمن يرى ويسمع , لمن يعلم ولا يعلم .
القصص تبدو كسرد لشخص يتأمل العالم ويصفه من الخارج كما يراه. قصة تصف الصحراء، وأخرى تصف مشهدا من المدينة, او تصف البيت والطرق أو الناس. هناك شخصيات قليلة، وحوار أقل. انها مختلفة وغريبة عن السائد. وهي ذات لغة متماسكة. ولكني لم أنجح في أن أحبها.
"فيما يتأصل الظلام، كان الصوت يبتعد في غور لا يرى ويفقد نبرته الإنسانية، كل شيء يتلاشى في العتمه، ظلام".
في غرفة فوق السطوح وفي أجواء تصل درجة حرارتها إلى 45 درجة مئوية وتتجاوزها بدرجات متفاوته في أحيان أخرى، في أجواء خانقة في قيظ الصيف ولهيبه، وفي صحراء الجزيرة العربية، وبين مدن الخليج وشطئانها، وبين ضواحي البصرة وأزقة الفاو، وبين حكايا بلاد الهند والسند، والمدن البعيدة كل البعد، وخزعبلات البدو وحكايا الموروث الشعبي، وبين الشوارع الممتده التي تعبرها السيارات والبشر على إختلاف أنواعها، وبين سيارة السيرك برسوماتها الصاخبة على جانبيها، وبين أحاديث الثنائي الأعمى في مقهى معزول، وبين مسيرة الحجاج العابرة بين بلدان عديدة وصولاً إلى ضواحي مكة وتعرجاتها، وبين حكايا البحارة والساعاتي، وبين شخوص عديدة تتقلب بين وجوههم وأسمائهم تأتي حكايا "محمد خضير" في مجموعته القصصية هذة، والتي كتب معظم نصوصها في السبعينات الميلادية، والتي تحمل ألوان تلك الفترة وشكل الحياة فيها، تجد نفسك ككقارئ بين السطور متأملاً كل تلك المشاهد التي تأتي إليك مندفعة في شكل حكايا مبهجة وأخرى مبهمه تتلبسها أسلوب المواربة والمجاز، وأنت تحاول تفكيك عقدها، وقراءة ما وراء النص وصولاً للمعنى.
إنها مصافحة أولى لـ "خضير" وحكاياته وأسلوبه في السرد والكتابة القصصية، ولأكون صادقاً وجدت شيئاً من الصعوبة في الإندماج مع بعض حكاياه في هذة المجموعة، فقد كان المجاز فيها والإبهام صبغة معظم النصوص، والقراءة فيها يتطلب جهداً إضافياً لتفكيك النص وتحليل رموزه، لكن المتعة كل المتعة تقع في تعابير ولغة "خضير" اللطيفة والقريبة للفؤاد في السرد والتعبير، فالنصوص مكتوبة بلغة لذيذة وعبقرية، تجعلك تتأمل في تعابيرها وتستدرك كل منحى منها محاولاً إستسقاء المعنى ولو كان بجهد مضاعف، الأمر الذي جعل القراءة في هذة النصوص مشوقاً نوعاً ما وخالياً من الملل، وكأن "خضير" حينما يكتب يترك لملكة قلمه أن تأخذ في الإسترسال والسرد والإبحار في المعنى لخلق جذابية أكبر للنص ولو كان مبتذلاً أو معقداً في شخوصه وحكاياتهم، لذلك كانت المتعة في القراءة بين نصوصه لا تتوقف عن الحضور وحتى إن غابت في جزء وبرزت في أجزاء أخرى من النص.
أحببت أكثر ما أحببت من حكايات "خضير" في مجموعته هذة حكاية البحار السابق الذي أصبح مصلح ساعات في "الفاو" والمعنونه بـ "ساعات كالخيول"، كذلك أحببت حكاية إدريس والتي جاءت بعنوان "إله المستنقعات"، وحكاية الرسام الهرم والتي جاءت تحت عنوان "احتضار الرسام"، أما بقية الحكايا فقد حازت على إعجابي في مواضع منها وفي مواضع أخرى شعرت بالإلتباس نتيجة تداخل الأسماء والأحداث ببعضها البعض وتلبس الحكايا بلباس المجاز والإبهام، ولكن في المجمل كانت القراءة داخل نصوص وحكايا "خضير" مشوقة وممتعة نتيجة أسلوبه السلس واللطيف والمبتكر في التعبير والصياغة الإنشائية.
- اكتشفت أن خطاياي لا تموت، لا تنام، تنتظر حيث خلفتها ورائي، أين أيامنا الطيبة إذن؟ إنها نائمة، مخمورة، مسحوقة تحت جبس القدم الثقيل. آللمنا فقط، الخطايا، هي الحي الباقي الذي لا ينام ، ولا يموت.
- ألا يا إخوتي المجهولين في نصف الأرض الآخر، إني أجلس في ليل أفكر ولا أعمل شيئاً . إني أسأل: ماذا تعملون الآن، خلف البحار والجبال والغابات والصحارى وشوارع المدن العملاقة؟
- كان لابد من الدخول للمدن السعيدة من بواباتها القديمة.
-( حب ، سعادة ، صداقة ، إلهام) كلمات تطفو بحذر وتتلاشى قبل الإمساك بها .
أسلوب القاص العراقي محمد خضير ....مليء بالصور الأدبية....وأغلبها رمزية لتصف واقعا بصورد أدبية فائقة الجمال والروعة....قد تكون صعبة الفهم بعض الأحيان ...أحتاج الى نقد أدبي حتى افهم غرض الكاتب وفكرته ...ولكني أجده رررائعا وغريبا ....يستحق أن يكون أفضل قاص عراقي ...كم اتمنى لو استطعت ان أجد هذه المجموعة القصصية (في درجة 45 مئوي) وقراءتها ....ولكنني كلي يقين بأنها لا تقل عن مثيلاتها ررروعة وجمال
نوعية التفاصيل المنتقاه من قبل محمد خضير ، جعلت من هذا الكاتب ينفرد بالسرديه الشيئية . تفاصيل لا يمكن لك ان تتخيلها الا ضمن السرد لمحمد خضير . اناقة كلمه ، و خيال خصب ، ووصف راق . امور رسمت اسم و شخصية محمد خضير
القراءة لمحمد خضير تجربة مدهشة و مثيرة جداً ، لم اندم يوماً على قراءة اي شيء له و خصوصاً هذه المجموعة القصصيية ، اعجبتني طريقة سرده الجامحة الخيال انه يكتب التفاصيل بطريقة تجعلك بداخل المشهد تماماً و يصوع المشاهد كعوالم مصغرة منفصلة ..
.نسخة كتاب محمد خضير في درجة 45 مئوية المنشور من وزارة الثقافة الأردنية (القراءة للجميع) هي النسخة التي تخص هذه المراجعة. هي نسخة حذفت منها صفحتين من قصة تاج لطيبوثة. والحقيقة هي نسخة طبق الأصل للنسخة التي نشرتها وزارة الثقافة العراقية عام 1978 هناك قصص ممتازة وقصص أخرى مو كلش القصص الممتازة: تاج لطيبوثة, ساعات كالخيول و أله المستنقعات (اما بالنسبة للقصة الأخيرة (منزل النساء) فمحمد خضير غير التركيب في ( نسخة دار الجمل الجديدة (غير متأكد من دار النشر) (المعلومة من صفحته على الفيس بوك بدل من تقرأ هكذا أصبحت تقرأ الجزء العلوي اول وبعدين الجزء الأسفل و بالحقيقة هي طريقة مفهومة اكثر من الخط الفاصل ... عبالي خطئ مطبعي وبعد كل هذا نجمتين ونص ... توقعت اكثر من هذه المجموعة