قصائد جيّدة نوعًا ما، لكن ينقصها شيء لا أعرف ما هو.
«يعيشُ بذاكرة جريحة دائمًا ما يقذفها في وجهي فتلطخ ملابسي ثمّة أشخاصٌ جائعون يودون القفز الى دماغي لكنّي لن اسمح لأحد بذلك الرجل الذي أعرفه ولا يعرفني يسير بفردتي حذاء مثل تابوتين وكلما ضغط على الأرض نقص وتكثَّف هذا الرجل المعتم يحمل بداية العالم ونهايته رأسه ذاكرة جريحة وقدماه مسيرة من رمال أراه كمحكومٍ عليه
ماذا أفعل؟ وأنا ليسَ لديّ سوى قبلة طويلة ومريرة ككلَّ ما حدث..»
"عندما تجلس معي في هذا المقهى الضائع لا تتحدث كثيراً أريد أن اسمع صوت جسدك الحزين وارتعاشة قلبك حين تتذكر أننا سنفترق بعد دقائق أرجوك أبقى صامتاً الكلمات تنهي كل شيء فقط اسمح بالليل بالدخول"
"أّيّةُ سعادةٍ ستكون لك أيها الكوكب العظيم لو لم يكُن لديك هؤلاء الذين تنيرهم! لعَشرِ سنواتٍ وأنت تتردّد على مغارتي هذه، ولولاي أنا ونَسري وحيّتي لكان أصابك المَلَل من نورك، ومن هذه الطريق".
تعكس -برأيي- تلك الفقرة المقتبسة من كتاب "هكذا تكلم زرادشت" للفيلسوف الألماني "فريدريك نيتشه" حالة جديرة بالتحليل. فبإضائتها بعض من خلاصة نظرة "زرادشت" حول ما تحيطه من حركات الطبيعة- كحركة الشمس والنسر والحيّة-وعلاقتها بنفسه وأثرها على توّلد أفكاره -الممثلة بالمغارة- نستطيع استنباط بعض المسميات والقضايا المرتبطة بالوجود الإنساني؛ والتي من أهمها الجدل على منبع قيمة الأشياء: سواء كانت في الصورة الأصلية لها -حيث الشمس وفق وصف زرادشت- أو في طبيعة وحجم الانطباعات المتبادلة عليها-كما وضع زرادشت نفسه والنسر والحية كأهمية متوجة لمسيرة الشمس-.
وقياسا على ذلك، قد يتجلى أمامنا -إن نظرنا داخل أنفسنا- سؤال: ما هي بوصلتنا؟ أو بمعنى أوضح أين تكمن سر قيمتنا؟ أفي ذاتنا بما يخرج منها من تأملات وانفعالات؟ أم في الآخرين من خلال ساقية التأثير والتأثر التي لا تكف عن الدوران بيننا وبينهم.
بحرص شديد، لكون تلك القضية -بشكل ما- السبيل لفهم النفس واستقرارها، صممت الشاعرة "زيزي شوشة" ديوانها "اسمح لليل بالدخول" -الصادر عن منشورات المتوسط لعام 2019- على شكل رحلة. عمادها شذرات من نظرية "نيتشه" عن الإنسان الأعلى: تنسلخ عن ذاتها وتجاربها التي تشكلها والتطهر من أثرها -كما ذكرت الكاتبة بقصيدة "أريد أن أسأل عن الطريق" وقصيدة "لم أودع أحدا"-، متغلبة على الخوف من الخطوات الجديدة المشبعة بشعور الاغتراب. لتصنع مسارا جديدا تفكك فيه نفسها مرات عديدة بطرق مختلفة. في كل مرة جديدة تخفت رؤاها ودليل طريقها-والتي شبهتها بقصيدة "هذا هو الحزن" بالحذاء الذي لا يسعه الطريق -، لتنبعث منها ومضات من انفعالات صافية، تقترب فيه من فهم نفسها، وكذلك تمكنها من التسامي-وُضِح ذلك في استخدام كلمة الرب في قصائد "هل يصحح أخطاءه، وهذا هو الحزن، وجثة العالم، وحين أموت"- واقتناص نظرة مختلفة للحياة تتوهج لفرادتها وتجمع فيها كل النقائض فيها، متحدية عتمة العالم-كما في قصيدة "استطاع أن يرى"- بخروجها عن السائد، أو بتعبير أبلغ..جنونها.
❞ أنا لا أُحبُّ التفاصيلَ والحياةُ بالنسبةِ إليّ رأسٌ وقَدَمَانِ، فلن أُحدِّثَكَ عن الطريق، عن الجوعِ الذي حَفَرَ جَسَدي، عن الإهاناتِ التي التصقَتْ بثوبي ❝
-من قصيدة "هذا هو الحزن".
كي يتم التفكيك بما لا يحيد عن الأطر اللازمة للعيش-وفق ما تراه الشاعرة-، كالرؤى والتأملات والمشاعر "الرأس"، والخبرات المتراكمة من أثر الزمن "القدم"، تحايلت الشاعرة على الزمن مثبتة نفسها بين زواياه-متلامسة مع شخصية "السيد موسار" في قصيدة (استطاع أن يرى)- ليبهت تأثيره بنسبة كبيرة-كما بجملة "ثبتنا الزمن بالمسامير" في قصيدة "لم ير أحدنا الآخر"، وتشبيه الزمن ب"جثة متعفنة بالحياة" بقصيدة "من هنا تبدأ الحرب" -. لتستطيع توزيع نفسها على جهات متفرقة، وأيضا وصل تلك الجهات ببعضها لتحدد وتمايز بمجموع ذلك كله معنى الحياة وشكلها.
❞ ابقِي مكانكِ نحنُ هنا نسيرُ مرتجفين مُهدَّدين لأنّ أقدامَنا مَربوطة ورُؤُوسَنا تَحنِيها السماء ابقِي في سَفَرِكِ ربّما لا يكونُ هناك شيء فتصبحين حُرَّةً إلى الأبد ❝
- من قصيدة "أشياء"
تشكل قصائد "عاطفية جدا، وحين أموت، ووجبة طازجة للصباح، والأنبياء الجدد، وسيكون حرا، ووجهي بلا قناع" ومضة نقية لرغبة النفس المزروعة فيها بالبحث عن جدوى الوجود. ونجد همها المصاحب لها-برغم خفوته أمام متطلبات الحاضر- في التقاط مشاعرها. ومن ثم تركيبها وتوظيفها بحسب قوتها وطريقة استجابتها لها. صائرة بمرور الوقت قصيدة قوية تقتبس من صومعة العابد- مثل جملة "عظامه جدار" بإحدى القصائد- احتوائها له ودلالتها عليه، والأهم شكلها: فكلما تماهت المشاعر مع طبيعة النفس -المشار إليها دما حرا كما في قصيدتي "قنبلة مثيرة للدماء وعاطفية جدا" وتقوت كدرع واقٍ يغلفها من مظاهر الواقع الصاخبة، أصبحت منفذا سهلا للتأمل. وبالتبعية تتآلف تلك التأملات بشكل سلس مع القضايا الكبرى -كالموت والحياة والتعرف على الذات الإلهية-، محولة إياه مع توليفة مشاعرها إلى طاقة /نقطة صافية يستدل بها رفاقها الحيارى برحلتهم بالعالم الموحش"كما في قصيدتي (تلك قصيدتي) و(الأنبياء الجدد)".
" من ذلك كله صنعت قصيدتي وصفوها بالزهرة السوداء وهذا ما أسعدني غير أنهم سخروا من نفسي القصير، ونصحوني بتوسيع العالم"
من قصيدة "وجبة طازجة للصباح"
باتجاه آخر تصور قصائد "جثة العالم، وهذا هو الحزن، ووجهي بلا قناع، وتابوت، ووجبة طازجة للصباح، ودون أن يراني" علة الرغبة بالانسلاخ، عبر إلقاء الضوء على شكل التشوش الذي يصيب الذات. والذي يحدث جراء معايشة الواقع، والتفاعل مع رموزه وأشكاله المختلفة، بداية من الأب والأم في قصيدتي "دون أن يراني، وتابوت" إلى العابرين - والتي صنفتهم الشاعرة بأنماط أربع في قصيدة وجهي بلا قناع-.
وكنتيجة منطقية نجد الذات تمتص بشكل تام آثار هؤلاء-سواء معتقداتهم "كالأم"، أو أفعالهم "كالأب أو لقطات من مآسيهم كقصيدة "هل يصحح أخطاءه؟"- ناسجة منها ثوب يزيد اتساعه نتيجة لاستحكام الحاضر لوعيها، وبثه تعطشا لاستقبال وصنع لقطات أخرى. وبالتبعية تحتجب عنها حقيقة صورتها في كل لحظة، وبعد ذلك تختفي. لتصير-بسبب ثقل التجارب- مكبلة في مكانها، مستسلمة لموتها الخاص-أي خواء نفسها- مثل رفاقها العابرين الذين أضاعوا بوصلتهم لأجل العيش "كما بقصيدة جثة العالم"، مراقبة مثلهم معركة يائسة بين الفجيعة على ما مضى، وبين الحزن على عجزهم للعودة. متأملة-بين نفسها- أن تأتي لقطة-ولو صغيرة-تهدأ فيها اللقطات المتدافعة، لتنتقل قلبها -أو بتعبير الشاعرة يديها بقصيدة يدي العمياء- من المزاحمة إلى التفتيش داخلها، عسى أن يحررها من تابوت توارثته منذ الأزل.
"سيأتي الشعر حین نصمت أتصوره بفمه اللانهائي، ثم يفرش السحاب على الأرض، ويزرع النجوم في الشوارع، وبنظرته الأبدية، يموه البلاد حتى تُصبح جسداً واحداً، في وجه السماء"
من قصيدة "من هنا تبدأ الحرب".
ومن خلال قصائد "لم ير أحدنا الآخر، ولا تنس الطعنات، قدمي مزدحمة بالشوارع، واسمح لليل بالدخول، وأريد أن أسأل الطريق، والمأساة، وذاكرة جريحة، ومجهولة" تصل "زيزي شوشة" بين الاتجاهين، لتكون صورة شاملة للذات. تمثل فيها حالة هائمة تصل بين الاتجاهين. واضعة مسافة بينها وبين نهاية كلا منهما: سواء الموت في فقدان المعنى، والتحول لآلة تكرر يومها، أو الموت بصفته رحما /عتبة لحياة جديدة. ومنه تستعين الشاعرة بما يضمن الاستمرارية في تلك الصورة أي الغواية باستدعاء المشاعر المبهمة، وتمثيلها على هيئة محب تسعى لفهمها تارة "كما قصيدة ذاكرة جريحة" وتقترب منها متفاعلة معها. ذائبة فيها كجمل "وجهك يتسلل بهدوء إلى غرفتي، ليس لدي سوى قبلة مريرة، لن أتركك حتى خلاصنا الأخير، لا تبكِ حين أنظر لعينيك الموجوعين" متقبلة ألمها "كما قصيدة لا تنس الطعنات " حتى تقترب من فهمها، وتحقق شعور صاف من لذة وألم، لتتركها دون اقتناص لها. صانعة من أثرها وشعور الانكسار للخطوات غير المكتملة، ومضات شعرية، يمكنها أن تصف عالمين دون أن تندمج بأي منهما-مثل سؤال الذات عن الموت بقصيدة مسافة قصيرة وتظل هكذا إلى أن تنكسر تلك العتمة بخيوط النور، أو بالأدق تميل الذات إلى أي من الجهتين-مجبورة أو راضية- وقد غمست بالمعرفة، وخلاصة المعنى. كأن يستمتع سيزيف بصخرته وعذابه
فقط أريد أن أنتهي ان تتساقط أعضائي، و أتلاشى تماماً، أن أصبح أي شي، لم يخلقه الرب وقتها سأكون ��رة الرب أيضا سيكون حرا عندما لا يكون رباً سيكون حراً عندما لا يكون شيء
لازالت مع الدواوين القصيرة التي أصبحت ملاذا لي للنجاة من ال reading block ولكن قبل ان ابدا بالحديث عن الديوان يجب ان اشكر القائمين علي دار المتوسط للنشر واهتمامهم الشديد بالشعر عموما والشعر النثري خاصة و اهتمامها بمستوى المحتوي التي تنشره تحت اسمها....
زيزي شوشة شاعرة مصرية شابة يعتبر هذا ديوانها الثاني بعد ديوانها الأول ( غرباء علقوا بحذائي) الذي نشرته الهيئة العامة لقصور الثقافة ثم نحن هنا بصدد ديوانها الثاني مع دار المتوسط....
مستوى القصائد كان متفاوتا بين العادي والجيد والمقبول والقصائد كأنها اشبه برسائل تكتبها الشاعرة إلى نفسها او الي حبيبها او الي الرب.... انه ديوان ينقصه شيئا لأقول انه جيدا ويستحق الإشادة ربما ينقصه الصدق... وربما ينقصه النضج ليس النضج اللغوي ولكن النضج في اختيار القصائد و الأفكار... الكاتبة كلغة مستواها جيد جدا ولكن طالما قررت ان تلعب لعبة الكبار وتكتب كما يكتب الكبار يجب ان تقيم أعمالها كما تقيم أعمال الكبار... زيزي شوشة شاعرة في طريقها ان تصبح شاعرة جيدة ولكن اعتقد ان الطريق مازال في بدايته بالنسبة لها....
"أعرف رجلًا يحب الوصول إلى أقصى الأشياء، يتسلّقها دون أن يتأملها، لذا دائمًا ما ينكسر بسهولة، أعرف آخر يهوى متابعة الأشياء المتحركة، يحب الأماكن المفتوحة، يوزّع نفسه في كثيرين، ثم يسحبها بيد حادة ويمضي دون أثر، أعرف ثالثًا يعشق الحفر في الأرض، لم ينظر يومًا إلى السماء، أعرف رابعًا يتنزّه في رؤوسهم، يتتبعهم ليلًا لا يتركهم، دون أن يأخذ جزءًا منهم، هؤلاء أعرفهم جيّدًا، لكنّهم، أبدًا، لم يروا وجهي بلا قناع."
بما انني قراته الكتروني وفي لحظة انتظار فلم اندم اما اذ كنت قراته ورقي فسوف اندم ، اقول رائي بشفافية وصدق اعجبتني فكرة التجرد والحرية لكن ممكن لو باسلوب افضل من انه تذكر الرب في مواقع او شعر كهذا لايليق بجلالته ...
اليوم، انتزعتُ القذارة المستقرة في جلدي، ردمتُ الحفر في أعماقي، أحرقتُ إهانات الاصدقاء، أفرغت دماغي على وسادتي، لبستُ نظيفاً، وأكلتُ كل شيء، مشيتُ العالم كله، ولم أودع أحداً الآن سأذهب إلى الموت.
يمثل لي الشعر الكثير ، منها استراحة قصيرة عن الكتب الضخمة و منها ان استحم بالصور الشعرية ، ان استفد شيء ، اي شيء من التجارب هنا و هناك ، هذا كل ما يهمني من الشعر لكن لم اخرج من هذا الكتاب بأي شيء