يواصل المفكر العربي الراحل الياس مرقص في هذا السفر الضخم خطه النقدي الذي بدأه في مطلع الخمسينات بنقد الأحزاب الشيوعية ثم واصله من خلال نقد السياسات العربية . وانتهى به إلى نقد الفكرية السائدة في منطقتنا من جهة ، وفي العالم من جهة أخرى .
وقد كتب الأستاذ مرقص هذا المؤلف بعد حضوره ندوة حول العقلانية العربية في تونس ، حضرها مفكرون وكتاب عرب من مختلف الاتجاهات ، ناقشوا من خلالها مختلف مناحي الحياة الفكرية والعملية العربية . فتابعهم نقدياً في مؤلفه هذا ، وحاورهم في الميادين المختلفة التي تخصصوا بها أو تطرقوا لها ، لذلك اخترق الحوار حقول السياسة والاقتصاد والفلسفة والتاريخ والمجتمع وعلم اللغة والدين ، فجاء شاملاً في موضوعاته ونظراته ، ومثّل تطويراً مفصلياً وهاماً للفكرية النقدية العربية ، كما جسّدها الأستاذ مرقص ، وقدّم إسهاماً كبير الأهمية في إعادة قراءة الفلسفة والفكر الإنسانيين في مختلف تجلياتهما ولدى ممثليهما العرب المختلفين على امتداد الساحة العربية .
من هنا يستمد الكتاب أهميته البالغة كأحد أهم المساهمات النقدية في الحياة الفكرية ، ولا سيما في هذه الظروف الصعبة التي تمر بنا و(بوصلة) الاتجاه تكاد تتعطل كلياً .
الياس مرقص (ولد في اللاذقية عام 1927 وتوفّي عام 1991) مفكر سوري يعتبر من أهم المفكرين الماركسيين العروبيين، الذين حاولوا ايجاد وحدة بين التيار الماركسي والقومي العربي أو كما يقال انجاز الماركسية المعربة، وإن بصيغة مختلفة عما كان حاول إنجازه مفكرون كعصمت سيف الدولة ونديم البيطار القادمين من التيار القومي العربي، لكن مع إفراد حيز مهم للجانب النظري من حيث أسبقيته على كل ممارسة سياسية (التطبيق) الذي يخترق كل جوانب العمل القومي العربي نحو الاشتراكية
أمة عربية جالسة في السماء . ان الذهن العربي المتكلم احياناً عن صراع البقاء والمحب للصراع وصراع الاضداد والتناقض لم يفهم شيئاً ذا اهمية في قضية التطور والتاريخ والصراعات البشرية الحقيقية . على الفكر العربي ان يترك الشرقية الفنائية ، يجب على الفكر الغربي ان يدرك مقولات التناقض او التقابل لا تحيل على الوجود وعلى المحسوس والصراع بل على القول والكلام وعلى عملية المعرفة ليس عيباً ان الثقافة العربية توقفت في القرن الرابع عشر ثم تقلصت وانهارت بعض المخطوطات الرياضية في القرن الثامن عشر تبدو في منتهى التفاهة والبدائية بالقياس مع عصر اولير وبرنويي ولابلاس ، العيب هو ان العرب الان في مستوى القرن الثامن عشر . الصحراء حاضرة في منعكساتنا وعاداتنا اليوم حضور الندينك ، التجزؤ عربي الاقتتال عربي الحقد بلا حد عربي ، ثمة اعتقاد يكاد يكون نظرياً عند العربي ، يدفعه من حيث المبدأ الى اعتبار الاقدم هو الافضل التاريخ العربي الاسلامي. المسألة الدينية ظهرت وبرزت لكنها فيما بعد اختنقت او خنقت وانحطت من المسألة الدينية الى مسألة مذاهب وطوائف الى كاريكاتور عقيم ، السؤال الديني عن الانسان طوي مسألة التاريخ كتقدم وواجب انتهت الدين لم يتحول الى فلسفة بين الدين والعلوم الفلسفة حلقة مفقودة . ان اول مصيبة في تاريخ الاسلام هي سقوط علم الالهيات العقلي نوعاً ما المسلمون بدؤوه لكنهم فيما بعد صرفوه . في العلوم العناصر الثورية ظلت اسيرةالمنظومة العلمية القديمة التي وجدت جامعاتها وذروتها الكندي ابن سينا الغرب قبض على هذه العناصر ادركها وبنى العلم الحديث رمزه غليليو ، كوبرنيك ، نيوتن ولكن العرب اضاعو هذا العلم . في خطاب العرب لاسيما المحاربين ضد اوروبا مع الهوية والاصل كل الفكر الاصولي الرجعي محكوم سواء اعترف او لم يعترف بهاجس الاوروبي الرد على الاوروبي والتمايز والقتال ضد الاوروبي . يبدو ان العرب من بين جميع الامم والملل الاكثر انبهاراً والاكثر رفضاً وتشنجاً الاكثر افتتاناً بالشقر الاكثر ارتياداً لعلب الليل والاقل ارتياداً للمتاحف وقاعات المحاضرات . ان اكبر ما يصيب ويهدد التعليم العربي اليوم هو الاستغناء عن الفلسفة والمتطق والديالكتيك ان الذهن العربي بعيد عن الفكر الرياضي ان العربي في القرون الوسطى الاخيرة ابعد عن الرياضيات من الغربي ، العلم الرياضي العربي اكثر عزلة عن المجتمع ويموت في عصر الانحطاط . ان الذهن العربي العام اقرب الى فكرة السلطة والحكم والى ثنائية الحاكم والمحكوم منه الى فكرة الدولة والمجتمع . العقلانية العربية في مأزق ، الروح العربية غير جيدة هي التي تحتاج الى تجديد الى تغيير الروح كلها جميع ميادين الروح ، ان مسعو غرس العقل الغلمي منفرداً عبث ، ايدولوجية المسعى مغلوطة ، مضمون عقلانية العقل المذكور قاصر في الاساس الان فترة عصبية يتراوح فيها الفكر العربي بين الاصولية المطلقة والعدمية المطلقة ، السائد هو ان العقل او التفلسف لا يسمن ولا يغني من جوع في مجتمعات تتراوح بين دينية العصر الوسيط وعملية العصر الحديث
الياس مرقص يباشر العقلانية العربية بمباضع جراحية حادة ، بها يفتح جروحات الفكر العربي المعاصر مع أبرز مفكرينه من حسن حنفي ، الجابري ، البيطار ، طرابيشي ، سمير أمين ، وغيرهم ، مرقص ينقد كثيراً الفكر العربي خصوصاً رواد النهضة ( فرح انطون ، شبلي شميل ، على عملية مسخ المفاهيم التي يمارسها هؤلاء على الأفكار ، فمثلاً داروينية شميل مفرغة من عصب مفهوم التطور بما هو مفهوم ، حسن حنفي يتناول سبينوزا بدون النفي المضاعف ، الماركسية العربية الخاضعة تحت مقولات الستالينية ، وهي في جمودها لا تقل رجعية عن ماتدّعي قطيعةً معه ، وإنما استبدلت عبارات الفكر التقليدي ببعبارات تدعي العلمية والتي ينضح بها المعجم الإنجلزي والمعجم اللينيني والمعجم الستاليني . أصنام العروبة كما تحضر لدى مفكريها وهي مأقنمة في علياءها ،فهمي خشيم وخزعبلاته اللغوية ، كل هذه يفتك بها المبضع المرقصي الكتاب لا يشكل أطروحة بحد ذاته وإنما هي هوامش الكاتب على ندوة بنفس عنوان الكتاب أقيمت في قاعة الباردو في تونس العاصمة خلفية الباحث الرياضية والابستيمولوجية أتاحت له الوقوف على الكثير من انسدادات الفكر ، فهو يشرح على سبيل المثال لماذا على الرغم من دراسة الرياضيات وعملياتها الرياضية إلا أن المتعاطون مع الرياضيات في منظوماتنا التعليمية تدريساً ومنهجاً لا تتعامل مع الرياضيات بما هي مفاهيم رياضية مجردة تشكل أس عملية التفكير وفهم العالم مفهومياً ومنطقيا بما يفتح المجال لتفتق ملكات العقل والتأمل في الوجود وإنما تغدو مجرد عملية تطبيق أو إنزال للعلم على الواقع . كذلك إلمامه ببواكير الفلسفة اليونانية (ماقبل سقراط : هيراقليط ، اناكسيمندر ،،بروتاغوراس ، فيثاغور) أتاحت له الوقوف على الأساسات التي التي تتكئ عليها الفلسفة بما هي فلسفة من مثل : النوس ، العقل ، الذهن ومعارضته لتلك المفاهيم مع ما يطرحه الفكر العربي بخصوص ذات المفاهيم ، منتقلاً إلى تعاطى المفكرين العرب ه مع مفاهيم الدين والتقدم والمطلق . الياس مرقص مفكر هيغلي-ماركسي-عروبي ( بالمعنى ماركس) وليس بمعنى الماركسية المتمركسين المبتذلة والكسولة لمفاهيم الماديانية ، هيغلي من ناحية المنهج الجدلي ، عروبي من وجه العمل والسعي لأجل عروبة غير ناجزة . في فضاء النقد المرقصي تحضر نسائم المعرفة بعد أن أتاح لها كاتبنا فسحة للعبور ، وتغيب بعض أطياف المعرفة ولبوساتها الايديولوجية ، بما يعيد المجال للتفكير فيما تم التفكير فيه وما لم يتم التفكير فيه ، مفكر رفيع