في قصص "بو" يمتزج الجنون بالعبقرية والشناعة بالوداعة والقسوة بالرهافة، لذا فترجمة "بو" مهمة في غاية الصعوبة، لكن "خالدة سعيد" - زوجة الشاعر أدونيس - نجحت باقتدار في نقل هذا العقل العجيب إلى قراء العربية الذين سيجدون - بدورهم - صعوبة في فهم وحب أدب هذا الرجل ما لم يكونوا - بدرجة ما - مجانين مثله! الترجمة - كذلك - جيدة من حيث الكم، ففي هذا الكتاب أكثر من عشرين قصة متفاوتة الطول تقع في 360 صفحة. الكتاب صدر عن "دار مجلة شعر" في بيروت عام 1962 وقد يصعب الحصول عليه، لكنه - على الأقل - موجود في مكتبة الإسكندرية.
أختم باقتباس من قصة "اليونورا" قد يوضح جانبا من شخصية هذا العبقري:
"سمّاني الناس مجنونا، غير أن العلم لم يكشف لنا بعد فيما إذا كان الجنون ذروة الذكاء أم لا، وفيما إذا كان كل ما يسمى مجدا وكل ما يسمى عمقا ليسا آتيين من مرض فكري، من حالة روحية تتمجد وتنمو على حساب الذهن العام. هؤلاء الذين يحلمون وهم أيقاظ يعرفون أشياء كثيرة تفلت من هؤلاء الذين لا يحلمون إلا وهم نيام. إنهم يلتقطون - في رؤاهم المغيّمة - لمحات من الأبدية، وإذ يستيقظون يرتعشون لتنبههم أنهم كانوا للحظةٍ على ضفة السر العظيم. إنهم يدركون - جزءا فجزءا - شيئا من معرفة الخير، وأكثر أيضا من علم الشر. وهم - بلا دفة ولا بوصلة - يخترقون المحيط الواسع للضياء الذي لا يوصف."
أحمد الديب
سبتمبر 2011