هذه الدراسة التي كتبها د. عبد الخالق لاشين من أفضل الدراسات التي كُتبَت عن سعد زغلول في الفترة من (١٩١٤- ١٩٢٧)، وهي استكمال للدراسة الأولى- التي سبق وتكلّمنا عنها- والتي وقف فيها لاشين عند سنة ١٩١٤. مصادر هذه الدراسة هي عماد قوتها، فقد اطلّع لاشين على مذكرات سعد باشا التي كانت وقت كتابة الدراسة في عداد المخطوطات. بالإضافة للعديد من المراجع الإنجليزية و العربية المهمة على الحقيقة.
ما أعجبني أيضًا في هذه الدراسة هو أنّ د. لاشين لا يكتفي بالسرد التاريخي المطلق، وإنما هو يُعمل أدواته التحليلية، كان هدف لاشين ليس إدانة سعد زغلول، أو الترويج له كزعيم كاريزمي ملائكي، ترك لاشين نفسه للبحث كي يقوده إلى تكوين صورة عن سعد باشا. قال لاشين أنّ هذه الصورة قد لا تُعجب المبهورين بسعد باشا، حقيقة لم يحاول لاشين إظهار سعد باشا في صورة الزعيم الملائكي، لكن في نفس الوقت لم يحاول شيطنة زغلول، أو تقييمه أخلاقيًا تقييمًا مجملًا، هو تعامل معه بوصفه " بشر" له مميزاته وسلبياته، لكن هذه المميزات والسلبيات وضعها لاشين في إطار تقييمي كبير وهو الإطار الوطني والمصلحة القومية في فترة حرجة من تاريخ مصر في سعيها نحو الاستقلال.
من جميل الدراسة أنّها تنطلق من رسم صورة سعد زغلول إلى رسم صورة عامة للحركة الوطنية المصرية في عشرينيات القرن الماضي، فرغم سيادة التيار الليبرالي بمفهومه القومي بعد الحرب العالمية الأولى إلا أنّك تكتشف هنا مع لاشين أنّ هذا التيار كان منقسمًا بشكل كبير، بل سنرى الآراء السلبية لسعد زغلول في رفاقه في النضال الوطني. اتسمت الحياة السياسة بالشخصنة والحزبية، كانت هناك انقسامات عميقة في الحركة الوطنية منذ لحظة الحرب العالمية الأولى التي انطلقت منها هذه الدراسة، هذه الانقسامات أحدثت فراغات تسلل منها البريطانيون لضرب الحركة الوطنية.
فعبر هذه الدراسة الممتعة أنت لا ترسم صورة لزغلول فقط، ولكن لكل رواد الحركة الوطنية في تلك الفترة من عادلي يكن باشا ومحمد ثروت باشا و محمد محمود باشا وغيرهم، حلبة سياسية كبيرة بها تحالفات وانشقاقات واسعة .
كيف رأت هذه الدراسة زغلول بالنهاية؟ ربما يكون هذا السؤال مهم، وفي واقع الأمر الإجابة عنه صعبة، عندما ترصد حياة شخص بها تعرجات وانعطافات كثيرة، فأنت تحتاج للتفصيل، ولكن الغالبية للأسف يريدون الإجابات الجاهزة والسريعة والمختصرة والمقتضبَة، ولذلك من المهم قراءة السيرة كاملة بموضوعية شديدة، هذا بتصوري ما فعله لاشين، فأنت عندما تتعامل مع زغلول فأنت تتعامل واقعيًا مع شقين: الأول: شق الزعامة. والثاني : شق الرجل السياسي. وليس بالضرورة أن يكون السياسي زعيمًا، لكن زغلول كان سياسيًا وزعيمًا، المفارقة أنّ زعامة زغلول لم تكن تتفق مع تاريخ زغلول السياسي قبل عام ١٩١٤. فالرجل قد يصنع زعامته، وقد يصعنها له الآخرون رغمًا عنه، وأزعم أنّ زغلول كان من الصنف الثاني .
يرى لاشين أنّ زغلول كان سياسيًا مخضرمًا، كانت كلّ أهدافه تتمحور حول الفوز في انتخابات مجلس النواب، أو الوصول إلى كرسي الوزارة. كانت معاركة في الأساس قبل عام ١٩١٤ تتمحور حول الصراعات الحزبية بين خصومه السياسيين، واستمرّت بعد ذلك حتى آخر فترة من حياته، في الواقع شخصية زغلول هي شخصية سياسي محنّك مثله مثل عدلي باشا، لكن الشعب في سياق تاريخي ساعد البريطانيون فيه رغمًا عنهم، صنعوا زعامة زغلول التي فاجأته هو نفسه، وبدء بعد ١٩١٩ التصرّف وفق هذه الزعامة، إما في التشدد في المفاوضات مع البريطانيين مخالفًا كل منهجه السابق -وهذا من حسن حظ مصر كما يقول لاشين- وإما في هوسه بقيادة الأمة، مما جعله يدخل في الدسائس والصراعات ضد خصومه المصريين.
وبالتالي نحن أمام محورين متشابكين في حياة زغلول، محور يريد زغلول الانفراد بالمفاوضات مع البريطانيين بوصفه زعيم الأمة، وكان مكبّلًا بطلبات الشارع؛ مما جعله غير ليّن مع البريطانيين في تلك المرحلة، والمحور الثاني رغبة زغلول في الهيمنة على المشهد السياسي كله الذي كان بطبيعته مفككًا. هذا التفكك السياسي بما مثّله من نزعات وانشقاقات هو الذي أدّى إلى ضعف موقف زغلول في المفاوضات أمام ملنر وكيرزون وماكدونالد، بل هو الذي أطاح بوزارة زغلول بالنهاية بعد مقتل السير لي ستاك سردار حاكم السودان بتحريض من رجل القصر حسن نشأت الذي أراد إحراج وزارة زغلول، وبعد إنذارات اللنبي و المعاملة الخشنة والسيئة من الجانب البريطاني تجاه زغلول عقب تلك الحادثة شعر بالإهانة الحقيقية وثقل الوطأة السياسية فاستقال.
لكن لما عاد زغلول مرة أخرى إلى المشهد السياسي، عاد وهو أكثر خضوعًا للبريطانيين، لقد انتصر في نفس زغلول الرجل السياسي على الزعيم، فمن أجل التواجد والمزاحمه، كان زغلول في الفترة من ١٩٢٥ إلى لحظة وفاته في ١٩٢٧ مهادنًا للبريطانيين ومتثبطًا للتحريض ضدهم، وهو ما وعد به زغلول المندوب السامي جورج لويد أثناء الاجتماع معه. فمن ملاحظات لاشين أنّ زغلول استعمل الشارع ضد خصومه السياسيين ولم يستعمله ضد البريطانيين. بتخيلي كان يتصارع داخل نفس زغلول صورة السياسي وصورة الزعيم، لكن زغلول خضع لصورة السياسي المهادن بالنهاية، لأن هذا كان هو الأساس في تكوينه الأيديولوجي من بعد الثورة العرابية، وبالتالي رؤية لاشين هنا تريد تفكيك صورة الزعيم في صناعة التاريخ في مقابل الأمة، مع اعترافه بدور سعد زغلول كسياسي كبير قاد الحركة الوطنية في فترة عصيبة.
من مميزات هذه الدراسة أنّها خرجت عن القوالب الجاهزة عن صورة زغلول، ما بين الزعيم الكاريزمي أو رجل بريطانيا في السياسية المصرية. والحقيقة أنّ زعامته صنعها الشعب ولم يوفّق زغلول في أحيان كثيرة أن يكون على قدر تلك الزعامة، وفي نفس الوقت لم يكن رجل بريطانيا، بل كانت بينهما تجاذبات، ورفض كتشنر مثلًا تولّي زغلول لأي منصب وزاري عام ١٩١٤ ولم يكن يحبه، لكن ما كانت تدركه بريطانيا في الأساس أنّ زغلول لا يميل للعنف ولا التحريض الثوري، ولم يكن يعجبها فيه كثرة المخالفة. بالنهاية كسبت بريطانيا وخسر الزعيم، لم يستطع زغلول أن يروض بزعامته بريطانيا، بل على العكس قامت بريطانيا بتدجين الزعيم وحوّلته إلى مجرد سياسي طامح في وزارة أو أغلبية مجلس النواب .