أنا منحازة كثيرًا لرواية جرامافون، ولكنه انحياز منطقي تستحقه الرواية ويستحقه صاحبها، وأثق أن من سيقرأها سيجد فيها أكثر من دليل على ما أقول، وربما أقوى الأدلة على هذا هو تلك العلاقة التي تنشأ بين القارئ وبين شخصيات الرواية، إن إنسانية الرواية التي تعرض لنماذج من الحياة تتضح بين الأحداث الاجتماعية الحياتية، والأحداث السياسية التأريخية التي لا يجد القارئ إشارات واضحة عليها تحمل التفسير أو التحليل قدر ما يجد الحدث مضفورًا في سياق العمل مرتبطًا به دون أن يستشعر مللًا أو توترًا مصاحبًا لعددها أو أهميتها، لتبدو الرواية حياة حقيقية مصغرة وهي على هذا فليست حياة نستعرضها من خلال مشاهد يتم تصنيفها على أنها سيناريو أو معدة على هيئة تقارب السيناريو، فبين المونولوج والديالوج تتكرر المشاهد، وبسرد يتخلله الحوار ووصف يتقاطع معهما بنسب أراها في أغلب الأحيان متكافئة، أو لأقول أن عليّ كان من الذكاء ليربط بينهما بلغته العذبة التي تأخذك متنقلاً بين هذا وذاك فلا تستشعر تفاوتًا زمنيًا أو مكانيًا بينهما، لتبدو الصورة متناغمة مع الأصوات التي تكشف عنها، وتصفها، ويبدو المشهد خلال إطاره لا يغادره لأنه لا يحتويه، أو ينكمش في مساحة منه مخلفا وراءه الخواء أو الفراغ، الذي يجعل القارئ يشعر بأن هناك شيئًا ما مفقود، أو أن هناك شيء من عدم الارتباط تتبدى ملامحه بين مشهد وآخر، أو في سياق المشهد بأكمله.
أستطيع بكل صدق أن أقول أننا أمام كاتب موهبته قوية وعميقة، ومع هذا ناعمة وسلسة بالحد الذي يسمح لها الولوج لقلب وعقل القارئ من خلال العمل، وأحسبه سيبقى هكذا في أعماله القادمة إن لم يزدّ على تلك الموهبة ويضيف مزيجًا من خبراته ونضوجه الذي ينمو كلما تقدّم بالعمر وأصقلته التجارب.