بعد دخولها، أغلق الباب بسرعة، استدار نحوها وهو يتنفس الصعداء، ليجدها تقف مستسلمةً كمهرة، ومحايدةً كخميلة، تدير له ظهرها نصف استدارة، يفضحها بريق عينيها المنحازتين إليه، وعلى شفتيها تقف ابتسامةٌ غضة كفراشة، تحاول أن تستعيد أجنحتها لتطير، لكنها كانت مثقلةً بالغواية. وقبل أن ينفرط عقد القُبل المضمّخة بالعتب، راح يجمعها بين ذراعيه، ليدسّها كلها دفعة واحدة، في مكان الوجع .. كاد خالد يشرق برائحة المطر، حين تستقبله الأرض بعد غياب طويل .. لم تلتقِ عيناه بيعينيها، إلا وقد أينعت الكروم، حتى اربدّت بما يشبه الغيم، وأوشك الرمان أن يخرج عن طوره، واغرورَق التوت، حتى جثت فطرتها على ركبتيها، لحظةَ أرغَلَ الخَدَرُ مابين كحلها وأرائك مقلتيها. ارتجلت لوزة غيبوبتها ارتجالا، حين أخذهما الجزْرُ فجأةً باتجاه الأعماق.. وبعد ساعة كاملة، بالكاد استطاع الليل استعادتهما من أودية الجنون، ليلقي بهما ثانيةً، في تلك الحجرة الطينية الضيقة، في حيّ قاع اليهود، وكأنهما قد خرجا للنو من أسطورة إغريقية.
بعد أن خرج الروائي علي الأمير من قاع اليهود ووضع نقطة في سطرها الأخير، أسند ظهره للحائط، وأخذ يطيّر الدخان للأعلى ليرتاح من المصادمة، والمطاردة، واللهاث، وقعقعة الصفيح، وبعثرة الشتائم، والركض المتواصل الذي صادفه أثناء كتابتها كما يصف بعد كل هذا.. أوكل لنا معشر القراء إكمال مهمة الركض، دون أن يخبرنا شيئاً عن طبيعة تلك المصادمات التي تتربص القارئ في كل صفحة يخرج منها زحفاً، لم يلمح عن وعورة الأزقة التي سنسلكها أثناء المطاردة، عن قسوة الشتائم المبعثرة على جنبات الرواية، لم يحاول أبداً أن يصف لنا حدة الصفيح وقعقعته التي ستظل عالقة في رؤوسنا حتى بعد انتهائنا من القراءة لن يصف لك الأمير أيها القارئ سقوط المطر أبداً، لكنه حتماً سيجعلك تتبلل، بل ستشعر بالغرق لأنه آخذ بنصيحة الروائي الأوروغواياني إدواردو غاليانو حين قال: - «أنا لا أطلب منك أن تصف سقوط المطر، أنا أطلب منك أن تجعلني أتبلل، فكر بالأمر أيها الكاتب» ويبدو أن كاتبنا فكر بالأمر ملياً، وبمنتهى الغموض واللؤم أسلمنا لقاع اليهود، وأسند ظهره للحائط وظل يرقبنا من بعيد ونحن نهرول تحت أمطار الدهشة ونتبلَل شيئاً فشيئاً. خمس دقائق فقط هي كل ما سيمنحك الأمير لتتجول حراً في قاع اليهود تتلمس فيها بعض ملامح الكاتب قبل الكتاب. خمس دقائق قبل أن تجتاز عتبة النص وتدرك أنك وقعت في فخ لذيذ اسمه «قاع اليهود» لتقرر بعدها التهام ما تبقى من صفحاتها التي تناهز الـ 400 صفحة. خمس دقائق فقط قبل أن يدفعك خارج النص بشكل مباغت ثم يزج بك مجدداً لتجد نفسك في أزقة صنعاء، مكبلاً بالذهول تتخطفك الأسئلة وأنت تهذي.. ماذا حدث، كيف، متى، ولماذا؟ وتشاهد خالداً وهو يهجس غرابة، ويتوجس خيفة ويقول: «هكذا وجدتني أجلس وسط اليهود الإسرائيليين، كان من الصعب علي أن أصد ق وجودي بينهم، لكنها كانت الحقيقة.. كنت أقول في نفسي ماذا لو عرف هؤلاء اليهود أنني لست يمنياً؟ بل كيف لو عرفوا كلهم؛ الإسرائيليون واليمنيون، أن هذا الجالس وسطهم، هو خالد، بطل رواية قاع اليهود المطلوب أمنياً». على صهوة السرد سيعبر بك الأمير بوابة التاريخ وأنت تشاهد بعض تاريخ اليمن، وتتلمس تضاريسه من خلال الوصف الجغرافي الدقيق، وتعانق أبناءه من خلال الطرح الاجتماعي الموضوعي الذي يجعل من «قاع اليهود» مرجعاً ليناً للقراء، أشبه ما يكون بخارطة ثلاثية الأبعاد يستطيع القارئ من خلالها الانفتاح على مستويات متعددة من القراءات، ابتداء من القراءة ذات الطابع التاريخي، إلى القراءة ذات الطابع الاجتماعي، والطابع الأيديولوجي أيضاً، ليتسنى لك معرفة بعض وجوه اليمن الكثيرة، وأخص الوجه اليهودي في اليمن، حقيقة واقعهم، مالهم وما عليهم ربما لو تمكنّا أيها القارئ العزيز من قراءة هذه الخارطة بشكل محايد بعيداً عن الأجندة الأيديولوجية التي نحملها معنا منذ نعومة أظافرنا.. أقول ربما سنعيد النظر في اليهود كديانة لا ككيان صهيوني، وربما هذا ما أراد أن يقوله الكاتب؟ ما يميز هذا المرجع أنه لن يقدم لك المعلومة في قالب جاف، بل سيقدمها ضمنياً على هيئة حوار دافئ، أو نكتة ظريفة، أو حديث عابر لإحدى الشخصيات المحورية أو غير المحورية. «حبشوش هذا كان شيخ اليهود كما علمنا، وبيته من القصور العامرة، باعه عند رحيله من حاكم الحزة، أحد ولاة الإمام» بهذا الجواب رد الكهل اليمني على سؤال الوفد الإسرائيلي عن بيت حبشوش التاجر والقاضي اليهودي الشهير، الذي عاش في زمن الإمام يحيى حميد الدين. هكذا سيظل يأخذك الأمير من يدك بكل هدوء يدخلك أقبية التاريخ ليطلعك على التمايز الطبقي في المجتمع وفي الجغرافيا أيضاً، كل هذا سيحدث من خلال عذوبة لوزة، وسذاجة صبرية، وجبروت منيرة، ورعونة خالد لـم يكتف الأمير بطرح التاريخ في قالب سردي شهي يتنقل بك عبر الحقب، لكنه سيحلق بك عالياً في فضاءات اللغة، فشاعرية علي الأمير المفرطة المنبثقة من كونه شاعراً في الأصل، تغلغلت في مفاصل الرواية، وهيمنت على الحركة السردية حتى جعلت منها قصيدة سردية إن جاز التعبير؛ فلا تكاد تغادر صحفة من صفحات الرواية حتى تلمح فيها من الصور الشعرية ما يمنحك تصوراً كاملاً عن القدرة الفذة التي يتمتع بها الكاتب في خلق الصور ورتق بعضها بالبعض الآخر، كي يلبسها لتفاصيل الأحداث دون أي إخلال أو إرباك للمتن الروائي. «انزلقت سريعاً إلى قاع عينيها وسط هالات الكحل والظلال، ولم ينتشلني من لجة عينيها سوى صوت إحدى صاحباتها». هكذا يظل يستدرجك الأمير باللغة إلى دهاليز الأحداث دون أن تشعر، تماماً كما كانت تفعل منيرة مع خالد. ورغم إثخان الكاتب في الصور الشعرية التي منحت جمالاً مضاعفاً للأحداث، إلا أنه لم يكتف بذلك، بل شفعها بقيمة جمالية أخرى، أضفت نوعاً من الحميمية بين القارئ والكتاب؛ اللهجة اليمنية هي ما أعني إذ كانت طاغية الحضور، بل كانت أحد الأعمدة التي قامت عليها الرواية، ولا سيما في جانبها الحواري الذي اتكأ بشكل واضح على المفردة اليمنية. وتتسع دائرة الحميمية بين القارئ والكتاب باتساع تفاصيل المكان، واتضاح ملامحه الاجتماعية التي ما فتئ الكاتب يمعن في استحضارها من المشاهدات اليومية للشارع اليمني، وتصويرها ببراعة ودقة بالغتين تدفع القارئ لأن يكون جزءاً منها، أو يتلمسها بيديه في أبعد حالتها أحدثك عزيزي القارئ.. عن القات الذي ستجد طعمه على لسانك دون أن تشعر لكثرة ما تجده في جلسات المقيل اليومية التي يصفها الكاتب، عن الهواء الآسن الذي يسكن البيوت المتهالكة بأبوابها القصيرة، ونوافذها الصغيرة، عن ضيق الأزقة ووعورة الممرات، عن الصقيع الذي يبتلع دفء الحياة هناك ويقيء قسوتها، عن الفقر الذي لا يفتأ يلوك كرامة الإنسان بهدوء مستفز، عن الصبر الذي تألّه داخل كل يمني، عن الرضا.. ذلك الرصيف العتيق الذي يقتعده اليمن بأسره. في اعتقادي أن هذه الحميمية القاسية كفيلة بأن تعزلك عن العالم من حولك طوال الوقت الذي ستقضيه في قاع اليهود، لكنها في ذات الوقت هي الجسر الذي يقلص المسافة بينك وبين الأرض والإنسان، وبلفظ آخر ستشكل لك بعداً ديمغرافياً يشي بالحالة الاجتماعية التي يعيشها الشعب اليمني الحبيب بمختلف طبقاته. «وأنا صغيرة، كان بيتنا خرابة، تبسر الشمس من سقفه.. وأول ما ينزل المطر، تلاقينا تحت الفتحات بالقدور والسطول والتنك». هكذا كانت تحكي صبرية وهي تنفض ذاكرتها عن الشمس والغيم وصدق المطر الذي ما برح يكشف سوءات المجتمعات ويغسل زيفها. يعي الأمير جيداً دور الدهشة في الاستيلاء على القارئ وهنا تتجلى ألمعية كاتبنا في كيفية خلق الدهشة وكيفية الحفاظ عليها؛ يأتي ذلك من خلال اجترار البدايات وزرعها في التقاطعات الممنهجة للشخصيات المحورية، ومن خلال تأجيج الأحداث العابرة في الرواية وخلق شخصيات أخرى بأبعاد زمكانية تتسق مع تلك الأحداث العابرة، ثم حياكتها بذكاء لتصبح ضمن نسيج القضايا العامة، والأحداث الواقعية التي يعيشها المجتمع المحلي أو الدولي، ومن ثم إدراجها ضمن الأحداث الرئيسة التي ترتكز عليها الرواية، كما هو الحال في خلق شخصية أبو طلحة الإرهابي -خال البطل- وتوظيفها ضمن العملية الإرهابية في السفارة الأمريكية في صنعاء، والكثير من القضايا المحلية الأخرى التي تمس يهود اليمن، كغياب التعليم النظامي لليهود، أو غيرها من القضايا التي تمس اليمن بشكل عام. كذلك المصائد التي ينصبها لك بين الصفحة والأخرى، إذ يتكئ كاتبنا على الجمل الاستباقية التي تفتح شهية مخيلتك لتصور الأحداث القادمة، ما يضمن له استمرارية بقائك أيها القارئ العزيز على قيد اللهفة. المفارقة اللافتة أن كل ذلك يحدث دون أن يئد عنصر المفاجأة الذي سيصحبك طوال تجوالك في قاع اليهود. كما تظهر تلك الألمعية مجدداً حين يستجلي الكاتب كوامن النفس البشرية ونزعاتها من خلال إخضاعها للمعطى الخارجي الذي يعكس حالة الشخصيات حسب نوعه إن كان طمعاً، أو خوفاً، أو احتياجاً، أو رغبةً، أو غير ذلك... الأمر الذي يجعل من شخصيات الرواية في حالة تماس دائم مع الواقعية الذي تزخر دوماً بالتناقضات، ولعل شخصية العم عبد القوي مثال صارخ يَسُكُ ملامح الحيرة في وجه القارئ دون أن يخالجه شك في وجود تلك الشخصية في مجتمعه.
ثم أما بعد.. فالحقيقة أن «علي الأمير» ليس مجرد شاعر، أو روائي، أو كاتب لديه القدرة على النظم أو الصياغة، لا.. لكنه مثقف حقيقي يعي حجم الرسالة التي تسلّمها منذ أن شرع في بناء ذاته الأديبة، وكينونته الثقافية، الأمر الذي يظهر جلياً في طرحه المتخم بالمعرفة الزاخرة بالتنوع، تلك المعرفة التي تلقي بظلالها الفارعة على القارئ مهما كان يملك من سعة في الاطلاع. حديثي عن قاع اليهود لم ينته بعد بل مازال لدي الكثير لأخبركم عنه، لكني بدأت أقرأ في وجهك أيها القارئ العزيز بعض التململ، ولذلك أعتذر عن الإطالة فلم يكن لدي وقت للإيجاز. وأخيراً.. قاع اليهود فخ.. حاول أن تقع به