لقد ظل الدرس الفقهي حُرًّا، تسري الحياة في أوصاله ما بقي مستقلا عن السلطة السياسية، بل إنه ظهر ـ في بعض مراحل التاريخ الإسلامي ـ بوصفه قوةً شعبية تدفع جور السلطان، وتقف الناسَ على الحقيقة حين تسعى إلى طمسها حيلُ السياسة وأهواءُ الساسة. ولما آل أمره إلى الدولة ذهبت عنه ـ شيئًا فشيئًا ـ نضارة ذلك الوجه القشيب، واستحال التنوع المذهبي مع الأيام مذهبًا واحدًا، بل رأيًا واحدًا من الآراء التي ينطوي عليها ذلك المذهب، فلا يحل لمفتي الدولة الحيدةُ عنه في فتاواهم، ولا لقضاتها العدولُ عنه في أقضيتهم، واستوجب ذلك إنشاء نمط من التعليم الفقهي الموحد "المدعوم من السلطة السياسية" ليخرِّج المفتين والقضاة العالمين بهذا "المختار السلطاني"، العاملين به فيما يأتون وما يدعون، فتوحد النظام القضائي، غير أنه أثمر قضاة يعتقدون في أنفسهم أنهم "لا يفرقون بين الغث والسمين، ولا يميزون الشمال من اليمين"، وغلب على فقهاء ذلك العصر ـ في الجملة ـ إحساس "بالقصور" العلمي بالنظر إلى الفقهاء المتقدمين، فأورثهم ذلك عزوفًا "إراديًّا" أولَ الأمر، ثم "تلقائيًّا" بعد ذلك، عن الاجتهاد، ولو مذهبيًّا، ولا أدل على ذلك من المقارنة بين "القاضي" كما صوره الماوردي و"القاضي" في العصر العثماني، فإنها تُجمل ـ في رأيي ـ الاختلاف بين وضعين حضاريين، لا بين نظامين قضائيين فحسب.
أسامة محمد شفيع الدين السيد أحمد. مدرس بقسم الشريعة بكلية دار العلوم، جامعة القاهرة. - نشأ في بيت علم، فوالده الأستاذ الدكتور محمد شفيع السيد أستاذ البلاغة والنقد الأدبي والأدب المقارن بكلية دار العلوم، وعضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة. - التحق بالتعليم العام منذ صغره - التحق بكلية دار العلوم سنة ١٩٩٣ - تخرج فيها سنة ١٩٩٧ وكان الأول على دفعته. - عين معيدا بقسم الشريعة الإسلامية بالكلية سنة ١٩٩٨ - حصل على الماجستير عام ٢٠٠٣ بتقدير ممتاز عن رسالته (الفكر الفقهي عند محيي الدين بن عربي) بإشراف الدكتور محمد بلتاجي حسن رحمه الله - عين مدرسا مساعدا بقسم الشريعة سنة ٢٠٠٤ - سافر إلى فرنسا عام ٢٠٠٧ في بعثة للحصول على الدكتوراه من كلية الحقوق جامعة روان نورماندي - حصل على الدكتوراه سنة ٢٠١٥ بتقدير ممتاز عن رسالته (امتناع المسئولية الجنائية في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة) بإشراف البروفيسور بيير ألبرتيني - رجع إلى مصر وعُين مدرسًا بقسم الشريعة في الكلية - عين خبيرا بلجنة الترجمة بمجمع اللغة العربية بالقاهرة. - جمع - مع إتقانه العربية - الإنجليزية والفرنسية. - ترجم العديد من الأبحاث والكتب: • جلال الدين الرومي بحث عن الفرنسية، ترجم فيه الشعر شعرا • الاضطرابات الدينية في بغداد في القرنين الرابع والخامس الهجري أنري لاؤوست • النشأة الثانية للفقه الإسلامي: المذهب الحنفي في فجر الدولة العثمانية الحديثة جاي بوراك بالاشتراك مع الدكتور أحمد محمود إبراهيم • المرجع في تاريخ علم الكلام تحرير زابينه شميتكه • الشرق والغرب رينيه جينو • أزمة العالم الحديث رينيه جينو • الفكر السياسي الإسلامي في العصور الوسطى رؤية تمهيدية إرڤن روزنتال بالاشتراك مع الدكتور أحمد محمود إبراهيم • موجز تاريخ الإسلام كارين آرمسترونج - حصل على جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي سنة ٢٠١٨ عن ترجمة كتاب المرجع في تاريخ علم الكلام. - مؤلفاته: • قيد الأوابد شذرات في الدين والفكر والأدب • الفقه الإسلامي بين حرية الأجتهاد وقيود المذهب الرسمي • الفقه الإسلامي بين نشأتين مع قراءة نقدية لكتاب النشأة الثانية للفقه الإسلامي - مقالاته: نشر العديد من المقالات على موقع إضاءات وموقع الأستاذ الدكتور محمد حماسة، وعلى صفحته الشخصية بالفيس بوك.
عنوان الكتاب خادع الى حد ما .. فالكتاب يعتبر رسالة ونقد لكتاب آخر، هو كتاب "النشأة الثانية للفقه الإسلامي" لجاي بوراك، لكنه كتاب ممتع ومفيد ومشجع للقراءة في موضوع تاريخ الفقه ونشأته.
الكتاب يتكون من أربع مباحث .. المبحث الأول يتحدث عن نشأة الفقه الإسلامي وأهميته في الخلافة الإسلامية. وذلك يظهر في كلام فقهاء القرون الأولى مثل كلام القاضي ابن العربي المالكي في معنى "أولي الأمر"، قال:"الأمر كله يرجع إلى االعلماء، لأن الأمر (أي الحكم) قد أفضى إلى الجهال، وتعيَّن عليهم سؤال العلماء .. والعادل منهم (أي الحكام) مفتقر إلى العالم كافتقار الجاهل".
المبحث الثاني هو قراءة في دراسة بوراك والتي تركز على الدولة العثمانية واختيارها للمذهب الحنفي كمذهب رسمي للدولة. هذا الفصل/المبحث لا يرتقي لأن يكون ملخصاً لكتاب بوراك، ولكنه نظرة موجزة ونقد مختصر للكتاب.
المبحث الثالث بتألف من محورين: الجذور التاريخية للدعوة إلى توحيد النظام القضائي في الإسلام، ويبين فيه الكاتب أن تلك الدعوة تعود الى "رسالة الصحابة" التي رفعها المقفع (ت. 142) للخليفة أبي جعفر المنصور يشكو فيها اختلاف الرعية في الأحكام والفتاوى ويدعو إلى حملهم على كتاب "فقه" واحد يرتضيه الخليفة ليوحد بين الناس. ثم بعد ذلك لاقى المنصور الإمام مالك واستشاره في جعل كتاب الموطأ المرجع الأساسي للقضاء في الدولة فرفض الإمام مالك ذلك لأن للناس أفهام مختلفة. لا شك أن هذا الموقف من الإمام مالك حفظ الفقه من الجمود لأن الدولة لو حملت الناس على مذهب واحد، لضعف الاجتهاد في باقي المذاهب واتكل الناس على فهم أسلافهم، وهذا قد يؤدي الى ضمور ملكة الاجتهاد في الأجيال المتعاقبة.
المبحث الرابع والأخير يتحدث عن التقنين الأخير وهو مبحث يحتاج إلى الاستفاضة ربما في كتاب منفرد. لأن تقنين الشريعة وتبني الطريقة الأوروبية في القانون، قد اضاعت جانب هو في الحقيقة روح الشريعة. فكما وضح الكاتب أن القانون الأوروبي قد فصل بين الأخلاق والمصلحة. وهذا مخالف للشريعة الإسلامية. هذا المبحث يحتاج الى توضيح اكثر عن تأثير القانون الأوروبي على الحياة الاجتماعية سواء في أوروبا أو في الدول الآخرى التي تبنت نفس الطريقة. وكيف سيكون الهيكل التنظيمي للقضاء اذا استمر على طريقته دون محاكاة الطريقة الأوروبية. يبدو لي أن اقتباس هذه الطريقة قد يكون مفيداً للمسلمين وهو من باب الوسائل المباحة، لكني اظن أن الموضوع يحتاج الى دراسة بعمق. ارجو من يقرأ هذا أن يرشح لي كتب في الموضوع.
جيد جدًا؛ و فيه ترديد للعديد من الأفكار التى أثارها فضيلة الدكتور في مقدمته لترجمة كتاب النشأة الثانية للفقه الإسلامي المذهب الحنفي في فجر الإمبراطورية العثمانية الحديثة لجاي بوراك