حسنا، سأعترف بداية أنني كنت من أكثر القراء شوقا لقراءة هذه المجموعة و انتظرت صدورها لأكثر من سنة. أول مصافحة كانت لي مع هذه المبدعة كانت مع روايتها الصمت. كانت الرواية بمثابة إكتشاف جميل مثير للفضول جعلني أتابع كتابتها عن كثب و بشغف كبير، بعد أن استرعى انتباهي تفرّد أسلوبها خاصة في كتابة القصة و القصة القصيرة. انتظرت صدور مجموعة متكاملة ليصدق حدسي ♥ المجموعة القصصية كانت في مستوى توقعاتي بل و أروع... قرابة العشرين أقصوصة، تتقاطع في نقطة معينة '' الكذب'' بتجلياته المختلفة، الكذب السياسي، النفاق الاجتماعي، الأمراض النفسيّة المتفشيّة في هذا العالم.. عوالم تبنى على الكذب و أخرى تنهار لنفس السبب... يخرج الجنرال عن متاهته بعد أن ولّى عهده و بقيت نياشينه و غطرسته لترعب أطفال الحي.. ليس جنرال ماركيز " سيمون بوليفار" و لكنه أقرب في الحقيقة الى جنرال متغطرس و ديكتاتور اعتقد ذات يوم أنه المحرر لهذا البلد الأمين الذي ينعم ، بالأمن و الأمان..و تختم الكاتبة مجموعتها "بساعي بريد قرعة العطش" تيمنّا برواية "ساعي بريد نبرودا" لتذكرنا من خلالها بمأساة الهجرة غير الشرعيّة و بمعاناة المهاجرين المتشابهة..بسبب الحرب أو بسبب قلة الحيلة.. و ما بين ماركيز و ماريو خيمينيث، ستأخذك الكاتبة في رحلة ممتعة، طريفة ساخرة، تميط من خلالها اللثام عن الواقع السياسي، الثقافي و الإجتماعي القائم على الكذب و " الكذب في بعض المصالح صالح" كما يقال. أسلوبيا، و هنا أسوق موقفا شخصيّا قد أختلف فيه مع البعض، أميل أكثر إلى قراءة المجموعات القصصيّة التي أبدعت فيها الكاتبة أكثر من غيرها من الأجناس الأدبية الأخرى. لكل قصّة حبكتها و كذبتها أيضا التي ستكشف في نهاية كلّ قصة. مجموعة قصصيّة ممتعة جدّا ستجعلك تقهقه أحيانا لطرافة المواقف و الأسلوب و النقد اللاذع المباشر و غير المباشر الذي ينّم عن ثراء معرفي و وعي صادق للكاتبة التي تشركك في حكاياها و تجعلك تنظر للعالم المبنيّ على شفا جرف هاو بعين ساخرة ناقدة، أحيانا مؤلمة لكنّها مجديّة.. العالم شبيه بغرفة الأكاذيب..غرفة الكذب الأبيض و الأسود و الرمادي...غرفة النفاق و الخطيئة، غرفة ، حصينة الأبواب لكنّ المفاتيح كثيرة لاكتشاف أسرارها... مجموعة قصصيّة أوصي بها لمحبّي الكوميديا السوداء و النقد الساخر للواقع السوسيولوجي و الثقافي المعاصر الذي نعيشه.. 4/5
توجد أفكار جميلة بين دفتي هذا الكتاب، وأحيانا يتجمّل النصّ ويأخذ شكلا واعدا، مثل "تالا" و"صحراء". على أنّ أكثر القصص هنا مبتورة، كأنها مشاريع روايات قصيرةٍ تكاسلت الكاتبة عن تجاوز مقدّمتها، أو كأن أحدهم يهمس في أذنها في كلّ مرة أن قد تجاوزتِ مقدارا من الكلام عليك أن تتوقفي بعده... في كلّ قصّة تراوغنا المقدّمة بتفاصيل كثيرة تعرّج على إحداها لتواصل السرد وتتجاهل البقية كما تتجاهل مقتضيات الأقصوصة من تكثيفٍ. تجد الكاتبةُ نفسَها الكاتبة في القصص العجائبيّ والأسطوريّ كما هو واضح. ثمّ هناك "قصةُ القصة" أو "ما وراء القصة" أو metafiction إذ يبدو أنها تشكّل كذا عوالم براحة واستمتاع، وتتمكن من التعبير عن ذاتِها من خلال هذه النصوص بشيء من الأصالة وإن لم تتميّز هذه النصوصُ بالطرافة البالغة. ثمّ هناك تلك القصص الساخرة ذات الطابع الاجتماعيّ وأكثرها سيئ وفي تعابيره بذاءة رخيصة، كاستعمال "ضبوط القردة" للدلالة على المكان البعيد الذي لا يطيب فيه العيش. أو استعمال "قرعة العطش" اسما لمنطقة فيها الضياع والزراعة والحيوان أي ليس فيها عطش. وعموما لا تتميّز اللغة في هذا الكتاب ببلاغتها، فتغلب الركاكة على تركيب الجمل، وتغلب الجمل الإسمية المركبة على الجمل الإسمية البسيطة، ويغلب استعمال الضمائر المنفصلة في غير داعٍ كأنها فعل الكينونة في اللغات الأوروبية. ولم تساعد دار النشر "زينب" كثيرا في تهذيب النصّ وتخليصه من أخطاء الرسم الكثيرة. لا فرق بين همزة القطع وهمزة الوصل هنا، ولا بين الضاد والظاء، فكانت تجربة القراءة مضنية.
من المؤسف أن لم يقل أحد هذه الأشياء للكاتبة ربما منذ فازت بجائزة القصة القصيرة ذات يوم من سنة 1996 فإذا بها تنشر هذا الكتاب سنة 2019 وفيه ما فيه من العيوب التي كان بالإمكان تلافيها. فللكاتبة، رغم كل هذا، ذهن صاخبة، وخيال يريد أن يرسم الكثير من الأشياء الجميلة.
اول مابادر في ذهني عند قراءة رواية غالية ثم رواية الصمت أن الكاتبة مختصة في علم النفس لخوضها بعمق في قضايا انسانية اجتماعية ونفسية. كذلك مجموعة اقصوصات غرفة الاكاذيب تطرقت فيها الكاتبة لقضايا الكذب والنفاق الاجتماعي والأمراض النفسية باسلوب نقدي لاذع فيه من الطرافة والسخرية مما يجعل القارئ متحمسا لاكتشافه. وشكرا للكاتبة هند الزيادي