يتصدى هذا الكتاب لشكوكٍ أثارَها بعض المستشرقين في القرن التاسع عشر بشأن أنساب العرب قبل الإسلام، فقد زعم هؤلاء أن العرب إنما كانوا ينتسبون إلى أمهاتهم، وأن العائلة العربية القديمة كانت أُبُوَّتها ضائعة، ولكلٍّ منها أمٌّ متعدِّدة الأزواج، وهم بذلك يطعنون في جملة الأنساب المرويَّة والمحفوظة في كُتُب النسَّابين، ويُرجِعونها إلى «الطوتميَّة» التي تقتضي نمطًا وحشيًّا من الانتساب إلى حيوانات ونباتات تُعبَد ويُنتسَب إليها عوضًا عن الآباء الحقيقيين. ويرى المؤلِّف أن الدافع الرئيس للقائلين بذلك هو ضعف ثقتهم في المؤرخين العرب، وتتبُّعهم لآثارٍ شاذة لا يُعوَّل عليها في الاستقراء السليم. و«جُرجي زيدان» هنا يُقدِّم دراسةً متماسكةً وافيةً تدفع بالحُجَّة العقليَّة والبرهان العلميِّ الفرضيَّات التي وضعها مدَّعُو أموميَّة العرب وطوتميَّتهم، وصولًا إلى إثبات ما هو ثابت من صحَّة «أنساب العرب القدماء».
Jurji Zaydan جُرجي زيدان: مفكر لبناني، يعد رائد من رواد تجديد علم التاريخ، واللسانيات، وأحد رواد الرواية التاريخية العربية، وعلم من أعلام النهضة الصحفية والأدبية والعلمية الحديثة في العالم العربي، وهو من أخصب مؤلفي العصر الحديث إنتاجًا.
ولد في بيروت عام ١٨٦١م لأسرة مسيحية فقيرة، ورغم شغفه بالمعرفة والقراءة، إلا أنه لم يكمل تعليمه بسبب الظروف المعيشية الصعبة، إلا أنه اتقن اللغتين الفرنسية والإنجليزية، وقد عاود الدراسة بعد ذلك، وانضم إلى كلية الطب، إلا أنه عدل إكمال دراسته فيها، وانتقل إلى كلية الصيدلة، وما لبث أن عدل عن الدراسة فيها هي الأخرى، ولكن بعد أن نال شهادة نجاح في كل من اللغة اللاتينية والطبيعيات والحيوان والنبات والكيمياء والتحليل.
سافر إلي القاهرة، وعمل محررًا بجريدة الزمان اليومية، انتقل بعدها للعمل كمترجم في مكتب المخابرات البريطانية بالقاهرة عام ١٨٨٤م، ورافق الحملة الإنجليزية المتوجهة إلى السودان لفك الحصار الذي أقامته جيوش المهدي على القائد الإنجليزي «غوردون». عاد بعدها إلى وطنه لبنان، ثم سافر إلى لندن، واجتمع بكثير من المستشرقين الذين كان لهم أثر كبير في تكوينه الفكري، ثم عاد إلى القاهرة، ليصدر مجلة الهلال التي كان يقوم على تحريرها بنفسه، وقد أصبحت من أوسع المجلات انتشارًا، وأكثرها شهرة في مصر والعالم العربي.
كان بالإضافة إلى غزارة إنتاجه متنوعًا في موضوعاته، حيث ألَّف في العديد من الحقول المعرفية؛ كالتاريخ والجغرافيا والأدب واللغة والروايات، وعلي الرغم من أن كتابات زيدان في التاريخ والحضارة جاءت لتتجاوز الطرح التقليدي السائد في المنطقة العربية والإسلامية آنذاك والقائم على اجترار مناهج القدامى ورواياتهم في التاريخ دون تجديد وإعمال للعقل والنقد، إلا أن طرحه لم يتجاوز فكرة التمركز حول الغرب الحداثي (الإمبريالي آنذاك)، حيث قرأ التاريخ العربي والإسلامي من منظور استعماري (كولونيالي) فتأثرت كتاباته بمناهج المستشرقين، بما تحمله من نزعة عنصرية في رؤيتها للشرق، تلك النزعة التي أوضحها بعد ذلك جليًّا المفكر الأمريكي الفلسطيني المولد إدوارد سعيد في كتابه «الاستشراق».
رحل عن عالمنا عام ١٩١٤م، ورثاه حينذاك كثير من الشعراء أمثال أحمد شوقي، وخليل مطران، وحافظ إبراهيم.
تعجبني دوماً القدرة الاستقرائية الفريدة لجورجي زيدان وقدرته على النفاذ مباشرة لقلب الحقيقة ، عمل موجز لكنه وافٍ وممتع ، حول تفنيد ما جاء في كلام المستشرقين من تلفيقات بخصوص طوطمية وأمومية العرب .
عجبت جداً من زعم المستشرقين العرب بـ "الطوتمية"وهو بحسب كلام المستشرق إحدى معتقدات "القبائل الوحشية" في أنحاء العالم مثل أستراليا أو "هنود" أمريكا أو أفريقيا؛ والكتاب بمجمله لدحض الزعم القائل بأن أنساب العرب كلها كاذبة ملفقة وأنهم في الأصل ينسبون أنفسهم إلى حيوانات أو نباتات كما تفعل تلك القبائل حول العالم!.
هذا الزعم يؤكد الصورة السامية التي ينظرون بها لأنفسهم وتعزز أن كل من سواهم دونهم في التفكير والحضارة والأصل والنسب وغيره.
رسالة صغيرة لكنها قيّمة يدحض بها جورجي زيدان فكرة الأمومة والطوطمية عند عرب الجاهلية ويرد على كتاب روبرتسون سميث (النسب والزواج عند عرب الجاهلية) الذي اقترحه عليه مرجليوث. كنت أقرأ عن الطوطم وكثيراً ما عجزت عن فهم الفرق بينه وبين الصنم، لكن هذا الكتاب أنار الطريق بتوضيح أن الطوطم إنما هو تقديس وعبادة حيوان أو نبات وصنع الأصنام للمقدس؛ فلكل طوطم صنم وليس لكل صنم طوطم. في البداية تحدّث المؤلف عن معنى الطوطمية ووجودها عند القبائل المتوحشة ثم فصّل القول في أنساب العرب وبيّن خطأ من يزعم تلفيقها، ودحض إمكانية وجود الأمومة في العرب الجاهلية، والأمومة هي نسبة الطفل إلى الأم وجعلها أصلاً وأساساً للعائلة بدلاً عن أن يكون الرجل هو رأس العائلة؛ لورود المرأة على رجال عدة. ثم تناول أدلة كتاب روبرتسون سميث وفنّدها دليلاً دليلاً، ولعل أهم ما وضّحه جورجي زيدان في رسالته هذه أن بعض المستشرقين يصطفون معارف وينكرون أخرى بدون برهان بيّن إنما بالوهم والهوى.
الكتاب شديد الاهمية وبرغم صغر حجمة إلا انه ملم بجميع جوانب قضية تشكيك المستشرقين في أنساب العرب القدماء ووصفها بالطوتميه عند الامم المتوحشه وكعادة جورجي ذيدان ينفذ الي قلب الحقيقة ويفند كل تلك الاكاذيب والادعاءات ويرد عليها بالدلائل القاطعة ليقدم عمل مميز يستحق الثناء والتقدير
كتاب رائع على صِغَر حجمه. أدرجتُه في رَفّ الأنثروپولوجيا لأنه رَدٌّ على رسالة روبرستون سميث القائلة بطوطميّة العرب، فهو مبحثٌ تاريخيٌّ حقًّا لكنّه منطلِقٌ من ملاحظاتٍ أنثروپولوجيّةٍ سحبَها (سميث) على العرب في تسرُّعٍ بيّنَ خطأه جرجي زيدان.
على الرغم إن الكتاب مش كبير إلا إنه وافي وشامل وقوي في الأدلة والبراهين في الرد على كل من إدعى بطوطمية العرب أو نسبهم إلى أمهاتهم بدلاً من آبائهم. الكتاب يستحق 5 نجوم، والكتاب يمتاز بلغة أدبية قوية.