هذا الكتاب هو ترجمة خليل الحاج صالح ومراجعة عمر سليم التل لكتاب يان تيوريل بالإنكليزية Determinants of Democratization: Explaining Regime Change in the World, 1972-2006، الذي يسأل فيه: ما هي مُحدِّدات التحول الديمقراطي؟ وهل العوامل التي تدفع بلدانًا نحو الديمقراطية تساعدها أيضًا في وقف الردَّة نحو الأوتوقراطية؟
في كتابه (341 صفحة بالقطع الوسط، موثقًا ومفهرسًا) المؤلف من سبعة فصول، يحاول تيوريل الإجابة عن هذين السؤالين بمزيج من تحليل إحصائي لمُحدِّدات تغيّر النظام الحاكم الاجتماعية والاقتصادية والدولية في 165 بلدًا في العالم، بين عامي 1972 و2006، ودراسة حالة التحول الديمقراطي في الأرجنتين وبوليفيا وهنغاريا ونيبال والبيرو والفيليبين وجنوب أفريقيا وتركيا والأورغواي.
تفسير التحول
في الفصل الأول، تفسير التحول الديمقراطي، راجع المؤلف المقاربات النظرية الأربع الشائعة في تفسير التحول الديمقراطي: المقاربة البنيوية والمقاربة الاستراتيجية وتراث القوى الاجتماعية المأثور والمقاربة الاقتصادية، فأظهر، في ظل مجموعة معايير مثالية، أن لا وجود لنظرية كاملة في التحول الديمقراطي.
علاوة على ذلك، فإن الاستراتيجيات الثلاث الشائعة لفحص هذه النظريات – والمرتكزة على الإحصاءات أو الدراسات التاريخية المقارنة أو دراسات الحالة الإفرادية -لم تكن ناجحة بذاتها. والموقف الذي يتخذه هذا الكتاب، والمستند إلى انتقائية نظرية ومزيج من المقاربات المنهجية، ينبع من هذه الملاحظات.
أجرى تيوريل في الفصل الثاني، ظلال الماضي: المُحدِّدات الاجتماعية، مراجعة للأدبيات والأدلة ذات الصلة بالكيفية التي يمكن الإرث التاريخي، مثل الجذر الاستعماري والطائفة الدينية والتنوع الاجتماعي ومساحة البلد، أن يرسم مصير الديمقراطية. وهنا وجدتُ أن كفة البلدان الصغيرة في التحول الديمقراطي في أثناء الموجة الثالثة كانت أرجح، وأن نسبة المسلمين من سكان البلدان التي أُعيق فيها التحول الديمقراطي كانت أكبر، إلا أنني غير قادر على استجلاء أي آليات تفسيرية لهذه النتائج. يتناول المؤلف في هذا الفصل الأدبيات المتصلة بالمُحدِّدات الاجتماعية المحلية، ونتائج تجريبية، والإسلام والديمقراطية، ولماذا يرجح احتمال التحول الديمقراطي في البلدان الصغيرة؟
قوة ومحددات
كرس تيوريل الفصل الثالث، قوة الازدهار: المُحدِّدات الاقتصادية، للمُحدِّدات الاقتصادية، بما فيها التحديث الاجتماعي - الاقتصادي ووفرة الموارد الطبيعية والأداء الاقتصادي والتفاوت والحرية، فوجد أن التحرر من تدخل الدولة في الاقتصاد وفي التحديث الاجتماعي - الاقتصادي يعوق الردات نحو السلطوية، وأن الآلية الاجتماعية الاقتصادية تعمل عبر أهمية انتشار وسائل الإعلام في ردع الانقلابات العسكرية أو إحباطها. فوق ذلك، وجد أن الاعتماد على النفط يعوق الديمقراطية، بينما تحفِّز الأزماتُ الاقتصادية التحول الديمقراطي. ثم تعقب آليات التحول الديمقراطي الناتجة من الأزمة الاقتصادية في حالات الفيليبين وبوليفيا والأرجنتين والأورغواي، وعلاقة الأزمات الاقتصادية بهشاشة السلطوية.
في الفصل الرابع، قوة الدفع الخارجية: المُحدِّدات الدولية، تناول المؤلف المُحدِّدات الدولية للتحول الديمقراطي، فوجد أن الاعتماد على التجارة يعوق التحول الديمقراطي، بينما يقوى انتشارها في حالتي المجاوَرة وعضوية البلد في منظمات دولية تجتذب أعضاء لها من مناطق محددة من العالم. مع ذلك، لا يجد أي من هذه المُحدِّدات الدولية تحفيزًا واضحًا له من آليات سببية محدَدة. ولم تخل من الغموض حتى أدلة دراسة الحالة المُفسِّرة لأهمية العضوية في منظمات إقليمية ديمقراطية في تركيا وهنغاريا والبيرو. وما من تأثير ذي مغزى لتدفق رؤوس الأموال الدولية أيضًا، في حين تباينت نتائج التدخل الخارجي.
تعبئة وطوارئ
في الفصل الخامس، القوة من الأسفل: التعبئة الشعبية، نقل تيوريل مركز التحليل من المشهد الدولي إلى القوى المولِّدة للديمقراطية من الأسفل، إذ وجد أن التظاهرات السلمية تحفِّز التحول الديمقراطي، بينما لا تحفزه الإضرابات وأعمال الشغب العنيفة والنزاعات الأهلية المسلحة. ومن ثم يجري تتبع الآليات التفسيرية المسؤولة عن تأثير التظاهرات السلمية عبر أدلة مستمدة من دراسة الحالة في الفيليبين وجنوب أفريقيا ونيبال.
في الفصل السادس، الهزات الخارجية المنشأ وأنماط أنظمة الحكم السلطوية: الطوارئ المؤسساتية، عالج المؤلف مسألة ما إذا كانت توقعات نجاح التحول الديمقراطي تختلف باختلاف أنواع الأنظمة السلطوية. فقد استنبطت بدايةً مجموعة فرضيات حول استعداد أوتوقراطية الحزب الواحد والأوتوقراطية العسكرية والأوتوقراطية الملكية والأوتوقراطية المتعددة الأحزاب للتحول الديمقراطي، بأنفسها ومن أنفسها، واستجابةً لهزات تحدث خارجها، على حد سواء. ومن ثم تفحص هذه التوقعات مع الهزات ذات المنشأ الخارجي قيد التنفيذ، كالتحركات الشعبية والأداء الاقتصادي والتدخل الخارجي.
في الفصل السابع والأخير، خلاصات، لخّص تيوريل نتائجه وقوّم الأداء التفسيري المؤلَف من جميع المُحدِّدات جملةً، في منظور قصير الأمد وآخر طويلة. ثم اختتمت بمناقشة مضامين نتائجي بالنسبة إلى النظرية، ودراسة التحول الديمقراطي في المستقبل، واستراتيجيات تعزيز الديمقراطية، كما بالنسبة إلى العالَم الفعلي للتحول الديمقراطي ذاته.
تأتي هذه القراءة ضمن سعي شخصي لبحث أسباب الإنتقال الديمقراطي المستعصي في دول الشرق الأوسط منذ استقلالها في اواسط القرن العشرين مرورا بحراك الربيع العربي سنة 2011 الذي شهد طفرات واعدة باتجاه الديمقراطية أعقبها نكوص مدمر رسخ لنماذج أكثر شراسة وحيطة من النظم السلطوية، وصولا الى المشهد اليوم، وقد كان هذا الكتاب هو المدخل العلمي والمعرفي الاول من نوعه الذي ساهم في بناء تصور واقعي معرفي للمشهد الراهن بعيدا عن كليشيهات التراث الشعبي من قبيل "الديمقراطية لا تصلح للعرب" والدعايات المغرضة لبعض الأنظمة في ترسيخ وهم الديمقراطية أو الحط من قدرها كصيرورة طبيعية لتطور وعي الشعوب ورغبتها في المشاركة الإيجابية في إدارة شؤونها، مقابل الترويج لنموذج النظام المشخصن بشخص الزعيم الأب الملهم "الدكتاتور".
تعريف بالكتاب : كتاب محددات التحول الديمقراطي هو عنوان الترجمة العربية لكتاب يان توريل (Determinants of Democratization) الصادر سنة 2010 وترجمه خليل الحاج صالح الى العربي بترجمة امينة على المحتوى العلمي والمعرفي.
يقدم يان توريل بحثه بقالب علمي أكاديمي يعتمد فيه بشكل رئيس على تحليل كم وافي من البيانات والإحصائيات لما يفوق المائة وستين بلدا على مدى يزيد عن العشرين سنة (1972 الى 2006) واضعا ما عرف بالموجة الثالثة للانتقال الديمقراطي لدى بلدان العالم النامي تحت المجهر، مع دراسة وافية لجميع الفرضيات والنظرية المسبقة والدراسات العديدة البارزة التي تناولت هذا الموضوع تحليلا من مختلف زواياه وأبعاده، واضعا معاييره المركبة التي راعت الكم والكيف ليتمكن في نهاية المطاف من تعيين أهم المحددات التي كانت دافعا الى حدوث طفرات نحو الديمقراطية في والمحددات التي لعبت دورا في النكوص باتجاه السلطوية.
وتفيد استنتاجاته الدالة والمعززة بالأرقام والنسب، أن العوامل والمحددات التالية ذات تأثير في الدفع باتجاه الطفرات الديمقراطية على المدى القريب : - الأزمات الاقتصادية. - انتشار الديمقراطية في دول الجوار. - ضغط المنظمات الدولية والاقليمية. - التظاهرات الشعبية السلمية (القوى الشعبية). - شكل النظام السلطوي (في حال كان اوتقراطية متعددة الأحزاب يسهل تحوله الى الديمقراطية سواء من نفسه أو عند تعرضه لهزات خارجية) أما التحديث الإجتماعي والإقتصادي للمجتمع والدولة فيساهم في الحفاظ على المكتسبات الديمقراطية في حال وجودها على المدى الطويل. كما أورد توريل ما ثبت تأثيره من عوامل ومحددات ساهمت بشكل أو آخر في حدوث نكوص عن المنحى الديمقراطي باتجاه اشكال النظم السلطوية ومنها: - نسبة عدد السكان المسلمين من مجمل السكان (وهذا الأثر يبرز بأكبر تجلياته في دول الشرق الاوسط وشمال أفريقيا ويكاد يكون غير دال في بقية الدول الأخرى ) - حجم الرقعة الجغرافية الكبير (او العدد السكاني الكبير) - حجم التبادل التجاري الكبير من الدول الكبرى ذات النفوذ وغيرها. استنتاجات يسهل التحقق منها بربطها بالواقع والبناء عليها في القادم من البحوث والدراسات، وقد نجح برأيي من خلالها بوضع القارىء على أول طريق الفهم العلمي لمآلات مساعي الإنتقال الديمقراطي من خلال دراسة الحالة (ات) من منظور العلوم الإجتماعية وعلم الإحصاء (التحليل والتنبؤ من خلال معاينة واكتشاف أنماط الإنتقال).
يجدر بي التنويه بأن لغة الكتاب لغة علمية أكاديمية ولغة ارقام جافة قد تنفر البعض الذي قد يعدها نقيصة من النقائص، غير أن المعنيين بالعلوم السياسية والإجتماعية والمهمومين بالشأن العام من أصحاب الفضول المعرفي أو المحتاجين للمعرفة في هذا الحقل تحديدا في ظل الظروف الحالية، فيسجدون جزء لا بأس به من ضالتهم في هذا المؤلف وسيكون المنحى العلمي لمضمونه قيمة مضافة ضرورية للادراك والتبيين.
الكتاب نوعي في مجال دراسة الإنتقال الديمقرطي، أنصح به.
اقتباسات من الكتاب:
"ومن جانب آخر عانت مجتمعات يسود فيها المسلمون من إتجاه جلي معاد للديمقراطية، وهذا التأثير جوهري تماما.... أما من حيث إتجاه التغير، فيقل بشكل ملحوظ احتمال أن تحقق المجتمعات المسلمة طفرات نحو الديمقراطية، في حين يزداد إحتمال أن تنكص في ردات نحو الحكم السلطوي ... لكن عند تثبيت الأقاليم، أي عندما آخذ في عين الإعتبار الاختلاف بين بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من جانب وباقي بلدان العالم من جانب آخر فإن معامل السكان المسلمين ينخفض بشكل كبير ليغدو غير دال. " * ولم تكن مجريات الربيع العربي الإستثناء المرجو.
"كلما زاد إعتماد الفاعلين الإقتصاديين (رأس المال أو العمل) على إعانات الدولة وأنظمة العمل في قطاعات محددة، قل ميلهم إلى معارضة نظام الحكم السلطوي."
" وما يفوق ذلك كله أهمية، أن الإحتجاجات السلمية تنحو إلى أن تدق إسفينا أكثر عمقا بين المتشددين والمعتدلين- داخل نخبة السلطة- الذين ينزع التباين في ما بينهم حول السياسة إلى أن يدور حول تفضيلات متباعدة للقمع."