بعد ست وعشرين عاماً من النفي في سجون الغوايانا الفرنسية يعود «يونس» إلى بلاده، وسرعان ما يدرك أنه لم يغادر أرض وطنه فحسب، وإنما هاجر من زمنه أيضاً. فجميع من يراهم لا يتعرفون إليه، والوحيد الذي يتذكره هو «أبو الريش»، الذي كان صديقه في أيام الشباب. بين «يونس» الذي يتجوّل في القرى والبلدات المجاورة بحثاً عن زوجته وأولاده الذين لم يجدهم بعد عودته، و«أبو الريش» الرجل الفقير الذي يعمل في دار السينما، ويهوى جمع كل ما يمت لمطربه المعبود «فريد الأطرش» بصلة، تجري أحداث هذه الرواية التي يعيدنا فيها «ممدوح عزام» إلى فترة الخمسينيات ليحكي لنا بأسلوبه الساحر حكاية عن أولئك الذين ناضلوا من أجل الاستقلال ثم صاروا أول ضحاياه حين أضحت السلطة بأيدي من لم يشاركوا في الثورات قط.
ممدوح عزام كاتب وروائي سوري امتاز بسلاسة كتاباته وتشويقها وبأسلوبه الروائي الساحر يشد القارئ إلى عالمه فيعتبر من الروائيين المؤرخين للعصر الحديث في سورية بكتاباته الأدبية ولد في عام 1950 في محافظة السويداء اشتغل في التعليم مدرساً في نفس المحافظة وهو عضو في جمعية القصة والرواية السورية. صدر له من مؤلفاته: •نحو الماء، مجموعة قصصية، 1985 . •معراج الموت، رواية، 1987 . حوّلت إلى فيلم سينمائي بعنوان «اللجاة »، من إخراج رياض شيّا، وإنتاج المؤسسة العامة للسينما .1993 •قصر المطر، رواية، 1998 . •جهات الجنوب، رواية، 2000 . •الشراع، مجموعة قصصية، 2000 . •أرض الكلام، رواية، 2005 . •نساء الخيال، رواية، 2011 . •أرواح صخرات العسل، رواية، 2018 .
وقت الواقع والغربة والفقر والإرهاق والدمار والحرب والرعب والهزيمة والذل وما حوله من المشاعر يتعانقوا مع الأحلام والحب والرغبة والجمال والحنية بأسلس صورة وأجملها وأوجعها للقلب! وقت يكون الجمال مشوب بالحزن، والحزن والكآبة والرعب بتتخللهم الرقة! وقت تكون قصة حية وتفاصيل في غاية الرقة بتوصف حكاية قمع وبطش بنجاح كبير، هون على طول بصفن وبتذكر إنو ما حدا من قبل برحلتي القراءية قدر يعمل هيك بنجاح وبلا تصنّع عدا ممدوح برواياته!
يمكن هالمزج الواسع جدا بمكان واحد وبإتقان كبير عفوي بمظهره، هو السبب الرئيسي لحبي لقلم ممدوح ولاعتبار تجربتي معه تجربة فريدة ولذيذة ومميّزة جدا!
رغم إنو فيني كل الشوق لأقرأ كل أعماله ورا بعض وفيني شهوة وجوع كبير لأعمل هيك، إلا إني رح أمسك حالي لخلي بقية أعماله تتوزع على الكم سنة الجايين على أمل لاقي حدا يكون بذات اللون هاد ويشبعني بشبه هالمقدار!
*عالهامش: محبي فريد الأطرش وأسمهان أو المصابين بالنوستالجيا بلا شك حيوقعوا بغرامها لهالرواية أكثر وأكثر, كانت بالنسبة لإلي الأوقات يلي قضيتها مع هالكتاب بمثابة إحياء العلاقة بيني وبينهم للقمرات سواء بسماع الأغاني أو مشاهدة الأفلام يلي انذكرت بين سطور الرواية، عدا عن إنو علاقتي فيهم تغيرت 180 درجة عن ما قبل الرواية وما بعدها.
**هامش آخر: تواجد الشاي على طول سرد الرواية أخد قلبي، بوقت الحب في دعوة للشاي وبوقت الرعب تعا نشرب شاي لنخفف وطأته وبالجمعات وإلخ.. فبرضو محبي الشاي وجو الشاي حيغرموا بالمقاطع تبعه.
***هامش أخير: الوجع والطفيان يلي خلّفته فيي الرواية وخصوصا بمقاطعها الأخيرة كان كبير لأنو دخل لروحي بهدوء ومع مشاعر ثانية سلّكت طريقه. ما أعتقد -وخصوصا إنو ما صرلي زمان منهية مديح الكراهية- إنو هالوجع يخف أو أقدر أنساه، عالأقل بالوقت القريب الجاي..
التجربة الثانية مع روايات الكاتب السوري ممدوح عزام بعد ' لا تخبر الحصان ' .. كانت محطة قرائية لطيفة، عزام يملك قدرات سردية عظيمة وأتطلع لاسكتشاف بقية أعماله.
"كان الصمت يستبدّ بكلّ شيء، وأحسّ أنه يستطيع الإمساك به، بسبب لزوجته وثقله. وكلّما أوغل في الحارات كان الليل يتماسك ويقوى. وقد شوّشه هذا، فاتّجه شمالًا ضالًّا الطريق. وفاقم الفراغ من حنينه".
على مدار قراءتي لهذا العمل شعرت في كل دقيقة بشعور واحد مؤكد؛ أن ممدوح عزام خُلق ليكتب، إذ لا يمكن الشك لسطر في روائيته، وطرحتُ على نفسي أسئلة عديدة حول هذا الإنسان، لا شكّ أن أخطرها وأكثر ما يمسّني فيها هو أنه ماذا لو قرر أن لا يكتب أو لا ينشر؟ ماذا كنت وكنا سنفتقد؟ فكم أنا ممتن لتلك اللحظة العابرة التي جذبني فيها اسمه على مجموعة أغلفة كتبه الأنيقة موحّدة الأسلوب الفني، فتلبّسني حينها الفضول لأكتشف هذا الكاتب، والذي بتّ لا أستطيع ورغم كلّ الفن والحرفية والمهارة في استخدامه لقلمه وبعد قراءات عدّة إلا أن أشير إليه دائمًا بالإنسان، لا يمكنني وصف مدى قرب هذا الإنسان من كياني وفرحي وهواجسي ومتعلقاتي الأخرى.
أما جهات الجنوب فهي روايته التي لا تهادن ولا تتنازل عن صفعك وتذكيرك بالحقائق. هذا الإنسان الذي يعرفنا حق المعرفة، يعرف ناسه معرفة أقرب وأشدّ، لا يجانب حقيقة ولا يخفي عنك قبحًا وبالطبع ودائمًا للجمال والرقة في كلماته نصيبها الكبير فهو صاحب العبارة "بهجته بالودّ المشوي على حجارة العداوة القديمة" التي لا يفتأ صديقي ترديدها مبرهنًا حساسية وإحساسًا استثنائيًا بالكلمة؛ كلمات لها رائحة ولون خاص، لون البساطة ونعمة الهدوء، تجبرني دائمًا على فتح عينيّ أكثر، أن أرى الجمال الكامن في أصغر تفصيل قد أحفّ به كل يوم، يجرحني بكلماته اللاهثة تعبيرًا متصاعدًا عن خطر قادم، غالبًا ما يكون خطر الشرور، خطر ليس بقادم، بل خطر قد تحرك فقط، إذ أنه مقيم هناك دائمًا متربص بمن يغذيه ويحتفي به.
في شكل حياتنا وظرفها بات من يلاحق إنسانًا كمن يلاحق السراب، الرواية لا تتيح لقارئها كما لبطلها الثبات، بل توفر على طولها شعورًا بارتحال وعدم استقرار أبديّين، وهي لا "توفر" هذا الشعور بل تجبر على ذاك التحرك الدائم، صعوبة توقف يمليها انعدام السكون، وانعدام الركون لظرف قاهر.
عند المشهد الأخير أضحيت ممسوسًا، ممتلئًا بصراخ لا قرار له، أردت أن أطير وأحذّر العالم وأن أنهي حروبًا، كي يفرح الأطفال وتزغرد النساء ويتسنى للرجال فرصة الخلو إلى أنفسهم والاختباء مع دموعهم، خطة سرقتها من يونس، الذي شطح أيضًا في خياله جراء نهر الحياة الذي يحمل معه شوائب العمر وأمنيات الدهر وعكرة الأحلام، كلها تمشي جنبًا إلى جنب.
من الجنوب السوري ينطلق ممدوح عزام في روايته, بوصول يونس بعد نفي دام 26 عاماً في غوايانا الفرنسية. يعود يونس ليرى بأن منزله قد تحول لخرابة, وزوجته وابنه قد اختفيا من القرية, يتفاجأ يونس بأن لا أحد قد تعرف عليه, وهو ما ساهم في تأزيم اغترابه المتواصل حتى داخل وطنه. تنطلق الرواية في وصف دقيق لأحوال ذلك الريف المدقع الفقر, المأزوم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ولكنه مملوء بالحنين والحب عبر مقاطع صورها عزام ببراعة حية جدا. تدور أحداث الرواية في خمسينيات القرن الماضي, بعد الاستقلال عن الاحتلال الفرنسي, في زمن كانت فيه الصراعات السياسية والعسكرية أزمة في بلد تدور الأزمات به عبر التاريخ منذ أن سكن الانسان أرض هذه المنطقة وحتى اليوم. وما يزل البطش والقمع سيد الموقف في حل تلك الأزمات. من فعل ذلك؟ ولماذا؟ ومن ربح في النهاية؟ مجموعة أسئلة لا يوجد لها إجابة واحدة صادقة أو واقعية على الصعيد النظري, ولكن على الصعيد الواقعي والتاريخي هناك جواب واحد, أن شعب هذه المنطقة قد وطئته أقدام السلطويين أينما وجدوا, وحلوا. وما يثير الأسى والألم بأن هؤلاء السلطويون هم أبناء هذا الشعب ولكن يبدو أن السلطة في هذه البلد هي سلطة من يبطش اكثر بالآخر, المختلف كان أم المتشابه فهو شيء غير مهم. المهم استمرار الفعل البطشي والقمعي بكل أشكاله. حكاية يونس وأبو الريش والنجومي هي حكاية كل سوري هي حكايتنا جميعا.
تدور أحداث الرواية في جبل العرب، وعلى الرغم من عدم ذكر الكاتب لأي تواريخ إلا أن الأحداث السياسية والفنية تشير إلى أنها وقعت في النصف الثاني من الخمسينيات. يجد القارئ نفسه مفعماً بالمشاهد والروائح والأصوات ومتغلغلاً في تفاصيل تلك المنطقة بفضل قدرة الكاتب الرائعة على وصفها وتجسيدها. تروي قصة مغترب، أو بالأحرى مغرّب، رُحِّل عن وطنه عنوة، وترك أهله ليعيش سنوات طويلة من السجن والتعذيب والمعاناة النفسية، ونجح خلال تلك الفترة في الصمود والمحافظة على إيمانه بالإله. عاش على ذكرياته البعيدة، وعلى أمل أن يعود يوماً إلى أهله. أحداث كثيرة تختبر فيها شخصيات الرواية صحة المبادئ والمعتقدات التي تمسكت بها طوال حياتها، وضيعت في سبيلها، وبسببها، أغلى ما تملك. تسلسل الأحداث ووقائعها تحمل رموزاً وإشارات إلى مفاهيم كالحياة والموت، الحرية والظلم، الإيمان واليأس، يستمتع القارئ وهو يستشفها، بحيث لا تقتصر الرواية على مجرد سرد للأحداث. رواية من النوع الآسر الذي يتركك متسائلاً غارقاً لعدة أيام بعد الانتهاء منها.
"تراجعا مسرعين. ظلا يركضان غرباً حتى وصلا إلى أطراف الوادي الشتوي. لاحظا أن الجنود كانوا يقتحمون المغارات والسراديب المطلّة عليه من جهة الشمال. كانت شفتا يونس تصطكّان رعباً، مشى محطّماً، أراد فجأة أن يقعد لأن ساقيه تراختا، فأرغمه أبو الريش على النهوض، ظلَّ يسأل نفسه: ماذا حدث بين هؤلاء وبين الناس في السنوات التي غاب فيها لكي تتأجّج في نفوسهم حمّى الحرب، وتسخن قلوبهم، وتتغطى بهذا الموت؟ ماذا سيعلّقون على صدورهم بعد أيام؟ نياشين من الذهب أم من الدم؟ وماذا جاء يفعل هنا؟ أكان يعرف أيّ وطن عاد إليه حقاً؟ أهو ما يراه أمام عينيه من المذابح والاغتيالات والرحيل المجنون؟ أم هو تلك الرياض المزهرة التي كان يحلم بها في سجن جزيرة الشيطان؟ أم هو تلك المساحة الصغيرة من نجمة ذلك الضابط الذي يقود الجنود هناك؟"
هذه اول تجربة مع ممدوح عزام الرواية كما سمعت من اوائل اعمال الكاتب المنشورة رواية مليئة بالتفاصيل والمشاعر تجري احداثها في السويداء في منتصف الخمسينات تقريبا ايام حكم العقيد اديب الشيشكلي الذي قام بقصف جبل الدروز وقتها اثر اتهامه لهم بالتامر ضد حكمه يعيب فيها بعض الاسترسال في وصف المشاهد لاحظت بعض الضعف في تماسك الرواية رغم بساطتها وقلة الشخصيات تجربة جيدة على العموم
إلى أين يذهب الهارب من الموت وكل البلاد باتت مقابر أي وطن يمكن أن يرحل إليه من أفنت عمره الغربة حتى بات الوطن سراباً لا يظهر إلا في أصفى لحظات حلمه! والأرض كلها أضحت خراباً !