2010م إلى ذلك العام يرجع تاريخ ولادة (إنساني الجديد) ، كان ذلك أثناء حوار دار بيني وبين أحد الأصدقاء حول واحد من الموضوعات التي جهدتُ في التفكير فيها والتعبير عنها ، وتتركز حول قدرة الإنسان على البدء بعد النهاية ، وعلى التحلي بالقوة اللازمة لمواجهة التحطم واليأس والإحباط والقنوط بحيث لا يسمح لهذه المشاعر أن تسيطر عليه ، أو ترسم نقطة النهاية لإنجازه وعمله وأمله واستمراره في الحياة ، وكيف يتحكم بتلك المشاعر السلبية التي تراوده بعد ما يمر به من تجارب فاشلة أو قصص مؤلمة تتعلق بالمشاعر ما حدث يومها أني بعد انتهاء النقاش حاولت ترتيب أفكاري وتثبيتها على شكل مقال صغير ووجدت نفسي أذيِّل المقال بعبارة : (ويولد في داخلك في هذه اللحظة إنسان جديد) ، شعرت يومها أن عينَي هذا الإنسان الجديد الذي وُلِد افتراضياً على أوراقي البيضاء ترمقني بامتنان ، وتجذبني أن تابعي ، استخرجي من قلوب اليائسين إنسانهم الجديد ، أيقظي أفكارهم البيضاء لعلها تعبِّد الطريق لأشعة نور تأذن بولادةٍ جديدة لنفوسهم ، لعلكِ بذلك تُحيين نفساً شارفت على اليأس ، فتكونين كمن أحيا الناس جميعاً ما حدث وقتها أن هذا المقال لقي من الرواج والقبول ما لم أتوقعه أبداً ، ولا أنسى كيف قال لي أحدهم ، وكان طبيباً مشهوراً: أنه لا يدري سرَّ بكائه كلما قرأه ، كما تواصلتْ معي إحدى المجلات تستأذن بنشره ، أحسست وقتها بواجبي تجاه كل مكلوم يوشك اليأسُ أن ينال منه بأن أكتب ما عندي ، فالنفوس بقدر عُمقها وتشعُّب أحوالها إلا أنها كماء البحر تتشابه مياهه ، وتشترك في سبب مدِّها وجذرها ، عندها شعرت أن (إنساني الجديد) الأول يستدعي كل مامررتُ به، وما سمعتُ عنه من أحوال نفسية وأوجاع روحية ، وتوالت النقاشات بيني وبين الأصدقاء ، وصار بعد كل نقاش يولد على أوراقي (إنسان جديد) وهكذا سبعة مقالات... فكرت وقتها أن تكون هذه المقالات فاتحة لكتاب يحمل هذا الاسم ، ثم تطور الحلم ، فصار مشروع حياة ، نعم لا أبالغ إن قلت إنني صرت أحمل هذا الاسم هدفاً كبيراً أسعى إليه ، وخصوصاً أن كل ما كنت أكتبه قبلها من مقالات وأنشره في العديد من المواقع والمجلات يصبّ في بناء الإنسان ، بناء عقل جديد ، وسلوك جديد ، وحياة جديدة. ركائز لا أدَّعي أبداً أنني أملك قوامها ، ولكنني أقدم لسبيل هذا البناء وهذه الولادة نفحة حياة ضمن منظومة كبيرة من مشاريع حقيقية لتغيير الأفكار والمشاعر والسلوك يقوم بها المفكرون والدعاة من صلحاء هذه الأمة لأجل بناء إنسان جديد يكون حجر أساس لنهضة أؤمن تماماً أن انتظارها لن يجدي ، بل علينا أن نصنعها ، أن نذهب إليها لأنها لن تأتي هي إلينا بحال من الأحوال... وهكذا حتى كان الشهر السادس من عام 2010م إذ قمت وقتها بإنشاء موقع على الإنترنت يحمل اسم (إنسان جديد) ، وجعلت شعاره (به تبدأ النهضة وعليه تقوم) ، وقسّمته إلى ثلاثة أبواب أساسية: لقناعات جديدة (مقالات ومنشورات تخاطب التفكير) ، لبداية جديدة (مقالات ومنشورات توجِّه المشاعر) ، لمجتمع جديد (مقالات ومنشورات تخاطب السلوك) ، وبينما كان (إنساني الجديد) مجرد موقع في العالم الافتراضي، كان بين جفني وعيني مشروعاً إعلامياً يتكون من: (أكاديمية إعلامية ، وقناة فضائية، وإذاعة ، ومجلة) ، وكل ما يتعلق ببناء الإنسان... لم أعرف كيف يمكن لمثل هذا المشروع أن يأخذ طريقه للحياة ، -وما زلت- ولكني بقيت متمسكة بحلمي ، ثم تغيرت ظروفنا في سوريا ، اشتعلت الثورة ، وبدأت الحرب ، ودُمِّر الحجر والبشر ، وبقيَتِ الأحلام القوية تقاوم ، وتصارع ، وهل كانت الثورة إلا لأجل حلم قوي اسمه "الحرية" ؟! نال قصف النظام وصواريخه من بيتي ، وخسرتُ الكثير وتغيرت أحوالنا ، وخرجتُ من البلد مع عائلتي أواخر عام 2012م حاملة معي حلمي ، ويوماً بعد يوم كنت أرى كيف يمتدُّ ظلام اليأس ليكتسح نفوس السوريين ، وأرى كم من المهم أن أستمر مرابطةً على ثغور الأمل أذود فيها عن حمى القلوب ، وأتقي اليأس ولو بشِقِّ كلمة ، فتعاونتُ مع قناة (سوريا الغد) الفضائية لجعل حلمي برنامجاً أسبوعياً يحمل اسم (إنسان جديد) أقدِّم فيه جرعة نفسية تساعد السوريين على التمسك بما بقي معهم من حياة ، والعزم على طرد شبح اليأس مهما بلغت قوته، كان ذلك في الشهر الثالث والرابع من عام 2015 ، ولكن ما حدث وقتها أن قناة (سوريا الغد) توقفت بعد أن تم عرض (7) حلقات فقط من البرنامج ، وفي رمضان من نفس العام وتحديداً في الشهر السابع قدَّم أحد الدعاة المصريين الشباب برنامجاً يحمل الاسم نفسه....!! لم أجد في الأمر حرجاً بل ازددت إصراراً على المضي في رسم معالم (إنساني الجديد) ، فساحة البناء مفتوحة لكل جهد ، ولكل رؤية تريد الخير لهذه الأمة ، لأجل ذلك كان كتابي هذا الذي يحتوي مقالاتي السابقة التي تحمل الاسم نفسه ، ويحتوي شذرات من نفسي ، وإضاءات هي عصارة فكري وتجاربي ، وأفكاراً سطرتها روحي ... جعلتُ الكتاب على ستة أبواب هي : ( مخاض قبل الحياة ، لقناعات جديدة ، في ظلال الوطن ، لنفوس جديدة ، كل رمضان بداية، كان يا ماكان) راجية الله تعالى أن تكون كل كلمة في هذا الكتاب بذرة خير أغرسها في قلوب القراء ، فتؤتي أُكلها كل حين بإذن ربها وعياً وعملاً وسعادة والله من وراء القصد سهير أومري
إنسان جديد.. لسهير أومري سهير أومري لم تُخلق لتكتب لوناً ثقافياً محدداً، لأنها كاتبة موسوعية شمولية لا تسعها الأطر ولا تحد من عبقريتها المحددات. ذكاء الكاتب وسعة اطّلاعه ومقدرته الفذة على صياغة الحرف، والدفع بالقارئ نحو عالم العقلانية والتفكير، يُعد من حسن حظ القارئ، قارئ محظوظ هو من قرأ لسهير أومري، لأنها كاتبة لا تقف عند نقطة تحليل الواقع، بل تدفع بالقارئ نحو عقلانية التفكير فيضع بنفسه منهجاً ذاتياً للتغيير، لقد بلغت أومري حداً فلسفياً أدبياً جمالياً في كتابها "إنسان جديد"، حتى إنها استطاعت أن تأخذ بيد القارئ لذلك الإنسان الجديد الذي يتطلع لأن يكونه، الذي طالما داعب خياله، سهير تُعيد ضبط زاوية الرؤيا التي يفتقدها القارئ والتي ينبغي عليه النظر من خلالها، بعد أن تكون قد هيئته لتقبل التغيير كمنهجية وهدف، بعد تجريد الأفكار من المؤثرات السلبية والمحايدة التي قد تعوق انطلاقها، بعد تمهيد الطريق العقلي لاتخاذ خطوات تساعد على تحسين الشعور نحو الذات، من خلال استغلال قوة الأفكار والمقومات والقدرات والمعتقدات لزيادة الثقة بالنفس، لولادة ذاك الإنسان الجديد التي تتطلع إليه
إنسان جديد للأستاذة سهير أومري من لحظة تصفحك الصفحة الأولى من الكتاب، ستدرك أن الكاتبة قد عمدت إلى حتمية بناء العقل الجديد، والسلوك الجديد، والحياة الجديدة، وعلى المرء أن يدرك ذاته كي يعمل على تغيير نفسه، وأن يستخرج من يأسه وكبواته إنسانه الجديد، وأن يجعل الفكر سبيله للخلاص من علائق الفشل والإخفاق، وعليه أن يسعى كي يكون لديه فسيلة يغرسها. يقول نيتشه: "على الفرد دائماً أن يُقاسي ليبقى حراً من هيمنة المجتمع والقطيع، ستكون وحيداً وأحياناً خائفاً، لكن الثمن ليس غالياً في مقابل أن تمتلك نفسك" وهذا عين ما ذهبت إليه الكاتبة الفيلسوف الأريبة من أن غاية الأمر أن تمتلك نفسك وتبدأ من جديد
إنسان جديد.. افتح للأمل بابا من أسمى المنح التي يهبها الله لكاتب هي سمو الفكر، وتحريك العقل، وبلاغة الحديث، وجمال الأسلوب الفلسفي الأدبي الذي ينهمر على مسامع القارئ بسلاسة وعذوبة، هذه الهبات تتجاوز الأطر والحدود وتترك أثراً عميقاً في القلب والعقل، وقد حبا الله سهير أومري كل تلك المزايا، فجاء الكتاب عبقري الفكر فلسفي المنهج وإن لم تعنون له بعناوين فلسفية، نحن بحاجة للإنسان الجديد الذى تبدأ به النهضة وعليه تقوم الأمة، الإنسان الذي يرتيب أفكاره ويتطلع للمستقبل كي يصنعه، بعد أن يفهم ذاته، بعد أن يعرف متى يقول نعم ومتى يقول لا