هذا الكتاب لن يتحدث عن تعويم الجنيه، ولا عن الدين العام المصري ولا عن رفع الدعم عن الطاقة، ولن يحاول حصر الأسباب والآثار المتشعبة للأزمة الاقتصادية الحالية، ولن يقدم حلولًا لها.
تخيّل/ تخيلي أنني قابلتك لأول مرة وهممت أن أعرفك باسمي فبدلًا من أن أقول لك: "مرحبًا اسمي سلطان" قلت: "مرحبا اسمي ليس علاء، ولا وليد، ولا إبراهيم"، وظللت أنفي كل ما يطرأ على بالي من أسماء لا أُنادى بها. تبدو طريقة التعريف هذه عبثية، فلكي أنجح في تعريفك باسمي بهذه الطريقة أحتاج لأن أنفي كل الأسماء التي يحتمل أن أُنادى بها باستثناء سلطان.
ورغم بديهية هذه الفكرة، فكرة أنني سأبدد كثيرًا من الوقت إذا اخترت أن أُعرفك باسمي أو عنواني عن طريق نفي كل الأسماء التي لا أملكها والعناوين التي لا أسكن بها. لكني أفضل أن أبدأ في تقديم محتوى هذا الكتاب بطريقة تُشبه "مرحبًا، اسمي ليس إبراهيم ولا أسكن في ميدان المنشية بالأسكندرية"، سأقول لك مرحبًا، هذا الكتاب لن يتحدث عن تعويم الجنيه، ولا الدين العام ولا دعم الطاقة، ولن يحاول حصر الأسباب والآثار المتشعبة للأزمة الاقتصادية الحالية، ولن يقدم حلولًا لها.
أُفضل هذه الطريقة في التعريف ليس لأنني أنوي تبديد وقتك، بل كمحاولة للفت انتباهك إلى موضوع أساسي من موضوعات هذا الكتاب وهو فقر الحديث الاقتصادي عن الأزمات. لنرجع إلى طريقة التعريف بالنفي لإيضاح علاقتها بفقر الاقتصاد كمجال معرفي.
طريقة التعريف بالنفي، والتي بدت شديدة العبثية عندما تخيلنا استخدامها للتعريف بأسمائنا، لا تبدو بهذا القدر من العبثية في كل الحالات. يمكن استخدامها، وستكون ناجحة وسريعة، في الحالات التي يكون فيها التخمين في نطاق احتمالات فقير أو غير متنوع. مثلًا إذا كنتُ تسألني هل أنا متزوج أم أعزب؟ أو إذا كنت تحاول تخمين عمري وأنت تعرف من ملامحي أنني في منتصف الثلاثينات ولكن لا تعلم على وجه الدقة كم وثلاثين؟ في هذه الحالة أنا أحتاج لأن أنفي لك ثلاثة أو أربعة احتمالات على الأكثر لتعرف كم عمري تحديدًا.
بعض الكتب تلتهمك كما يعبر أفونسو كروش وهذا الكتاب من بينها بل وتكرر بعض فقراته وكأنه ليس كتاب عن الإقتصاد بل كتاب أدبي يحكي الواقع الدستوبي الذي نعيش لكنه ليس خيالاً هنا بل واقع بئيس
الكتاب سهل جداً في القراءة، رغم إنه بيدخل في تفاصيل اقتصادية بحثية معقدة. أنا بحب أفهم الاقتصاد وعلاقته بالسياسة، لكن غالباً بلاقي صعوبة أبدأ كتاب اقتصادي أو أتحمس له. أسلوب الكاتب هنا كان سلس لدرجة إنه خلاني أبدأ وأكمل في قعدة واحدة من غير ملل أو صعوبة.
الكتاب مهم لأنه بيركّز على ثلاث حاجات أساسية، خطورة الاعتماد على رقم متوسط واحد للتعبير عن التضخم وكأنه بيمثل كل الناس، طريقة تناول الصحافة للأخبار الاقتصادية وإزاي أحياناً بتميل للتبسيط المخل أو التركيز على العناوين الجذابة على حساب الشرح والتحليل، وتأثير رفع سعر الفائدة وإزاي ممكن يساهم في توسيع الفجوة بين الغني والفقير.
المجهود البحثي واضح جداً، وده خلى الكتاب غني ومهم. كمان عجبني إن الكاتب حاول يكون متوازن ويتجنب الطرح الحاسم أو النظريات اللي بتتقدم كأنها حقائق بسيطة ونهائية، رغم إن الواقع الاقتصادي أعقد من كده.
لكن في رأيي الكتاب محتاج مراجعة أعمق علشان تبان الزوايا اللي ما اتطرحتش بشكل كافي. بعد مناقشتي له مع ناس مهتمة بالاقتصاد، فهمت إن في بعض الأجزاء بيتم عرض زاوية واحدة بس، من غير التوسع في الزوايا التانية اللي ممكن تساعد على فهم الصورة كاملة. خصوصاً عند نقد قرارات اقتصادية معينة، كان مهم يتناقش: ليه القرارات دي بتتاخد من الأساس؟ ولو تم اختيار بديل مختلف، إيه التحديات أو المشاكل اللي كانت ممكن تظهر؟ طرح الاحتمالات دي كان هيخلي النقاش متوازن أكثر.
النقطة دي ممكن ما تبقاش واضحة لقارئ مبتدئ، لكن بتظهر بسرعة مع أي نقاش أعمق. علشان كده شايفة إن مراجعة بعض الأجزاء وإضافة البعد التحليلي كانت هتزود قوة الكتاب وتخليه أكثر اكتمالاً (بس يمكن أصعب في القراءة؟).
كتاب يزيد من التشكك والدهشة والحيرة، ودة هدف الكاتب. تشكك في الأرقام الاقتصادية الرسمية، دهشة من تضليل المؤسسات الاقتصادية والنظرية الاقتصادية ذاتها. وحيرة مربكة حول كيفية تطوير/ تحسين إدراكنا بالأزمات الاقتصادية المتكررة في مصر والعالم. كتاب شيق جدا كأنه عمل أدبي ممتع، كتاب غير ممل -أو مغرق في الأرقام- عن الاقتصاد. الكاتب باحث محترف يدعو للتشكك في الاقتصاد كشيء مجرد عن الواقع الاجتماعي. كتاب مهم ويصلح كمدخل لقراءة جديدة وأكثر وعيا للاقتصاد.
وخلال الأزمة الأخيرة يواجه الفقراء نسباً للتضخم أعلى فعلياً من الأثرياء كيف يحدث هذا وأسعار السلع موحدة على الجميع
وهي إصرار من يقومون بحسابات الغلاء على حشر جميع المصريين في نمط إنفاق واحد باختلاف مستويات دخولهم، وحالاتهم الاجتماعية، والثقافية
بهذه الطريقة يتشكل الفقر، هكذا ينزلق القريبون من خط الفقر إلى داخل دائرته وينزلق الفقراء القدامى إلى دائرة الجوع هكذا تصير دائرة الفقر أكثر اتساعا وإحكاماً وتزداد اللا مساواة في توزيع الدخول والثورات بشكل أعنف بمرور الوقت
يمكن أن تصعد بأسعار النفط عالمياً إلى أسعاره القديمة، سيناريو مثل خروج الاقتصاد العالمي من حالة الركود الحالية ، أو سيناريو آخر مثل أن تدخل دولتان كبيرتان في حالة حرب أو سيناريو ثالث يزيد فيه الطلب العالمي على الطاقة بشكل مفاجىء لأي سبب من الأسباب فتزيد أسعارها عالمياً فتتذبذب أسعار السلع والخدمات في مصر بين يوم وآخر
عندما تتغير الأسعار بعنف نحن نلجأ للتنبؤ في فترات الصخب
تنجح تنبؤات هذه المؤسسات في فترات الهدوء، حينما تسير الأمور بوتيرة ثابتة عندما يكون الحاضر صورة مشابهة للماضي/b>
أما عندما تكون التغيرات أكثر عنفاً فيزداد طلبك على التنبؤ، تفشل هذه المؤسسات
عندما يقرر البنك المركزي رفع أو خفض أسعار الفائدة الأساسية فهو يحدد بشكل أساسي ما تدفعه الدولة المصرية لدائنيها، يحدد الحصة التي سيبتلعها الدائنون من الإنفاق العام وبالتالي يحدد حجم الحصة الباقية التي ستنفقها الدولة على أجور
كتاب رائع ومقدمته بسيطة وجذابة، ربما هو أبسط كتاب في شرح الإقتصاد ومصطلحاته، وفي نفس الوقت يوضح المتغيرات التي يتأثر بيها الأقتصاد ،المصري كتاب ضروري قراءته في مثل هذا الوقت