إن إدراكنا للعلاقة الجلية بين الإلحاد والتنوير المزعوم يجعلنا نفهم حقيقة كثير من الإشكالات الفكرية المعاصرة حول الشريعة والعقيدة الإسلامية، ومصداق هذه العلاقة في واقعنا هو ذاك الاصطفاف المريب للملاحدة مع دعاة هذا النوع من التجديد الاسلامي، فلو تأملنا حملات التشكيك في السنة النبوية سنجد احتفاء كبيرا بين الملاحدة بهذه الدعوات التجديدية، لإدراكهم أن هذه الدعوات-بما تحمله من آليات تفتقر للنزاهة العلمية- ليست سوى قنطرة موصلة إلى الإلحاد. ولا شك أن ظاهرة التشكيك والقدح في ثوابت الإسلام قديمة قدم الإسلام نفسه، لكن صور هذه القطيعة مع الدين لم تحدث في أوروبا إلا عبر مراحل متتالية وظروف خاصة تتعلق بالديانة الكنسية منذ عصري النهضة والتنوير، وهكذا فإن إلحاد اسبينوزا المصبوغ بصبغة دينية في القرن السابع عشر هو الذي أوصل إلى إلحاد نيتشه العدمي في القرن التاسع عشر، ونفس المسار يراد اليوم اتباعه في بلدان العالم الإسلامي باعتبار ذلك هو السبيل الوحيد نحو الرقي والحضارة.
يبعث التناقض بين شطري العنوان على السخرية والعجب, إلا أن أطياف التنويريين المنتشرة في عالمنا الإسلامي والتي لا تعدو أن تكون داعية لإسلام لا يختلف عن الإلحاد في شيء, تمثل تجسيدا لهذا المفهوم. التشكيك في صحة نسبة القرآن الكريم لله عز وجل ومدى موثوقية كتب السنة وصدق نوايا فقهاء المسلمين عبر التاريخ وضرب الأصول الفقهية التي تعارف عليها المسلمون منذ قرون عرض الحائط دون الإتيان ببديل أو دليل يثبت صحة هذا الزعم والقراءة المفتوحة للنص القرآني التي ينتج عنها تساوي وجود النص من عدمه, كلها ظواهر تمثل بوابات لولوج عالم الإلحاد تحت غطاء من التدين المزيف. التقية المتمثلة في نهج طريقة حرب العصابات ''اضرب واجر", ترجع إلى عدم قدرة هؤلاء على المواجهة المباشرة. فما إن يعلنوا صراحة أنهم يدعون للإلحاد حتى يعرض عنهم المسلمون المعروفون بارتباطهم الوثيق بدينهم.
هذا الكتاب مع اختصاره قد يعتبر مرجع مهم للبحث في مسألة التغريب وأساليبه ومعرفة شىء من أحوال التغريبيين الكتاب لم يظهر من أساليب التغريبيين وأهدافهم ومموليهم شيئا جديدا، لكن أثبت بلا شك ما طرحه، مستدلا بأقوالهم وأحوالهم، مما يثمن البحث أنصح به وبشدة تعديل: راجعت أغلب الكتاب لبحث قادم عن التغريب بإذن الله وأري أن الكتاب ينقصه الكثير في استيعاب أساليب التغريبيين لكن مع ذلك هو كتاب ممتاز