موضوع شائك في كتاب دون مستوى المختصين و أعلى بكثير مما يمكن أن تحدّث به عموم المسلمين. يعدّ القرآن الكريم قدس الأقداس في اعتقاد المسلم لا يجوز المساس به من قريبٍ و لا بعيد، بل و تعدّ أيّ مقاربة قد تتساءل عن صحّة ما ورد فيه تجديفاً و هرطقة قد تودي أحياناً إلى المهالك، و من هنا يتوجّب التشدد في إبراز الجانب العلمي من الطرح للتأكيد على جدّيته و مشروعيته في ما يذهب إليه.
أهمّ الأخطاء التأسيسية في الكتاب هو عدم التفريق بين القرآن بصفته الكلمة المسموعة (مرتبط باللفظ و اللهجة و السمع و الحفظ بالتوافق بين الحافظين) و بين المصحف بصفته الكلمة المكتوبة (مرتبط بالخط و المخطوط و الناسخ و مرور الزمن على الورق و الحبر و التوافق بين النسخ، ثم دخول التعديلات على اللغة و الخط كما التنقيط و التهميز و حركات التشكيل و إضافة حروف العلة لضبط مدة لحن الحرف و قواعد الإعراب التي قد تبدّل فهم العبارة باختلاف وجهتها). يؤمن المسلمون أنّ القرآن قد أنزل على محمّد عليه الصلاة و السلام وحياً إلهياً لا يحتمل تأويل الصيغة و اللفظ، بعد ذلك يمكن أن تجد اختلافاً في التفاسير و أسباب النزول وصولاً إلى التشدد في حرفيّة النص بحيث يتم تجميد النص القرآني المطواع و ضبطه على ساعة القرن السابع الميلادي. و هنا تبرز معضلة جهل معظم المسلمين بتطوّر التدوين، فالنص المسموع تمّت كتابته و جمعه في آخر حياة النبي عليه الصلاة و السلام و حفظ معظم هذه الصحف لدى السيدة حفصة أم المؤمنين، و قد لفت نظري نقطة مهمة بيّنها الكاتب في توضيح أنواع الخط العربي المستخدم للتدوين في تلك الفترة فميّزه بين السبئي في الجنوب و الثمودي في الحجاز (مكة و المدينة) و النبطي في بلاد الشام، و فوجئت بكون التدوين تمّ بالخط النبطي (و الذي سيدعى لاحقاً بالحجازي رغم عدم انتمائه إلى الحجاز) و ليس بالثمودي، مما يستوجب التفكّر في سبب استخدام لغة أهل الشام لا أرض النبوّة. و كانت الصحف محفوظة عند أمهات المؤمنين و خليفة رسول الله أبي بكر و من بعده عمر، و عندما توسّعت رقعة الدولة و أنقص الموت من الحفظة، كان مشروع عثمان في توحيد المصحف. ماذا يعني توحيد المصحف؟ أشار المؤلف بشكل مبتسر إلى واحدة من أهم الإشكاليات الغائبة عن ذهن المسلم العادي و هي اختلاف الحفظة في روايتهم للنص القرآني، فكانوا بدايةً سبعاً ثم عشراً و هو الأغلب عند عموم الفقهاء إذ لم يعترفوا بالقراءات اللاحقة التي تؤول إمكانية النص و مرونته و التي تجاوزت في عصورٍ لاحقة الخمسين قراءة! عدا الروايات التراثية التي تدعي نقصاً في القرآن و ضياعاً في آياته مثل حكم رجم الشيخ و الشيخة إذا زنيا إذ أكلتها الشاة!! و تعرّض الكاتب بالذكر لاختلافات لغوية عديدة في النص القرآني منها مواضع تذكير المؤنث و تأنيث المذكر، أو عدم توافق الإفراد و التثنية و الجمع، و حروف المد و رسم التاء مفتوحة أو مربوطة و رسم السين صاداً و بالعكس ..الخ.
و هكذا تقرّر توحيد الروايات تحت إشراف لجنة برئاسة زيد بن ثابت على مصحفٍ وحيد من صحف حفصة و صدور الحفظة و إحراق كل ما عداه (و ذاك للأسف ما حرمنا فرصة الاحتفاظ بالنصوص الأصلية في أقرب عهدٍ بفترة النبوّة)، و قد قوبلت هذه الخطوة باعتراضات شديدة وصلت حد الرفض و التحريض كما في حالة عبد الله بن مسعود الذي بقي أهل العراق يتبعون قراءته و مصحفه باختلافاته عن مصحف عثمان إلى أن مات! و قد أرسلت نسخ مصحف عثمان الخمس إلى مكة و الشام و الكوفة و البصرة و القاهرة و احتفظ بالسادسة في المدينة، و قيل إنّه أرسل نسختين أخريتين إلى البحرين و اليمن.
كل ذلك (و هو الزخم الذي يهم القارئ العادي) في الثلث الأول من الكتاب، بعدها يأتي أساس العمل حيث قام المؤلف بتدقيق ست نسخٍ من أشهر المخطوطات القديمة للمصحف حول العالم و زمن تدوينها و اختلافاتها عن المصحف الحالي و الأخطاء المحتملة خلال نسخها و رسمها، مع التعرّض و المجازفة في إعادة تصحيح الرسم القرآني في المصحف الحالي، كما في مثال (غشّاً) مكان (عشاءً) و (كالئهم) مكان (كلبهم) في سورة يوسف بما يجعل صاحب الفتية ملاكاً حارساً كما في الروايات السريانية و ليس كلباً حيواناً! أو التقيّ الذي استعاذت منه السيدة مريم هو في الحقيقة نفيّ منبوذ من الرحمة، و ربّما الأخطر ما تبيّنه مخطوطات صنعاء عن التعديلات اللاحقة التي طرأت على النص القرآني الأوّلي، أو المأزق التفسيري لكلمة "كلالة" الذي تعيننا فيه مخطوطة باريس .. و غير ذلك كثير. و برأيي فإن هذا الجزء يمكن أن يساعد المختصين فحسب في بداية دراستهم المعرفية.
لو كان بالإمكان الاعتماد على مؤسسة بحثية دينية من وزن جامعة الأزهر، لكان أفضل ما يتوجب عمله هو تشكيل فريق متعدد التخصصات يقوم باعتماد هذا الكتاب مدخلاً لبحثٍ شامل و دقيق يساعد عموم المسلمين على فهمٍ أفضل لتطور الإسلام و القرآن: عالم لغويات متخصص في اللغات الشامية (السامية) لا سيما الآرامية و السريانية و المندائية و العبرية و العربية الجنوبية القديمة ناهيك عن علوم اللغة العربيّة الحديثة و تطوّرها، عالم تاريخ متخصص في تاريخ منطقة الشرق الأوسط، عالم في التراث الإسلامي و آخر في الفقه الإسلامي، و عالم مخطوطات و خطوط يقود الفريق. دراسة المقدّس و تحليله لا تعني عدواناً عليه أو استهتاراً بقيمته، بل تعلي شأنه بتحدّيه لمقدرات البشر و اكتشافهم لرسوخه أمام ضعف إدراكهم.
كتاب مختصر و مفيد للقارء البسيط اللذي ليس من أهل الإختصاص، يفتح أعيننا على تاريخ تدوين القرآن من منطلق تاريخي، و يحلل أقدم المخطوطات القرآنية و يقارنها اعتمادا على علم المخطوطات و علم الخطاطة و فقه اللغة المقارن، فهو مدخل لدراسة المخطوطات القديمة كما يشير الكتاب، أجده كتابا مهما و مختصرا و ذو لغة بسيطة مفهومة لكل من يهتم بدراسة تاريخ تدوين القرآن من وجة نظر علمية و تاريخية، و يقوم بالإعتماد على عدة مراجع تم ذكرها بالتفصيل في الكتاب لمن يريد التعمق في البحث، كتاب مهم جدا و جميل من الواضح أنه استدعى جهدا كبيرا.
يعود سبب وجود هذا البحث أو الدراسة أو الكتاب بشكل عام إلى أم مسلمة !! ما هية الأسباب التي جعلت هذه الاختلافات في القراءات والتنقيط ؟ هل هي مجرد لهجات مختلفة للغة العربية أم أنها نتاج لمحاولة النساخ الأوائل لاستخدام لغة في مرحلتها الطفولة من حيث التدوين ؟ من الكتاب : رغم ما قام به الخلفاء من إجراءات للحفاظ على النص القرآني .. إلا أن واقع الأمر يدل على أن القرآن قد ضاع منه الكثير منذ البدايات الأولى لتدوينه باعتراف بعض الصحابة والمقربين أنفسهم ..!!! كتاب لابد من قراءته والبحث أكثر في مضمونه .. أنصح بقراءته وبتمعن والبحث أيضا في ما تختص دراسته في القراءات والتدوين الأول للقرآن الكريم.