"البداياتُ الجميلةُ المشوِّقةُ تشدّنا دوماً للبحثِ عن الخواتيم" هذا ما لمسته وأنا أتصفّح رواية #عرق_على_ورق للدّكتور #عمر_عبّاس.. من إهداءٍ يتضمّن أمنيّة مؤجّلة أو ربّما استحالت وتجاوزتها الأيّام، إلى كنهِ الكتابة وكينونة الإنسان، إلى غوص في النّفس البشريّة معادنها/تقلّباتها، إلى جولة في الفلسفة والفكر والأدب كلّ ذلك غُلِّفَ بمسحة الحبّ تلك الّتي لا تخلو منها حياتنا مهما بهتت و شقت... كان العرق الّذي صبّه الدّكتور #عمر_عباس على ورقه ليرسم منه لوحة أدبيّة راقية..
أبدأُ من حيث بدأ، من ثكنته الّتي تجوّلتُ معه فيها كثيراً؛ دخلتُ عيادته، سامرتُه في غرفته، جالستُ شلّتَه، قابلتُ رائده وعقيده، قلّبتُ أوراقه قديمها وحديثها، وبأثر رجعيّ عشتُ يوميّاته الجامعيّة، كشابّ لعوب، تائه الدّرب، مفطور القلب، فقير الجيب... قابلت حبيبته المهووسة بالرّوايات، كان التّسكع برفقتهما ممتعاً، غير أنَّ سجالاتهما كانت متعبة، علاقةٌ رآها مَرضيّة، ورأيتها حربا فكريّة تعدّت الحبّ إلى النّرجسية والهوس بجلد الذّات والآخر معاً.. لا أدري، ربّما لتقاطع أحداث روايته مع تجارب خضتها قبل عقد ونيف، أو لتشابه كبير يميّز المؤسّسة العسكرية التي نلتُ حظّا منها ذات خريفٍ.. ما أنا متأكدّ منه أنّ طريقة سرده للأحداث، ودقّة وصفه للأماكن والأشخاص، جعلتني أعيش أحداث روايته، لحظة بلحظة، أقابل شخوصها فرداً فرداً، وأنتظر بشغف لواحق فصولها.. #عرق_على_ورق روايةٌ بعيداً عن لغتها البسيطة المتداولة، وحبكتها المحكمة، الّتي تجعلك تنتظر بشوقٍ اكتمال اللّوحة المرسومة، هي تأريخٌ ذاتيٌّ للكاتب، ضَمَّنَها رسائله الفكريّة/ أفكاره، انطباعاته.. يتراءى لقارئها جليّاً هوسه باللّغة، مواقفه من الفلسفةِ والفكرِ ، و شذرات من عِلْمي النّفس والاجتماع، وخوض في إشكاليّات الأدب والرّواية خصوصا، اصطبغت كلّها بمشاربه ومرجعيّاته ومناهله المختلفة(دكتوراً، ناقداً، أديباً، وقبل ذلك كلّه حافظا لكتاب الله).. #عرق_على_ورق تخرج عن مألوف "الرّوايات الصّفراء"، تمنح أملاً للرّواية الشّبابية -الجزائرية- بالتّعافي من "أزمة الكمّ الفارغ"، يزاوج فيها الكاتب ببراعة بين القَصص، و التّأمل الفكري والغور في النّفس البشريّة.. استطاعت الرّواية أن تكسرَ إحجاماً وعزوفا منّي عن قراءة الرّوايات المتأخّرة لحكم مسبق لازمني بالرّداءة الّتي تطغى على المشهد الرّوائي المعاصر.. فشكراً للكاتب على تغيير آرائي، وهنيئا له "بِكْره الأدبيّ" الّذي يشبهه كثيراً، وهنيئا لنا نحن القرّاء بك روائياً، دكتوراً وناقداً..
_______________________
اقتباسات راقتني:
• كنا نلتقي كلّ أسبوع مرة أو مرتين في نفس المكان عند مبنى تلك الكنيسة التي حولت إلى مسجد، في الحي، خلف مصطفى باشا، في الطريق المختصر الذي يأخذك إلى قلب العاصمه . كنت أصر على أنّه مسجد وكانت تلح على أنّها كنيسة، لأن الأصل أسبق على حد قولها، فمسجد قرطبة حوّل إلى كنيسة، لكننا مازلنا نسميه مسجدا، إذن، لا يحق لنا أن نحرف الكلام عن موضعه . لكني كنت أقول لها أن الحق أولى من الباطل . فكانت ترد، أن ما نراه نحن حقا يراه غيرنا باطلا . قلت لها: هل أنت تتبعين الحق الذي نراه نحن حقا، أم تتبعين الباطل الذي يحسبونه هم حقا..؟! قالت: أنا أتبع الإنسانية..
*"في الثّكنة الأوراق أهمّ من البشر" وأضيف لقوله مقولةَ رائدي مرّة: " سلاحك أغلى من حياتك" تبّا لهم كم يهملون الإنسان ويُرخِصونه!!
*"مافائدة ترتيب غرفتك وداخلك يعجّ بالفوضى"
*"لعن اللهُ الحدودَ المرسومةَ بمسطرة، ولعن الله واضعها"
*"بحثت عن الجمال، فوجدته في همّةِ الرِجال، و لباقةِ النّساءِ.. دُلّوني على رجالٍ أولي عزيمةٍ، ونساءٍ يحسنَّ التّصرف!!" *"كم تبدو أنيقاً وأنت تلبسُ مسوحَ الوعاظِ.. ما أسهلَ أن نكون مثاليّين على الورق !!"
*"إنّ النّفس البشريّة تتوق أن تكون كعبة يحجّ إليها الناس ويولّوها وجوههم، ولو أنّنا أحضرنا إنساناً كفيفا وأبكما وأصمّا ومُقعَداً على كرسيّ متحرّك، لوجدنا أنّه يريد أن يُبرِزَ أناه، وأن يُكتَبَ له الخلود"
عرقك على ورقك يا عمر! ....ولم يبق لي إلا أزيز صداع رأس مثقل بتناقضاتك وإلهام! لم أنم ربما لأني غيرت مكان نومي، وربما روايتك هي السبب، إنها المرة الثانية للرواية الواقعية التي استهلكتني بعد رواية ساق البامبو !! أحيانا كنت أراك مجنون وما ذلك عنك ببعيد، وأحيانا أخرى كنت أراك حكيم استثنائي وأحيانا رأيتك جزائري من ناحية القرف، روايتك فيلم رعب وبين لبنات كل هذا كنت شخص مضحك ومحير!! إلى أن فك عبدو شفرتك! أتدري الشيء الوحيد الذي يفرق بين الشخصيات المزاجية والمثقفة بإبداع متميز؟؟ حسنا هو ما لم تمتلكه إلهام فكانت غير وفية لزوجها وربما مصابة بجنون العظمة!! حسنا إنه" التدين " . لديك فهم للدين وصدق مع الله أنجاك منها اه دون أن أنس لديك شخصية عمرية لا تستطيع أن تخونك بها!! أما هي فقد باعت هويتها كما تعلم ولكن هل فقدت التقدير والاحترام من حضرتك !! ببساطة الحب لا يعرف منطق كما قلت؛ لكنه عندك يعرف المباديء ! تركت النهاية مفتوحة وجعلت عقولنا محتارة: أأخذت إلهام رواية غجرية من بوهيميا؟ وهل طلقت زوجها وهل أصلا تزوجته؟ والأهم من كل ذلك هل انتحرت!!؟ تريد أن تجرنا لنكمل قصتك تفننا وتخيلا، وها قد فعلنا وأعتقد أنها ستكمل ما بدأته فنهاية المرضى دائما بتوقيع من سذاجتهم، ولكن تبقى الأقدار بيد الله
عرق على ورق رواية 📖 الكاتب : عمر عباس ( كاتب جزائري ) عدد الصفحات :201 ______________ إن كنت فضوليا مثلي فإن الرواية ستشدك ما إن تقرأ أولى صفحاتها ، سيشدك تطابق إسم الكاتب وتخصص دراسته مع اسم بطل الرواية و تخصصه ... بعدها و أنت تقرأ الرواية ستهزأ من ذلك الفضول الذي اعتراك في البداية ، و ستبتعد لتسافر بين حيثيات أحداثها و تتوغل في أعماق نفسية كل شخصية محاولا فك طلاسيمها .. ستترنح حتما بين قاض و محلل نفسي و خبير اجتماعي .. الرواية تحكي قصة عمر ذاك المثقف ذو الثقافة الإسلامية الذي وقع بحب فتاة "علمانية " تعيش على قراءة الروايات المستهلكة .. و لكم أن تتخيلوا كيف ستكون علاقة اثنين أحدهما أمضى طفولته يحفظ القرآن و يقرأ كتب سيد قطب و الآخر عاش يقرأ فتات الأدب ، و أسمى أمانيه تجسيد كل ما قرأه واقعا ..
إن كنت جامعيا تغرب لأجل دراسته فالأكيد أنها ستعيد لك الكثير الكثير من الذكريات .. ستستعيدها و أنت تقرأ عن معاناة الطلبة في في الاقامات الجامعية ، أولئك الذين أرادوا التخلص من الفقر بالذهاب الى فقر أشد وطأة ... رغم الفاقة و المعاناة إلا أن الرفقة المصحوبة بتلك الأحاديث الفكرية و الحوارات الفلسفية إضافة إلى تلك الاعترافات التي يبوح بها الأصحاب لبعضهم كانت منغصا فريدا يغذي حواراتهم فيطيل مواضيع النقاش و يفصل كل تحليل يتوصل له ..
ستتذكر حتما بعضا من معارفك الذين تعارضت مبادئهم مع ما يريدون فعله و ما يشعرون به و أنت تحلل بعضا من تصرفات عمر مع إلهام ، ستتذكر بعضا من أولئك الذين قادتهم أفكارهم إما إلى الإلحاد أو التشيع و أنت تقرأ عن فتاة تشيعت فتركت حبيبها لأن اسمه " عمر " .. و أنت تقرأ لن تفهم شخصية كلا البطلين " عمر ، إلهام " ، ستتساءل ما المميز بإلهام ؟! .. عمر يرجع سبب حبه لها كونها كانت تمتلك رأيا في كل موضوع ، كانت فتاة تجاريه ثقافة و موسوعية ، و لا أراه سببا كافيا البتة .. و أجزم ان الأسماء المكتوبة أسفل مرآته و التي ظل عمر يسقطها واحدا تلو الآخر كانت تضم من يفقن إلهام ثقافة و جمالا .. و إن كنت ممن ينتهجون من التمرد و الأنفة منهج حياة فإن عمر و تصرفاته في الثكنة العسكرية ستروقك و ستحترم هذا " العمر " كثيرا بعدها ..
أما نهايتها فالكاتب جعلها مفتوحة تستوعب عدة احتمالات .. ____________ رواية تستحق القراءة حقا ..
كاتب واعد جدا أديب و طبيب أسنان أكيد أن ينتج مادة فريدة... انتظر بشوق قراءة رواية جديدة له في القريب العاجل تعبر عن جانب من واقع المجتمع و الشباب الجامعي الجزائري و من هذا المنطلق هي رواية لها عمق الأدب الأصيل...
من حسناتته انني كدت اعيد قراءة ذاكرة الجسد لاحلام مستغانمي رغم..كل "تحفظاتي" لما قرأتها منذ عقد من الزمن...
ذكرني في بعض الفقرات بمحمد مولسهول "يسمينة خضرا" في بعض مقاطع روايته" الكاتب" في مقاطع الأديب داخل الحياة العسكرية و بعض الجوانب المشتركة في شخصية الكاتبين... حرّك بعض ذكريات أيام الجامعة الخوالي ....
كنتُ أنوي تقييمها بنجمة واحدة، لكن إقترابِي من نهاية الكتاب أضاف نجمة ثانية...
ما كان ما قرأت؟ غريبٌ أمر هذه الرواية... مليئة بالتناقضات! كيف لعضو في الجيش أن يتعاطى المخدرات و يكون مدمنا على التدخين؟ و كيف لشخص نشأ نشأة دينية أن يتمادى في الإنحراف مع زميلته (عشيقته) المحجبة؟
هناك مقاطع غير محببة (بالنسبة لي)! لكن، الرواية ذات أسلوب سهل و جذّاب في الآن نفسه و تعكس الواقع الجزائري (حياة الطلبة الجامعيين) بشكل أحسبه واقعيا إلى حد كبير...
لكن، هل طبيب الأسنان مختاري عمر هو نفسه الكاتب؟ و ما بال تلك النهاية؟
اتاه هواها قبل أن يعرف الهوى فصادف قلبا خاليا فتمكّنا، وهو " عمر" طبيب الأسنان الفرندي المثقف الأصيل ذو المرجعية القرآنية في معظم شؤونه، إلّا أنّه كان مدمن حشيش، مُتلبَّس بعض الشيء بجنون العظمة .. معجب بأناه، مبجل لأفكاره، ومطلق لأحكامه على عواهنها!..
أما " إلهام" فكانت فتاة منفتحة زيادة عن المطلوب، مرجعيتها روائية، قاعدتها الأخلاقية مهترئة لا تثنيها عن الخطأ ..
كان بين القطبين حبّ غير ناضج سرعان ما عصفت به الاختلافات الفكرية والمنطلقات في الحياة ..فاندثر ..
ببراعة، حبكة مميزة، ولغة مرنة في أغلب فصولها يبثّ د. عمر عباس شيئا من خياله الممزوج بمقتطفات من مذكّراته الشبابية كطالب جراحة أسنان بالعاصمة، وضابط بثكنة عسكرية في الصحراء الجزائرية وأيضا محطّات من طفولته بفرندة ..
لم يتنصّل الكاتب هنا من واقعه ولا زمكانه ومع ذلك أنتج عملا ينافس .. مزج فيه بين السرد الروائي، الفلسفة والعلوم الإنسانية ..
"عرق على ورق" من القليل الذي صفا في الوسط العفن للرواية الجزائرية في عقودها الأخيرة ..
آمل أن يكتب دوما د. عمر عباس ، فناقد كاتب ينصح ب: " عندما تريد كتابة رواية؛ اختر شُخوصا آذانهم طويلة، وأعينهم ثاقبة، وأفواههم دقيقة وحادّة.. " جدير به أن يكتب وحريّ بنا أن نقرأ له ..
ممّا دونت:
" المرأة القوية لها كيان مستقلّ تحاورك من داخل أسوار قلاعها.."
" كانت تريدني عليّها بلاغة وشجاعة وهي ليست بفاطمة .."
" في عقيدتي من لا يملأ الخاطر لا يُملئ العين .."
" انا في الحقيقة أسعد بصحبة الأذكياء ولو كانوا ماكرين ولا أحفل بصحبة البلداء ولو كانوا خيّرين .."
"الصحراء لا تملك المغفلين ومنعدمي الذوق .."
" لنقل مثلا : الحبّ قطعة كلاشينكوف .. الحبّ تافه .. الحبّ عذاب ..الحبّ نعيم .. اعتقد أنّني وجدتها الحبّ هو تلك الكلمة التي يمكن أن نضيف إليها أي صفة من الصفات .. يعني الحبّ يحتمل كلّ شيء .."
" ليس كلّ الكتب تربيك وتحرّرك، فبعض الكتب تفسدك وتجعلك أسيرا لأضغاث أحلامك أو لشهواتك .."
" فهناك أمور لا يجب أن نقولها، أو أن نقف عندها، أمور يجب أن تمرّ هكذا دون تعقيب .."