مالم تغادر الطيورُ أعشاشَها.. مالم يخرج الفلاحون و الرعاةُ إلىالحقول، و العمالُ إلى المصانع مالم تمسح الأمهات نومَهنَّ و يُشعلنَ نيرانَ المواقد مالم تفتح الجميلاتُ عيونهنّ ثم يتثاءبنَ في وجه الكون... ويبتسمنَ مالم يحدث كل ذلك، في كلّ يوم فإنّ صياحَ الديكِ وحده لن يصنعَ فجراً جديدا
كاظم الحجاج هو شاعر عراقي من مواليد البصرة 1942 ينحدر من مدينة الهوير في محافظة البصرة جنوب العراق. يحمل كاظم الحجاج بكلوريوس شريعة وآداب من كلية الشريعة جامعة بغداد 1967. ومن مؤلفاته الشعرية المطبوعة: أصدر مجموعته الشعرية الأولى (أخيرا تحدث شهريار) بغداد 1973 مجموعته الشعرية الثانية (إيقاعات بصرية) بغداد 1987 مجموعة شعرية ثالثة (غزالة الصبا) عمّان 1999 دراسة أنثربولوجية في كتاب بعنوان (المرأة والجنس بين الأساطير والأديان) صدر في بيروت 2002 مجموعة شعرية رابعة (مالا يشبه الأشياء) بغداد 2005 مجموعة شعرية خامسة (جدارية النهرين) دمشق 2011[1] كتب للمسرح أربع مسرحيات، عرضت منها ثلاثا، وفازت اثنتان منها بجوائز يكتب عمودا صحفيا أسبوعيا في صحيفة (الأخبار) البصرية منذ صدورها في آب 2003 عنوانه (بهارات) متقاعد بعد ممارسة التدريس لثمانية وعشرين عاما.
يحدث أن تكتشف شاعرًا ما متأخرًا فتعض أصابع الندم حتى توشك أن تقطعها لأنك لم تعرفه ولم تقرأه من قبل! هذا بالتحديد وتمامًا ما حدث لي مع للشاعر العراقي الكبير كاظم الحجاج، الذي أعترف خجلا أنني لم أتعرف عليه أول مرة إلا قبل ثلاثة أعوام تقريبًا، وتحديدًا إبان مشاركتي في مهرجان المربد في البصرة عام ٢٠١٨ حيث كانت دورة ذاك العام من المهرجان تحمل اسمه، وكان هو الشاعر المكرم والمحتفى به فيها. بحثت عن دواوينه وتحديدًا عما ظننته المجموعة الكاملة لأعماله الصادرة عن دار سطور فلم يوافقني الحظ للحصول عليها، إلى أن تبسم لي الحظ أخيرًا فعثرت على هذا الكتاب في معرض الرياض الأخير. لم يضعف فرحتي بالكتاب اكتشافي أنه مجموعة مختارة من قصائده وليست الأعمال الكاملة كما تصورت، ففي هذا الكتاب من الشعر جرعات هائلة لا أقول إنها تغني عن مطالعة أعماله الكاملة حال توفرها، ولكنها تضع القارئ وتقربه من عوالم هذا الشاعر ذي الصوت المتفرد بأصالة تجربته وحرارة لغته وصدق تعبيره وطرافة صوره وسخريته السوداء أو سوداويته الساخرة التي تضعك في خليط من المشاعر المتناقضة فلا تدري إن كان عليك البكاء أو الضحك. شعره أبعد ما يكون عن الخطابية الفاقعة والصراخ المؤدلج فنيًا أو فكريًا. قريب من بيئته ولصيق بها. لا يستعير صوت غيره ولا يقدم تنازلات فنية لينال حصة أكبر من تصفيق الجمهور الذي يسمع الشعر بآذانه ويكاد يقصيه عن وجدانه. إن كنت تحتاج لجرعة عالية وصافية من الشعر الشعر الذي ريب فيه، فعليك بقراءة كاظم الحجاج ولا تتأخر في ذلك لكي لا تندم كما ندمت!
القصائد القصيرة عجبتني أكتر من القصائد الطويلة ، لكن يظل شعر كاظم الحجاج مختلف تماماً عما قرأته من شعر أهل العراق ، هذا شاعر مُتيم بوطنه . ___ بنت تَكتُب في حُبَّ وتُقبل أوراقَ رسالتها " يتحسس أوراق رسالتها .. المدسوسة في الجيب اللاصقِ بالقلب لا يُخرجها . خشية أنْ يُتلفها دمُه أو .. خجلاً من أن يقرأها بأصابع مُرتجفاتٍ .. تتراخى .. للموت !! ___ فرحي قليل في المرايا ولأنني أحببتهُ ؛ كسرتُ مرآتي ليكثُر .. في الشظايا ___ الدمعة ماءٌ مسجون يَنتظر الحرية مِن حُزنٍ .. قادم ! ___ تتساقط الأيام فوق العمر يا ورق السنين كُن مرة شجراً شجاعاً وأتحد .. صد الخريف _____ حتي بين رصاصات الجنود رصاصات محظوظة : تلك التي تُخطئُ أهدافها ورصاصات تعيسة : تلك التي ترتكب .. أمجاد الحروب !.
حامل الخبز، يعود إلى بيته فلا يجد بيته! يشير الشاعر بهذا النص الى شهداء البصرة تحت الحصار ، الوجه الاول لقصيدة أربعة وجوه بصرية تحت القصف ، ١٩٨٦ :_
لماذا رغم أنف الموت لا يتوقف العشار؟ لمن تحمل الخبز ؟ لا بطن يطلبهُ الآن
الوجه الثاني "الفراشة الخضراء" كناية عن الصبية إهداء صاحبة العيون الخضراء التي تخرج هنيهة ليلحق تأملها بالموت فيقول :_
حينما تهم بالخروج تصيرُ إهداء وعيناها فراشةً خضراء
يا فرق الإنقاذ هل بينكم من يستطيع أن يغير إتجاه قنبلة؟ من يستطيع أن يزيل الدم؟ وأن يعيد للقميص لونه المخضر؟
الوجه الثالث ؛ الرجل الذي مات خجلًا ، رجلًا بصريًا بنى سرداباً ، وخينما دخل الملجئ فوجئ بنساءٍ من الجيران فقفل عائدًا وواجه مصيره ، أختزل الشاعر هنا خجل البصرة وعطاءها كعطاء موانئها ،نفطها و نخيلها :_
هذا رجلٌ ما كان يموت _كما شاهدتم_ من غيرِ عناء ما كان يموتُ بسيطًا جدًا وخجولًا جدًا لولا هذا الخجل البصري القاتل وكما لو ان الموت بلا رائحة وبلا طعم وبلا لون ! يا حُراس الماء هذا رجلٌ يعطي لكن لا يأخذ كالميناء..
اما الوجه الرابع فهو وجه الشاعر "وجهي أنا" مع مخاطبه شاعر جاهلي صديق :-
وأنتظر لحظة الموت وسط العراء .. لا تنم في الملاجئ ، إذ أنها لا تليق بنا معشر الشعراء ولتقل مثلما قلت قبل الممات "لا بأس بالموت إذ الموت نزل"