( ثم فجأة انتشر اللغط وتداخلت الأصوات، ولم أدر ما يحدث، ولم يكن أحد - ممن وقفوا بجانبي – يدري، فقط صار الخلق يتدافعون، ثم بالتدريج انتظمت الأصوات بالهتاف باسم الملك الظاهر بيبرس البندقداري!!! اختلط علىّ الأمر هل نهتف للمظفر قطز أم للظاهر بيبرس، ولما استمر الهتاف للظاهر وجدتني أهتف معهم بحرارة ولم أجد فرقًا،ولو كان هولاكو نفسه على راس الموكب لهتفت معهم... فأنا في كل الأحوال أهتف على لحم بطني ...)
كان يتحدث الكاتب في المقدمة عن شئ له علاقة بسماع الأفكار و قراءة العقول مما أثار فضولي جداً و جعلني متحمسة لقراءة هذا العمل بعد أن وعدنا الكاتب كقراء بأنها ستكون تجربة فريدة حيث كتب نصاً “ تعلمت كيف أنقل بالكلمات رائحة الوردة الجورية لمن لم يلثم عبيرها قط" و لكنني و بكل أسف إرتفع سقف توقعاتي فوق السحاب فبت مع الصفحات انزل بها رويداً رويداً حتي وجدتها في منتصف الجودة، فلا هي كما تاقت نفسي و أملت و لا هي رديئة الي حد الإحباط.
كما ان الإهداء الي روح العراب في بداية الكتاب أصبح من أساسيات الكتب التي تم نشرها بعد وفاته فأصبح نوعاً ما استعطافاً للقارئ المحب للدكتور أحمد خالد توفيق رحمه الله ( و الذي تردد صدي محبته بشكل أسطوري بعد وفاته) كنوع من طلب الرأفة من القارئ إكراماً لروح الأب الروحي و كأن الكُتاب قد أصبحوا أيتاماً يستعطفون القراء بعد موت من كان يرعاهم.
بخصوص الكتاب و الذي يحتوي علي قصص قصيرة فإن الأفكار في حد ذاتها جيدة و في بعض القصص جيدة جداً إلا أن الصياغة جاءت كجميع القصص دون الإبحار في صوت النفس كما ظننت عند قراءة المقدمة، فكان الحوار داخلي في القليل من القصص و أجزاء صغيرة جداً في باقي القصص الأخري. أظن أن الكاتب يحتاج إلي قليل من الإهتمام بالصياغة و البلاغة حتي يصل بأعماله إلي المستوي الأعلي من الشهرة و التي لا أراه بعيداً عنها. أما مأخذي الأخير علي الكاتب فهو و إن إهتم بعدم خدش حياء القارئ بألفاظ أو مشاهد خارجة و استخدم الإيحاءات أو النقط من أجل توضيح المعني إلا أنه تجاهل حياء القارئ مع الذات الإلهية فجاء في أحد الجمل ( ماذا لو لم يتجل الله علي السماوات و الأرض فيفتقهما و تركهما رتقاً كما كانتا، أو نزع فتيل الانفجار العظيم فلم يحدث)، فأنا رأيي كقارئ أدعم حرية التعبير أكره جداً و من كل قلبي التحدث عن الله و كأنه "حاشا لله" أن يخطئ و هو الذي أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون.
للكاتب الأستاذ تامر حجازي قصص ادبية قصيرة، بنكهة تاريخية، واقعية، رمزية، فلسفية. تشعر أنك أمام وعاء مملوء بما لذ وطاب حيث لكل من محتوياته طعم لا يشبه الآخر بل وتشتد المنافسة فيما بين هذه المحتويات لتزيد من إبهارك وجذبك لقراءة المزيد جميعا قرأنا الكثير من الأحداث التاريخية مما أتاح لنا التعرف على بعض ملامح القدماء، ولكن هل عشنا الأحداث بكل حواسنا يوماً؟ هذا ما فعله الكاتب تامر حجازي في أولى صفحات كيلة قمح فيقحمنا بكلماته ومفرداته ووصفه في تلك العصور بكل سلاسة وعلى سبيل المثال لا الحصر" كنت قد جاوزت الثلاثين فيضاناً؛ ومع الوقت وببركة إيزيس؛ كنت أصلي مساءً لآلهة المصريين جميعهم وآلهة الأولمب أحيانا… لفتني أسلوبه الساخر والذي يميز هويته الكتابية في العديد من النصوص وأبرزها ومما أثار دهشتي أيضاً في قصة أنقاض حيث كرر استخدام سلوجونات الاعلانات حيث وضعها بعناية وخفة .
أما الميزة الثانية، أنك كقارئ نهم تبحث عما يثيرك ويروي ظمأك فيأخذك تامر حجازي معه في مخيلة خصبة من قصة الرجل الفقير في عصر المماليك باحثاً عن لقمة يسد بها جوعه وعائلته، ليصبح بعدها في القصة التالية كاتباً عاشقاً لدى الملكة الفرعونية الجميلة، ثم يقلب الأمور رأساً على عقب فيتحدث في القصة الثالثة بلسان امرأة متزوجة تعيسة، فينقل معاناتها وأدق أحاسيسها كما لو عاشها فعلاً بالرغم من انتماءه للجنس الآخر. تجد في بعض قصصه فلسفة بالغة، مبادئ وأسئلة جدليةومهمة، كما في قصة الجانب الآخر، وهي من أهم القصص وأروعها بل وتطرح تساؤلاً مهماً حول مفهوم الإخلاص للوطن، هل هو إخلاص للوطن أم لزعيمه، وهل يمكن اختصار الوطن في زعيم؟؟ أو يمكن اختصاره في أرض أو مساحة جغرافية؟؟
ثم يقودك في رحلة خيالية جداً، ليقفز بعدها إلى الرمزية الجميلة في قصة أخرى قصة ساديزم، فلا تستيقظ إلا وأنت في عالم جديد يناقضه في أقسى الحدود تطرفاً، إلى عالم الواقع! بل الواقع المر، في أسلوبه الذي يصور لك عالم السجن بأدق تفاصيله ونسيجه الخاص في قصة التابوت. ثم هكذا وبلا أي مقدمات يقحمك في خضم أسئلة وجودية فلسفية تصبغ حياة بطله المملة والمزرية لتدفعك دفعاً للتفكير بحياتك أنت، وتذكر أسئلتك أنت.. وهذه لعبة يجيدها فقط الكتاب الذين يعلمون سر الخلطة برأيي. أما الصورة التى تبثها القصة الأخيرة فهي مهزلة الواقع الأدبي مما ينطبق على معظم المهن الإبداعية الأخرى ليترك انطباعا قوياً عن هذه القصة وسابقاتها مفاده أنك تريد قراءة المزيد مما ينتجه الأستاذ تامر حجازي
ملاحظات أدبية على الهامش: من أهم مميزات أسلوب الكاتب وعدا عن الرشاقة والبلاغة والوصف الجميل وغير المتكلف هو تعابيره البلاغية وهي غاية في الذكاء، وهذه الصفة برأيي أكثر ما يمكن ان يثيرك كل بضع صفحات فتقول في نفسك كمن يستمع لأغنية طربية من أم كلثوم أو عبد الوهاب وقد استثارتك عُربةٌ غنائية خارقة فتصرخ.. الله! أو كمن يشاهد مباراة شطرنج ساخنة، وأمام أحد النقلات الذكية للاعب محترف تقول بما يشبه الحسد المختلط بالدهشة" يا ابن اللعيبة!" (ارفق بعض الصور لبعض التعابير والصور الجميلة من هذه المجموعة القصصية على سبيل المثال لا الحصر)
ترردت وتأخرت في كتابة ذلك التعليق الذي لا ارى انه قد يحدث فرقًا او فائدة كوني من غير الهادفين لنحت الحجر او إحداث الاثر وكل ما اراه ان اكون من المارين
(اكلاشيه : لمن يريد ان يتمتع بالقراءة فهذه القصص القصيرة حقًا ممتعة ( ابتسامة اعلانات امريكاني ولكن ليس من السهل ان تكون قريبًا او جليسًا لكاتب فما بالك وانت اخ لأحدهم اطعمت طعامه ولبست ملبسه ونزلت اماكنه وعاينت تشكل فنه وتأثير روحه وافتراق الاساليب. فيلفتني الشكل وابداع الخالق في الوان الحياه وتراكيبها حينما ادمن هو الاغراق في تفاصيل الارواح والمعاني فأرى الاثر زخرفًا مدهشًا ويرى هو صانع ذلك الاثر مطرقته ودقته ويشرح لي كيف كان صوت ذلك الصانع واسلوب تنفسه بل ورائحته ويصف قطرات العرق التي بذلها لإخراج تلك القطعة الفنية التي اصبحت اثرًا اتأمله وارسمه . ويظل يغرق في التفاصيل وكانه به مس من سحرلن يكف الا حينما يصل الى اصل كل الاشياء ومعناها وما كتاباته سوى تطور طبيعي لعقود من الاغراق في التفاصيل الى إستطاعة نقل التجربة وبذر بذور العالم الخيالي الذي اهيب به عدم التوقف الا بعد انجازه وانا على ثقة انه يستطيع بناء عالمه الخاص كعوالم توركين او خيري شلبي او نجيب محفوظ فقط ارجو منه عدم التوقف او انتظار اية مكافأة سوى بناء عالمه