أحدهم يمثـّل أنه يُجري مكالمة بهاتفه ليتهرّب من موقفٍ محرج. وفي اللحظة ذاتها؛ في مكان ٍ آخر من العالم شخصٌ وحيد في حفلةٍ مكتظة يتظاهر بأنه يُجيب على اتصالٍ ما.
هنا يحضر الأوان الفائت والحيرة والتردد والارتباك والضياع والهروب والتحجج والتأمل والوحدة والشرود والسرحان. في حال أنك أضعت أيًا من تلك المفردات ستجدها بدور البطولة مترأسة النصوص فلا يكاد يخلو نصٌ منها.
في كتابه الأول “الأولوية للوحيدين” يجمع عبد الرحمن الحميري شتات تغريداته ويهذب تيهه ليستقر على الورق بعد أن طال مشوار شروده. يلتقط لحظات كثيرًا ما تسقط سهوًا ويسلط الضوء على كل ما هو منسيٌ بعيدٌ ساكنٌ في الصفوف الخلفية. وكأنه يعزُّ عليه ترك تلك اللحظات تمر دون عزاءٍ أخير أو مرثية يُخَلِّد بها كل من سكن الظل. لا تستهويه الأضواء، بل يتلذذ بتفويت الفرص جاعلًا منها وقوده المشتعل الذي يطوي به وحدة صفحات أيامه. جذوة قلمه تقتبس من كل ما هو عادي نورًا فتنقله لفضاء الخيال الرحب. أما اللحظات المفصلية فلن تجد لها ذكرًا هنا لأن فيها حضورًا واهتمامًا والحميري لا يحفل بذلك.
نصوصه تُقَدّس الغياب واللامبالاة فتصلي في محراب كل يائس وتطوف لتضفي مسحة استكانة واقتناع للحزن كي يخلو من الاضطراب والقلق. نصوص ترفض أن تسقط اللحظة سهوًا وأن تكون عرضة للنسيان فنجدها مُصاغة بذكاء وتلاعب على أوتار المشاعر المتناقضة. وبالرغم من أن النصوص في غاية البساطة إلا أن الصدق المكتوب بها يصل للقارئ فهي لا تداري أو تزعم بل تكشف وتواجه. تكشف يأسًا، وتواجه وحدة طاغية اضطرته لتسمية كتابه ب”الأولوية للوحيدين”.
كتابٌ ممتعٌ .. تدخل إلى النصِّ بحماس، وتخرج منه مندهشاً، وكما عهدنا - عبدالرحمن- كاتباً مُشاكساً يُرَوُّض الحرفَ لتكتمل خدعة المعنى، سطور تبدو كأنها " جمل إخبارية ومذكرات لحظية" لكنها أبعد من الواقع وأقرب إلى أسطورة مكوَّنة من إيحاءات وإشارات. وأعتقد أن في الكتاب إهداءٌ سريٌّ / ومواساةٌ خاصَّة للوحيدين الذين تؤنسهم الوحشة. وأقول للقراء الذين لم يعرفوا عبدالرحمن: إنَّكم ستجدون في هذا الكتاب تجربة قرائية فريدة!🌿
أولُ سؤالٍ راودني، قبل أن أقرأ الكتاب، وقبل أن أقتنيهِ حتى.. فيمَ للوحيدين أولوية ؟ وقد أجبت عن السؤال في صفحةٍ أعلنتَ بِـها تذمرًا عن اضطرارِك لشرحِ كُل شَيْءٍ.. الأولوية للوحيدين عنوانٌ بنهايةٍ مفتوحة لولا أن سؤال "لِم تخيلت جارتك أرملةً لاتينيةً بالتحديد؟" يقفُ على رأسي دُونَ سبب، كاختيارِك لذلك. أعرفُ تدافعِ الأفكارِ هذا حيثُ لا إجابة ولا تبرير ولا سبب. الفرقُ أنك عظيمٌ اختارَ أن يُدوّنَ كل فكرةٍ تُخالجُه، يوثّقها و يحتفي بِـها ليُخلُد. حتى وإن كان التدوين وأنت تمشي من مواقف السيارات إلى مدخل المركز التجاريّ، أو من كرسي الحِلاقة إلى سيارتِك. وحتى وأنت نائِم رِبما! أو وأنت تنتظرُ طلبك المُعتاد من ستاربكس..
أُقلّب الصفحاتِ بتمهّلٍ -كمن يخيطُ جرحًا-، حتى مات/انتهى الكِتابُ بينَ يديّ قبل إنقاذِه. وكم سلبَ مِـني تنهيدةً و كم أخذني إلى البعيد.. وكم شردتُ في الغيمِ أتخيلُني الفتاةَ التي سألتك عن الكتاب الذي كنت تقرأهُ حينها. غيرَ أن شعري ليسَ أشقرًا ولا صديقةً تنتظرني ولا أجرؤ على مُلاحقة الجُمل التي ظللتها. ما الذي كان سيكتبهُ عنّي عبدالرحمن؟ إن كنتُ من الغرباءَ في إحدى مقاهيهِ الذي كان يرتادُها وحيدًا أو امرأةً شرد فيها دُونَ وعي.. ؟
أحملُ كِتابي في أروقةِ الجامعة، تسألُني صَديقة عنه فأجيبها بحماسة "خريج جامعتنا هذا" وكأنكَ أخي أو صديقٌ قديم أو شيئًا يعنيني في حياةٍ أُخرى رُبـما.. قد يكونُ عبدالرحمن في ذاكرة بنات الجامعة، لكنُهُ في خيالِهنّ أيضًا، كُلما التفتُ إلى الأماكنِ الشاغِرة، أراكَ في الصفِ الأخيرِ شارِدًا تنسجُ قصيدةً مُبهمةً تلوّنها بحيثُ يفهمها من يقرأها بينما يُثرثرُ الدكتور بداعٍ وبلا داع..
أحبسُ في كلِ صفحةٍ نَفسًا، تعمّدتُ إطالة القراءة و تأمل الأسطر كلمةً كَلِمَة.. حاولتُ احتواءَ كلِ نصٍ ومسحَ رأسِ أحرُفِه وأن أقرأهُ -مُطوّلاً بما يكفي- ليرسمني فنّانٌ ألهمهُ انغِماسي في هَذِهِ الأحرفُ و تلطُخي بِـها أو كلما زفرتُ وأنا أرفعُ رأسي نحو السّـماءِ بدهشةٍ لا تسعُني -بما يكفي- لأتخيل.. و يُلهمني للكتابةِ مِن جديد.
كيفَ لَكَ أن تُجمل كل شَيْءٍ هكذا! كأن تُكلل صهباءَ شعرها بالزّهر.. أي سحرٍ تملِكه! كيفَ استطعتَ الحِفاظَ عليهِ حتى آخر صفحة.. أن تخطفَ الأنفاس من الصفحةِ الأولى و تَترُكني أواجهُ الفهرسَ بصدمةٍ وأسئلةٍ لا تنتهي.. اعتبرني إحدى مُعلماتِ الطفولةِ أقرصُ خدك وأخبرُ والدتَك بأنك مجرةُ إبداع، وكِتابُكَ هذا.. ليسَ إلا شِهابٌ خاطِف.
هذا ليسَ احتفاءً ولا مُبالغة ولا مديح، إنما حقيقة مُجرّدة. ويبدو مِن السُخف أن أختصرها بكلماتٍ لا تقولُ شيئًا. أخيرًا، شُكرًا لأنك كتبت في خانةِ الرَّد:ج.
ما أعرف هل هذا النوع من الكتابة يعتبر شعر حر، لأن حتى في الشعر الحر تحصل تناغم موسيقي بين الأسطر ما موجود فهذي الكتابات. ومع إني استمتع فيها لكن ما أقدر ما أشوفها كالطريق السهل في الكتابة. كمضمون الكتاب كان واجد يمثلني وكنت شوية أتأمل قبل لا أبدأ انه ما يصير ذا الشي بس here we are. جذب انتباهي في الصفحة ٩٣ (أشباه الوحيدين) هذي الأسطر: "أن لا أحد منكم سيتجرأ على إلقاء التحية وتلك بالضبط هي الوحدة: يقينك بأنك لن تتعرف على من يشبهك." أحس هذا الموضوع انترستنج وفعلًا جاني هذا الشعور من قبل ما بطريقة أنا أفضل ما بحصل حد نفسي بالعكس انا واجد كريهة لدرجة أكره نفسي مستحيل بحصل حد يشبهني. بس ما ممكن؟ فيه ناس ثانيين أكيد بيحسوا بمشاعر مشابهة لكن في الحقيقة حتى الوحيدين ما يحبوا يتعرفوا على الوحيدين نفسهم. َما كنت حابة بشكل عام وصف الفتيات، والفيزيائية الصغيرة فداخلي ما خلتني أتقبل المعنى الأدبي لبعض الأمور العلمية مثل تقبل ان الأرض مسطحة ليوم واحد:)
هكذا تولد الكتب الأولى! مضمخة بروح الكائن الوليد، عالية الحسيّة، رقيقة، دافقة من الداخل للداخل. هكذا تكون الكتب الأولى حقًا.. تُمسك بها كما لو كانت طفلةً بكرًا يانعة خجولة وتفتح عينيها شاسعتين على العالم. يالهذه المتعة! يكتب عبدالرحمن الحميري نصوصه البكر هنا كشاهد عيان متوارٍ خلف غلاف كتاب، أو عبر انعكاس نافذة. يكتب ليصيبك بالدفء الوحيد، الدفء الذي يجعل العالم يسير متهادنا معك، صافحاً عن وحدتك المتمددة في المقاهي، عبر الشوارع، على عبارات الرواية المُظلّلة، عبر الأحلام والاحتمالات والذاكرة. تستعيد هنا حالة الحب الأولى، الحالة التي تصبح فيها النظرة/الحدس، والقبلة/الهاجس حالات متصاعدة من الرقة. الإنسان الذي يكشفه لك الكاتب؛ يُشبهه. إنه ذاك الكائن الذي يفكر باسمه على أكواب ستاربكس، الذي يتخيل أقرباء له عبر الزجاج، يتذكر زميلات الجامعة كقديسات "يمشين نائمات في الذاكرة"، الذي يُصوّر لك فيلاً وقطة كي يتحايل عليك، لتكتشف بعدها أنك أنت الحيلة وأنت الجواب! إنها لعنة، أن تقرأ كتابةً بسيطة، واضحة، عارية وعلى درجة عالية من الذكاء والحسيّة، إنها لعنة لا تقدر على ألا تلتذ بها حتى أقصاك.
لا أقدر إلا أن أكون ممتنة لكل هذه اللذة شكرا لعبد الرحمن الحميري شكرا رواشن
لا أعرف عبدالرحمن شخصياً، حضرت له أمسية شعرية في مقهى الراوي بداية العام.. قرار قراءة إصداره جاء من باب الفضول فقط لكثرة المديح الذي قرأته وعدد الأصدقاء الذين أشادوا به وبقلمه وراهنوا بشعره.
وجدته منوعاً بين الشعر والنصوص المفتوحة. أُعجبت بعدد بسيط منها، والباقي لا بأس به. عتبي على ضياع هوية النصوص.. شعرا بغرابة أسلوبها وكأنها نصوص مترجمة، لم أجد أصالة فيها، لم تلامسني ولم أشعر بها. نفرتُ من بعض المفردات وطريقة استعراضها.. قد يحبها البعض لذلك.. بالنسبة لي لم أستسغ الكثير منها
فور انتهاء الأزمة سأشتري الكتاب ورقياً لأكتب على أول صفحاته "تم قراءته في أول يوم للحجر الصحيّ"، ولا أخفيكم أني أرى هذه الأيام بها قليلٌ من الاثارة رغم أن حياة أحبابنا مهددة بالخطر، ولا أخفيكم أيضاً مدى سعادتي أني قرأت الكتاب قبل مماتي. شكراً رواشن للنشر 💛.
نقف يدًا واحدة في وجه الحنين لذا يقاوم كلانا أن يمد يده للآخر . عيناها كفواصل الكتب أعرف دائمًا أني توقفت عندها عن القراءة / يقبلها بتمهل كمن يخيط جرحًا . ادخلي في النوايا لعلك ترين كم أود تقبيلك . أحببته
يعطيني عبدالرحمن الأمل في الكتابات المحليّة. في لغته شيء من اللامبالاة والعبثية الهاربة من النص، الممتزجة بالخجل المألوف الذي لم يكسر بعد، وشيء من الجرأة التي تحاول أن تقحم نفسها في نص شاعر بكر. هذه المجموعة خفيفة ورائقة ترافق كوب قهوة واحد.
أنا فخورة بهذا العمل ولذلك سيرافق مجموعة كتب تذهب إلى صديقتي العزيزة في السعودية.
كتاب رائِع، جَميل، مُبهر.. لا أعلم صراحةً بأي الكلمات أصِفه! أحببتُ بساطة الكتاب والأفكار، ودقة وصف الكاتب، وانتقائه للكلمات. لم أستطِع ترك هذا الكتاب حتى أُنهيه من شدة انبهاري وحُبّي له. أتمنى أن أتمكن من اقتناء النسخة الورقية بأسرع وقت ممكن، فهذا الكِتاب لا يُفوت.
عبدالرحمن كاتب لا تخذله كلماته ولا تخذله مخيلته. كتاب يحتوي على نصوص مدهشة.
بعضها مررت منها مع وجود شعور الغبطة داخلي "تبًا كيف صاغها بكل خفة وجمال" نعم.. بعض النصوص وددت لو كُتبت على يدي ولساني، هكذا كانت نصوصه، تحد على الغبطة.
في عالم موازٍ حيث لم أعرف فيه عبدالرحمن تجلس نسختي من هذا الكتاب وحيدة على رف دار النشر تنتظر أنامل أمرأة جميلة لتداعب صفحاتها أو لص أدبي يبحث عن كتب المغمورين ليضمها إلى كتاباته.. بينما أمر أنا بجانبها دون أن أبدي لها أي اكتراث، أتمتم بامتعاض : "ابتذال .. مضيعة للورق" - لطالما كانت كتب شعراء الانترنت تثير حنقي-... لكن في هذا العالم الوضع مختلف.. أعترف أني خلال قراءتي للصفحات الأولى تمتمت بنفس العبارات الحانقة وألقيت بسخط نسختي على مقعد السيارة قبل أن أصل حتى إلى ربع الكتاب. وبعد أيام كنت وحيد في سيارتي على بعد أمتار قليلة من المبنى الذي ينتظر فيه مديري عودتي من الصلاة لينهال علي بصنوف المهام .. التقطت الكتاب وبدأت أقرأ وبدأت العبارات البديعة والتشبيهات البليغة تغمرني حتى وجدتني غارقاً في حلاوة النصوص. انتهيت من هذا الكتاب وحيداً في جلسة واحدة. ثم عدت إلى العمل لأجلس شارداً بجانب النافذة وضعاً عليها يدي لأصافح أقرباء الزجاج.