يعتبر كتاب "موسوعة دليل الخليج الفارسي وعمان ووسط الجزيرة العربية" المشتهر بـ(دليل الخليج) لـ جي. جي. لوريمر من أشهر وأهم المراجع عن منطقة الخليج العربي و ذلك لأن المؤلف بما توافر له من إمكانيات ووثائق لم تكن متاحة لغيره قد جمع وحشد كل ما أمكنه من معلومات سياسية وجغرافية واقتصادية واجتماعية في كتابه حتى أصبح المرجع لكل من هم بدراسة منطقة الخليج أو أي جزء منها.
ووردت المادة المتعلقة بالبحرين في القسمين الجغرافي والتاريخي على هيئتين.
الهيئة الأولى: المادة المستقلة ذات الكيان المستقل، حيث أفرد قصلًا كاملًا لتاريخ جزيرة البحرين، حيث يبدأ لوريمر تاريخ البحرين (القسم التاريخي) بخبر طرد الإيرانيين للبرتغاليين من جزيرة البحرين عام 1602 مرورًا بسيطرة العمانيين ثم العرب الهولة على الجزيرة، وصولًا إلى فترة سيطرة عرب العتوب على الجزيرة عام 1783 أو ما يعرف محليًا بحادثة فتح البحرين، وتنتهي فترة بحث لوريمر التاريخية في حدود سنة 1905.
وفي القسم الحيوي والمهم المعني بالتاريخ الجغرافي في جزيرة البحرين نجد في كتاب دليل الخليج ما قد يتعذر العثور عليه في أي كتاب آخر، فقد خصص المؤلف موضوعًا تفصيليًا بعنوان (جزيرة البحرين) واحتوى هذا الموضوع على مقدمة تعريفية باسم الجزيرة القديم (أوال) وموقعها الجغرافي وشكلها وحجمها وأهم ما يميز سواحلها من المعالم. وخصص لتبيان أهمية هذه المعالم جداول خاصة موضحًا فيها بعض المعلومات المهمة كالاسم والمواقع والطبيعة والملاحظات.
ثم نجد المؤلف يعرج على موضوع جغرافي آخر، وهو المدن والقرى البحرينية، تجده أيضًا خصص جداول كثيرة توضح أسماء هذه القرى والمدن مرتبة حسب الترتيب الأبجدي، في حين ان المؤلف أيضًا خصص مقالًا منفصلًا لأهم المدن والقرى البحرينية في مختلف أجزاء القسم الجغرافي من الكتاب مرتبة أيضً وفق الترتيب الأبجدي لمختلف مدن وقرى منطقة حوض الخليج العربي المختلفة.
الهيئة الثانية: فهي المادة المبثوثة والمتناثرة في أجزاء الكتاب الأربعة عشر وهي مواد مكملة وشارحة بعض الأحيان لما ورد في المادتين المستقلتين وبالتالي فهي لا تقل أهمية عن المادة المستقلة لما تحتويه من تفاصيل ومعلومات بل ومواد تكاد تكون مستقلة بذاتها.
من إعداد عباس المرشد ويقع في (420 صفحة) من طبعة (دار الفراديس).
هذا الكتاب هو جزء من موسوعة (دليل الخليج) للوريمر، وهي موسوعة بقت في خانة السرية ولم يرفع عنها ذلك إلا عام 1970م بعدما كانت مصنفة أنها مادة للعمل الرسمي فقط.
وقد صنفت هذه الموسوعة بناءً على طلب من حكومة الهند البريطانية لهدف، وهو إيجاد دليل سهل لموظفي الدولة ودبلوماسيها العاملين في منطقة الخليج حتى يمكن الرجوع إليها للحصول على المعلومات اللازمة بعملهم في المنطقة من أجل تعزيز النفوذ البريطاني فيها!
ومن أجل ذلك بدأ لوريمر ومعه فريق متخصص بجمع الوثائق والمعلومات والتقارير السرية وغيرها ووضعت بريطانيا تحت تصرفه وبعثته كل سجلاتها ومعلوماتها ووثائقها ليكتب كتابه هذا.
ومن المعلوم أن هؤلاء المستشرقين إن كان الغاية من تأليفهم هي مخاطبة الشعوب الإسلامية فإنهم لا يُبالون بل وقد يتعمدون وضع الشبهات وإيراد بعض الأمور غير الصحيحة، ولكن إن كان العمل من أجلهم هم، ومن أجل نفوذهم، فإنهم يتحرون الدقة والصحة ما استطاعوا الى ذلك سبيلا. لأنهم يعلمون أن هذه المعلومة التي وضعوها قد تنبني عليها سياسة ذات يوم.
فمن أجل ذلك الكتاب هذا دقيق الى حد ما، وهو مُقسم إلى قسمين:
- قسم (تأريخي) - قسم (جغرافي)
يتكلم القسم التأريخي عن تاريخ الدولة الخليجية الى عام 1905م . فهو يُغطي القرن التاسع عشر كله تقريباً. وهو سرد لأحداث تأريخية من خلال المنظور البريطاني للأحداث والشخصيات، فلذلك لا تتوقع أن تجد إنصافًا لأي جهة قد قاتلت بريطانيا يوماً ما مثل القواسم أو حتى جهات لم تقاتلها بريطانيا آنذاك ولكن بينها صراع سياسي مثل الدولة العثمانية؛ فهنا السرد يتغير الى شكل يُعطي بريطانيا الحق للتدخل وأن ما فعلته هو عين الصواب للمصلحة العامة.
ويرى أن الإحتلال البريطاني لدول الخليج لم يكن بالشكل المعروف، وهو بسط نفوذ عسكري وإدارة الدولة المحتلة من قبل مواطنين بريطانيين بل أخذ شكل إبرام إتفاقيات حماية مع مشايخ الخليج، وترك هامش للحرية لهذه المشيخة لإدارة شؤون حكمهم، واذا تعارضت أساليب حكمهم مع المصالح البريطانية فإنهم يزاحون عن الصورة بشكل مباشر أو غير مباشر، هذا ناهيك عن فرضها لبعض السياسات على تلك المشايخ وممارسة الإبتزاز السياسي، اذا أردت أن نكون في جانبك أفعل كذا وكذا وإلا جعلوك فريسة في وجه المعتدين.
ويُلاحظ في القرن التاسع عشر كثرة التداخل التأريخي بين إمارات ودول الخليج، وهذا سببه كثرة الغزو والقرصنة وكثرة التحالفات وتغيرها من حين الى آخر حسب ما يستجد من أحداث على الساحة، فلم تكن المنطقة مستقرة واتساع الدول يصغر ويكبر بشكل مستمر، ولم يكن بسط نفوذ البريطانيين على سواحل الخليج مانعاً من نشوب معارك واقتتال وغالباً ما يكون التدخل البريطاني حفاظاً على أحد المشايخ التابعين لهم إن رأت أن هنالك تحرك جدي لإزاحته من أحد الأطراف التي لا تربطهُ معهم مصالح مشتركة أو ترى أن هذا الشيخ أفضل بالنسبة إليها من المهاجمين له.
ويُلاحظ كذلك –طالما أن الحديث عن البحرين- أن الأرشيف البريطاني بدأ يُسجل أحداث البحرين بعد طرد البرتقاليين على يد الإيرانيين بقليل، ولكن كانت المعلومات قليلة جداً، فبدأ الإستطراد في السرد بعد تواجد البريطانيين في الخليج، وأصبحوا هم المراقبين للأحداث.
ويُلاحظ كذلك أن البحرين خضعت تحت نفوذ الدول المحيطة بشكل متبادل بعد دخول العتوب لها بقيادة آل خليفة، اُحتلت البحرين من قبل العُمانيين وثم في وقت لاحق دخلت تحت نفوذهم ودفعوا الجزية وأصبحوا تابعين لهم، وفي وقت لاحق أصبحوا كذلك مع الدولة السعودية ودفعوا الجزية ودخلوا تحت عباءتها، وكذلك الأمر حصل مع المصريين والإيرانيين والأتراك، ناهيك عن خضوعهم أصلًا للحماية البريطانية، فلم يكن هنالك استقلال حقيقي خلال القرن التاسع عشر مطلقاً.
ومن خلال الأحداث ترى أن بريطانيا التي تزعم أنها لا تحتل دول الخليج، قد أزاحت أكثر من حاكم للبحرين بشكل مباشر أو غير مباشر، ابتداءً من عبد الله بن أحمد آل خليفة، والتي أعطت الضوء الأخضر لإزاحته ولم تدخر جهداً لإفشال كل محاولاته لإستعادة ملكهِ، وقد كتبت مي آل خليفة كتاباً عنه بعنوان (عبد الله بن أحمد محارب لم يهدأ)، وثم أكملت هذا النهج مع خليفته محمد بن خليفة آل خليفة وقد نفته الى الهند، وأخيراً كان مع عيسى بن علي آل خليفة ولكن هذا الحاكم الثالث عند وقت تأليف الكتاب لم تبدأ إجراءات عزلة بعد، وإنما بدت بوادرها تطفو على السطح.
وأما عن الكتاب فالبعض لا يريد قراءة كل محتويات (دليل الخليج) من أجل البحث عن متعلقات بلاده لأنه ضخم ويقع في غير مجلد في 5000 صفحة، فسهّل عباس مرشد الطريق على من يريد أن يقرأ عن بلده البحرين فقط من بين كومة الأوراق هذه ونحى نحو من سبقوه في جمع كل متعلقات بلادهم من دليل الخليج في كتاب واحد مستقل مثل: (الكويت في دليل الخليج) لخالد سعود وكتاب (تاريخ بلاد السعودية في دليل الخليج) لمحمد بن سليمان الخضيري.
وطريقة عمل عباس المرشد في هذا الكتاب هو نقل (القسم التاريخي) المتعلق بالبحرين من كتاب دليل الخليج، ثم إردافه بملاحق تتكلم عن البحرين في أجزاء أخرى قد تكلم بها المؤلف في بقية دول الخليج، فهو حاول أن يشمل كل كلام عن البحرين سواء كان الذي في قسمها أو الذي في قسم غيرها.
وهذه الطريقة لم تُعنى بالترتيب الزمني للأحداث، لذلك سوف ترى تقلب دائم في التواريخ والأحداث، فلابد أن تكون منتبهاً أو حافظاً للتواريخ أو للشخصيات، وهذا التكرار وإن طال في الجانب التأريخي وملحقاته إلا أني أزعم أنه سوف يرسخ المعلومة أكثر في ذهن القارىء.
ومن نافلة القول، ذكر أن الكتاب كان مليء بل طافح بالأخطاء المطبعية، فالكتاب طبع دون مراجعة ولا تدقيق، فلذلك توجد أحياناً أخطاء في الكلمات والشخصيات بل حتى والتواريخ، وأنت سوف تفهم المعنى أو المقصد من خلال السياق وإن وجدت بعض الأخطاء في تسمية بعض الأشخاص أو الحوادث أو المعاني.
ومن خلال القسم التأريخي قد تستطيع تحديد الدخول الأول لبعض العوائل الى البحرين، مثل الدواسر الذي يقول المؤلف: (يبدو أن الدواسر -الذين يقيمون الأن في بوادي البديع والزلاق- وصلوا أول مرة الى البحرين في سنة 1845) كما في صفحة 77.
وكذلك النعيم الذي يقول المؤلف: (وفي خريف 1877م تبين أن شيخ البحرين كان ما يزال على علاقة وثيقة بالنعيم في الزبارة، فكان يسمح لهم بزيارة البحرين) ثم ذكر أنهم دخلوا البحرين بعد نوفمبر من عام 1878 م كما في صفحة 104،105.
هذا فيما يتعلق بالجانب التأريخي، أما القسم (الجغرافي) فالكلام فيه نوعًا ما مخيف، إذ يبدو أن الإنجليز حاولوا عمل إحصاء دقيق لكل سكان البحرين ولم يكتفوا بذلك بل حتى في ممتلكاتهم الشخصية.
وتجد أن في الإحصاء الذي عملوه أن عدد السنة أكثر من الشيعة فكان عدد السنة 59 ألف مقابل 40 ألف! وشمل هذا الاحصاء المدن والقرى.
وتكلم عن العوائل الموجودة في البحرين وعن أصلهم القبلي وتفرعاتهم –وخذ بالك أن صاحب الكلام بريطاني وليس باحث في علم الأنساب ولكن هكذا يصنع النفس الإستخباراتي لدى البريطانيين-؛ وذكر أن بعض العوائل حاولت الإنتساب الى بعض القبائل فرفضت هذه القبائل نسبتها إليها، وذكر أن بعض العوائل سميت على جدها الأكبر الذي كان خادماً عند قبيلة أخرى! (أي أنه لم يحترز كما يتحرز العرب عادةً في الكلام عن هذه المواضيع).
وتكلم عن المدن وأحيائها وعدد سكانها واختلافهم الاثنية وتنوع جنسياتهم، وعدد العوائل التي تسكن فيها، وعدد الخيول والحمير والماشية والبيوت التي فيها!!!!
ولما تكلم عن التجارة تكلم عن الواردات والصادرات وكيفية احتساب قيمة اللؤلؤ عن بيعة في أسواق الهند، بشكل دقيق جداً .
فكان المخيف في هذا الجانب هو دقة التوصيف والإحصاء الدقيق، فتشعر أنك كنت عارٍ أو مكشوف أمامهم، وكلما كنت مفهوماً أمام المحتل كلما سهل عليه اكمال احتلالك.
وهذا الكتاب دليل الخليج مرجع مهم لا يستغني عنه الباحث، في بيئة لم تكن الكتابة منتشرة فيها، وكانت تكثر الأمية فلم يكن هنالك مؤرخين كثر دونوا تاريخ تلك الفترة، خلا بعض الرحالة الذين كانوا يدونون الحياة الإجتماعية في بقعة جغرافية صغيرة هم عاشوا فيها، بخلاف هذه الموسوعة التي أتت على كل دول الخليج تقريباً ومعهم بلاد فارس (إيران حالياً)، فإنها كانت شمولية وكان أصحاب القرار هم من يكتبون لا مجرد رحاله للتو يتعرف على القوم الذين وفد عندهم ولا يكتب إلا ما يراه هو بشخصه فقط.
ودليل الخليج وإن كان جزئياً يُسجل نظرة البريطانيين للأحداث إلا أنه لا يجزأ عن مذكرات القادة البريطانيين الموجودين في المنطقة ولا يجزأ كذلك عن الوثائق البريطانية، فكلاهما يكمل الآخر. فلذلك كتاب مثل (البحرين 1920-1971، قراءة في الوثائق البريطانية) قد يكمل الصورة ولكن في القرن العشرين أي أن فترة هذا الكتاب كانت بعد التاريخ الذي دونه كتاب (دليل الخليج).