تتألف البلاغة العربية من علوم ثلاثة هي: المعاني، والبيان، والبديع. وميدان البلاغة الذي تعمل فيه علومها الثلاثة متضافرة هو نظم الكلام وتأليفه على نحو يخلع عليه نعوت الجمال. وإدراك سمات الكلام البليغ لا يتأتى عن طريق الدرس والبحث والتأمل.
ومن أجل هذا تبدو الحاجة إلى دراسة البلاغة. فهي تكشف للمتعلم عن العناصر البلاغية التي ترقى بالتعبير صعداً نحو الكمال الفني، كما تضع بين يديه الأدوات التي يستطيع بالتمرس بها والتدريب عليها أن يأتي بالكلام البليغ. وهي في الوقت ذاته جزء مكمل لثقافة الناقد والأديب. دراسة البلاغة إذن ليست ضرورية فقط لمن يريد أن يجعل اللغة وأدبها ميدان تخصصه، وإنما هي ضرورية له وللناقد والأديب على حد سواء.
وهذا الكتاب الذي بين أيدينا يحتوي على محاضرات ألقاها الدكتور "عبد العزيز عتيق" على طلبة الصف الثاني بقسم اللغة العربية وآدابها بجامعة بيروت العربية في علم البديع، أحد علوم البلاغة العربية. والجانب الأول من هذه المحاضرات يعالج نشأة البديع، وتطوره، والمراحل التي مر بها حتى صار علماً قائماً بذاته، هذا مع التعريف بكبار رجاله وكتبهم والطرق التي سلكوها في دراسته.
ولد عبدالعزيز عتيق في القليوبية عام 1906 وتوفي عام 1976 - حصل على درجة الدكتوراه من إنكلترا - عمل في التدريس ثم في وزارة الثقافة - صدر له من الدواوين " ديوان عتقي " 1932 " أحلام النخيل 1935 وعدد من المؤلفات الادبية
كتاب منهجيُّ قيم، يتناول بين دفتيه علما بلاغيا أخّاذاً ، هو علم البديع الذي يمكن أن يوصفَ بالتحديد بأنه الأداةُ البلاغية التي لا تدع كلاما منثوراً كان أو منظوما، إلا وأخضعتهُ لأساليبها اللفظية والمعنوية لتخرج منه قطعاً يحق للنقاد والشعراء على حدِّ سواء أن يسموها بالقطع البلاغية. وهذا العلم بصورة مدهشة يعطينا الإجابة الوافية عن العلة الكامنة وراء إندهاشنا بنصٍ ما حدَّ القشعريرة والذهول، وعدم ذلك في نص آخر. أو لماذا نصفُ نصا بأنه بليغٌ ونصا آخراً بأنه رديءُ غير مستساغ لفظا ومعنى. وكل هذا بعشراتِ المحسناتِ البديعية التي ضمّنت في كلام العرب من الأقدمين والمحدثين سواء كان ذلك التضمين بعفو الخاطر أو بتلكفٍ بائن. وعلم البديع هذا سلاح ذو حدّين، فإذا كَثُر إستخدامهُ قلّلَ ذلك من جمالية النص، وأدخلهُ في باب التلكف ، وهو ما نشاهده جليا في العصور المظلمة للشعر، أما استخدامه بصورة معتدلةٍ وعفوية بعيدا عن التعقيد فإن ذلك يضفي رونقاً مستحسناً على النص وبالتالي في نفس القارئ، وأبلغ تشبيهٍ لهذه المقاربة -أيِّ الكثرةِ والقلة- - هو مواد التجميل عن النساء كما يُقال !
وهذا الكتاب هو الكتاب الثاني لي مع الدكتور عبد العزيز عتيق بعد كتابه (علم العروض والقافية) ، وهوَ مثل توأمه ،مبسطٌ، سهلٌ، مرتبٌ بنُبذة تأريخيةٍ في البداية يتناول فيها نشأة البديع ثم بشرح واضحٍ للمحسنات البديعة المعنوية وبعدها اللفظية، مع إستخدام عدد كافٍ من النصوص من القران الكريم والشعر والنثر لتقريب الصورة لذهن القارئ.
قيل في المحسّنات البديعية يوما أن النص يحتاج منها بقدر ما تحتاج المرأة من زينة .. فكما أن الإفراط في الزينة يفقدها قيمتها فكذا الإفراط في البديع يفقد النص قيمته. مرجع مهم في البلاغة بلغة سلسة وعرض جيد.
لخّص الدكتور عبد العزيز في هذا الكتاب مستصفى علم البديع. وقسّمه إلى محسّنات لفظية ومحسنات معنوية. كتاب منهجي للمبتدئ، يؤتي الطالب معرفة وافية كافية وغير متخصصة ولا تراثية، بل المستوى السطحي من علم البديع.