حين وضعتُ ذراعيَّ تحت إبطَيْ أبي، أذكرُ أني رأيتُ ظلِّي، يسقط أمامي، كما أذكرُ أني كنت أتحاملُ وأسحبه إلى سريره فيما الهواء كان يقف بالباب يتفرَّج، لا يهبُّ ولا يعين، لم تحن منه يد ولم يبدُر منه نشيد، وأذكرُ أني كنت أنظرُ إلى قدميه وأفكرُ أني لا أعرفهما، ولا أعرفُ من أين جاءتا، تحاولان دفعه معي، على غطاءِ أرضٍ لم يعد كافيًا لسترِ وجهها المديد؛ ولا أنسى وقتذاك أننا كنا نقول كلامًا غريبًا علينا، ليس لي وليس له أبدًا، حتى انتبهنا ولا أدري كيف، أننا كنا نحاولُ أن نبنيَ من تلك الكلمات، رافعةً تختصرُ علينا الجهد والوقتَ والدمع.
هناك كتابة تقرؤها لتجعل اليوم يمضي، وهناك كتابة تمضي بك عبر اليوم كله. هذه هي الكتابة المستحيلة! يكتب الشاعر إبراهيم الحسين حول الموضوع الأشد إرباكاً ربما، وهو الآباء. يفتح راحتَي ذاكرةٍ مديدة تتأمل الحوادث والأيام، تراقب العيون الثكلى والأيادي التي مضى عليها الزمن، ليلتحم بلغته فيصبح الكون مجرد بقعة هلامية من حالة حزن تتخضّب. أعتقد أننا جميعاً عندما نقرأ الأدب نصير كائنات عالية الحسيّة. وعندما يصير الموضوع عن الآباء فإنه حقاً يصير مربكاً بالضرورة، كما أننا سنتقاطع معه عنوة! الكتابة هنا حقيقية، قادرة لدرجة مخيفة على تمزيقنا بالآباء والأجداد من الذاكرة.
هل يسقط الآباء حقاً..؟ ان نبوءة الفقد هذه تتجاوزك ولا تتجاوزها .. وصف دقيق لمعاناة جبل يسقط حجراً حجراً .. أمام ناظريك دون أن ترى .. يتصدع، يتهاوى من الداخل ويظل شامخاً بالنسبة لك حتى تتصور أنه انهار فجأة.. شعرات الشيب التي تتسلل بين الشعر الأسود، الخطوط الصغيرة التي تكبر بجانب العينين، مواعيد النوم التي تتغير، نوعية الطعام والملبس وفترات السفر كلها اشارات نختار التغافل عنها، حتى نظن أن كل شيء خالد لا منتهي .. لا شيء على وجه التحديد ينذرنا كل شيء يحدث بغتة ثم نتذكر أن حياتنا مليئة بعلامات التحذير بعد فوات الأوان .. رحم الله من مضى من الآباء وأطال في عمر أبي ولا أذاقني مر الفقد ..
”كان عليّ أن أنحني دائمًا لالتقاط ما يسقط منك من الكلمات أن أكون متيقّظا لإدراك وُجهة تدحرجها أن أقطع بأسناني خيوط الشبكة التي أتخبّط فيها كلّ ليلة وألحق بك فانزلاقُكَ سريعٌ في حفرة وحدتك فلا أصابع لتتشبّث ولا حكاية لتتّكئ.
كان عليّ وكان عليّ وعلي فأنا سمكتك التي تلمع وتشهق كل ليلة أمامك فوق الرمل.“
عن عجزنا أمام عجز الآباء، كيف لا وهم أساس الصمود والقوة. موجعة.
❞ لم نعد وبقينا بتلك القطع بقينا في سوادها، بقينا في صلابة غير معتادة من الأرض، غير مصدقين، ولا نريد أن نسأل، لماذا قطعت أجنحتها وتركتها تهوي، من السطح يا أبي، فنحن ما زلنا هناك، لم نخرج حتى الآن،. علقنا هناك ولم ينقذنا أحد ❝
أول قراءة لأعمال ابراهيم الحسين، نصوص عميقة، عن الأب في ضعفه وعزلته ومرضه، عن الحياة على سرير المستشفى وتحت أسلاك الأجهزة بعين الزائر المرهف، عن الألم عندما تتلاشى امكانية العودة لحجز مقعد في عالم الأصحاء. ليس محور هذا العمل الموت بل العجز، حيث تجد ضحيته أمامك وتعجز عن انقاذه، آبائنا الذين رحلوا بصمت بعد أن خسروا معركتهم مع المرض، كان علينا أن نعاود المشي في الدموع التي جاؤوا منها دون أن نمنع ذبولهم، فقد قضي الأمر، نزعوا اجنحتهم وحلقوا بعيدا المقاطع المرقمة التالية استوقفتني طويلا: 28-50-56-58
انا احب الكتابات القصيرة المكثفة، لكن الحقيقة فهذا الكتاب به الكثير من الدوران حول الفكرة دون تصريح بها، هناك الم فقدان الاب، ندور حوله ولا نواجهه، لا حديث عنها عن الابوة بل عن انزواءها، خفوتها، اختفاءها او نهايتها، غالبا بسبب مرض الاب، ولكن الحقيقة الكتاب لم يصب الهدف وعجز عن الوصول للأبوة واكتفى بالوقوف على بابها وتأثيرها على الاخرين
الآباء… جمع الكلمة يعطي انطباع بأن الاباء مختلفين ولكن كل أب يسقط بشكلٍ أو بآخر. الاب الذي غابَ عمداً والاب الذي ابتلعته العناية المُركزة والأب الذي يتبخر والأب المشغول بموته والأب الذي يصعب جمعه بسبب نقصانه وتطول القائمة. يختلف هؤلاء الآباء بنواياهم بالغياب وبأشكال حضورهم الناقص وبتضحياتهم المعقدة ولكن جميعهم يسقطون، بعضهم يسقطون في الذكرى والآخر في حُب أصابعهم (ابنائهم) والآخر يسقط في الجُبّ.
اللغة في النصوص مجازية؛ وتعكس علاقة الابناء بالآباء. فالأب شيء (وليس شخص) معقد التركيب او هذا ما يتراءى لنا، ليس شيء تستطيع التحدث عنه ببساطة. الأب شيء اذا لم نفهمه فيجب ان نتركه خلف البحر، أو تحت السلم الذي لا نرجع اليه الا في الضرورة؛ الأشياء التي توضع تحت السلم لا نكرهها بل نحبها ولذلك نحتفظ فيها.. ولكن تحت السلم؛ كما الاباء ان تعقدت علاقتنا معهم.
الأمر أشبه بأن تقرأ مرثية. حزنٌ هادئ وعميق، فجيعة أن يتحوّل الآباء إلى سرابٍ أمام أعيننا.
تأخذني صفحات هذا الكتاب لصفحات وجوه كل الآباء المرضى الذين قابلتهم في أجنحة المستشفيات، على الأسِرّة، غارقون في نعاس أن تكون معلقًا بأنابيب بين انتهاء حياةٍ وبدء أخرى.
"لم ينبّهنا أحد أبدًا إلى أن عمار أجسادهم بلا أساس، فقد كنا نصعد إلى رؤوسهم ونقبّلها دون أن ندري، كان خطأ فادحًا، إذ لم نبذل جهدًا للتعرّف جيّدًا عليهم… لم يصرخ بنا أحد، انتبهوا، فالآباء قد يفاجئونكم ويتزعزعون من الأسفل ويخرّون من قواعدهم."
كيف يمارس الغائبين طقوس غيابهم؟ كيف تصدح الأماكن بذكراهم، عندما يرحلون إنهم حتمًا يتركون شيئًا ما هنا وهناك. من افتقدناهم سقطوا حجرًا حجراً، دون أنّ نعي أو ننتبه نحن بذلك. قد يلازمكم الألم بعد قراءة هذا الكتاب لذلك لا شأن لي في أيَّ مما سيتركه هذا الكتاب على روحك. أعتذر عن الحزن الذي سينهش قلوبكم.. بعد فقد أحدهم كما يقول ابراهيم الحسين: سيطلعونك على إمتلاء الأماكن بهم، سيطلعونك على هدوئهم العالي، تأرجحهم بحبال سهوك، وكيف يتطوحون ويرتفعون عاليًا عاليًا جدًا في شرودك، عزوفهم عن كل ماتعرفه عنهم، وكيف أنهم كانوا يخبئون قدرتهم الفذة على إجادة الموت، ويطلعونك على صور لم ترها من قبل.
إنّهم جميعًا من فقدت هكذا يمارسون غيابهم. ابراهيم يصف غياب والده بصورة ملموسة، تجعلك تستذكر رحيل من تحبّ. بوسمه لهيئته، ملامحه وسحنته التي أعتدت عليها. بتوديعك، ببكاءك و��زنك وحتى استسلامك. أشعر كما لو أنّه بعد رحيل والده، لم يستطع صبرًا، فراح يكتب كلّ ما انهك صدره على الورق، وبطريقة محزنة جدًا كتب هذا الكتاب، كما لو أنّه أراد تفريغ ما به حتى يتَسَنَّى له أنّ ينسى.
تألمت عندما وقعت عيني عليه لأول مرة، وعندما اقتنيته، تألمت وأنا أقرأه، وسيتكرر ذلك كلما نظرت إليه. كتاب بحجم صغير وصفحات قليلة ظننت فيه قراءة قصيرة قبل النوم وسريعة لكنه كان ثقيلًا ومؤلمًا. قد يكون عليه بعض الملاحظات كالتكرار مثلًا لكنني سأمنحه النجمات الخمس كاملة من أجل الأحاسيس التي يحملها هذا العمل والتي إلا ما تصل للقارئ بشكل أو آخر.
أكثر ما لمسني فيه هو النص رقم ٥٥، والصفحتين ٦٦ و ٨٨.
كما لو أنه كان متوقعًا، وكما لو أنه من طبائع الأمور وانحرافاتها المعتادة، أن ريحًا لم نعرها بالًا ولم يكن لها صفير أخذتك من بيننا وفي لمح البصر ابتعدت بك وأخفتك ..
هذا الديوان مشروع بكاء لاولئك الذين يشعرون بالفقد والوحشة 💔
الوجع يوجع بصدق ، لكن تكرار المعاني و حتى الصور التشبيهية كان مملا . كأنها منشورات فيسبوك أو انستاجرام ، لكنها تلمسك فالكلام عن فقد الأباء دائما موجع .
"أستعيد تشظّيك في فوران بهجتك، وبالغ جهدك في جمع نفسك التي كانت تلمع تحت شمس نهارك، ومن نشيدك ومن أغنيتك، كان ذاك يوم كنت تقلِب صفحة نبوءتك، يوم كنت ترفعُ راية حدسك وتشوّفك، وكان ذاك يومَ لم نعرف لك وجهًا، ولم نفلح أبدًا، في الوقوف لك على ملامح، كنا مأخوذين بتدفّقك وباصطفاقك، تخبّطك واندفاعك الذي كان يجرف ثيابك، وكانت لك رائحة الأرض التي عاد إليها الماء واحتضنته.. من كل ذلك أستعيدك وأنظر إلى اخضرارك، أنظر إلى نفسي، كيف أستعيدك سعفةً سعفة وعذقًا عذقا، أستعيدك غيابا غيابا، ألتقط يدي من هناك وأتلمّس جذعك."
العنوان وحده دمرني وهزني أول ماوقعت عيوني عليه..وكالمتوقع محتواه ماكان أقل وجعًا من جديد أنا أشهد مراحل ذبول أبي وانطفاءه، وفي مواجهة أيضًا مع عجزي وقلة حيلتي أمامه..لكن مرور الوقت يحثني على الاستمرار ويضاعف من رغبتي بتفقده في كل الأشياء، وأرى القراءة عن الآباء هي أكثر مايمكن أن يعزيني فيه. تجربتي مع هذا الديوان حقيقية وفعلًا اقتناءه وقراءته كانت ضرورة لي
تقف بين الصفحات قليلاً حتى تبتلع الكلمات، تختنق بغصة ثقيلة تأبى الخروج على هيئة بكاء لتعود إلى مُنتصف قلبك مُحدثة ضجيج لا تستطيع إسكاته. هُنا كان الحديث صعباً وثقيلاً، هُنا حجراً حجراً يتساقط الآباء والأجداد، هُنا تأبى الشجرة البقاء فتحمل جذعها وفسائلها وتخرج في حين أن أبواب البيت استسلمت لأخشابها وطلائها وبقيت واقفة. هُنا الحضور والغياب بذاكرة مفخخة، والبكاء ثقيلاً.
انتهيتُ منه وأنا أتحسس قلبي وأخشى من حزنٍ ثقيلٍ يعود بين الفينة والأخرى. حين تقرأ مثل هذه الكتب الحقيقية في نصوصها وكلماتها تسقط في ذاكرتك المُتعبة، في الصمت الذي ينحتك ويعيد تشكيلك، وتهوي في الحزن الذي يغويك بعمقه حجراً حجراً.
يحوي الكتاب مختارات نثرية تجمع بينها ثيمة موّحدة وهي العلاقة بالأب بجميع حالاتها وتحولاتها.
فكرة مبتكرة يسردها "ابراهيم الحسين" من خلال الشذرات المختارة، بالرغم من أن مُجمل العمل يظهر في أكثر من موضع كمجموعة نصوص شخصية جدًا تلخّص علاقة "الحسين" بوالده لكن لا تلبث أن تشعر كقارئ بنوستالجيا حادة حين تُقلّب صفحات الكتاب لتتذكر علاقتك الخاصة بأبيك أو جدك ولتعكس لحظات السعادة أو الألم التي قد تتخلل رابطة الأبوة/البنوّة في آنٍ واحد.
الوحدة الموضوعية تريح الذهن من التنقل بين الأفكار والسرعة التي اعتدنا عليها، ولكن الكاتب انتقل بحدّة في صوره وقد رصفها حجرًا حجرًا، وآخى بينها بلغة تمسك الحالة الشعورية بكثافة في معظم النص.
والقريب في النص أن الرمز ليس بعيدًا عنّا،والمعنيّ فيه قد ضربتنا جذوره،وتوالت علينا أحواله. فهذا النوع من النّخيل لا ينشأ في الصحاري، ونواصي الطرق، بل يخصّب ويكبُر في بيئة داخلية كثيفة، يشترط فيها إطلالة على الجميع، ولو لم يبصر ظله أحد .
"لم يقل لنا أحد أن الآباء قد يخرجون من أصواتهم، إلى جهات كثيرة في الأرض، فلا تقدر أن تستدلّ عليهم، ولم نتوقع أن يكون السأم حادًا وقاطعًا، وإلا كنّا أبعدناه عنهم، لم ينبّهْنا أحد أبدًا إلى أن عمار أجسادهم بلا أساس، فقد كنا نصعد إلى رؤوسهم ونقبّلها دون أن ندري، كان خطأ فادحًا، إذ لم نبذل جَهدا للتعرّف جيّدًا عليهم.."
كتابٌ لم أجِد الكلمات المناسبة لوصفه ولن أستطيع تجاوزه لفترة طويلة ..
تكرار المفردات في كل نص وتشابه الأفكار واستخدام الحقول ذاتها في كل مرة.. أفقدتني دهشتي بالكتاب، لكن الحق يقال: الألم الذي يكتنز النصوص.. واضحًا والوجع الذي يسيطر عليها.. جليًا حد أن تنتهي من القراءة.. وتبكي!