أنهى أمير داود في هذه السردية، عمر سؤال لي طالما بحثت له عن إجابة دون جدوى: لماذا لم يكتب الفلسطينيون حتى الآن عن الانتفاضة الأولى زمنا وشخصيات وأمكنة ومصائر وأسئلة شخصية ووطنية ووجودية؟ لم يقارب الفلسطينيون هذه البقعة الزمانية المكانية أدباً جاداً يسأل ويتأمل ويستبصر ويكشف ويحفر، دون الوقوع كما هي العادة في مرض التمجيد والتحريض والصراخ.
أنا من المؤمنين بجماليات المسافة. أمير، الذي عاش الانتفاضة جسداً وروحاً، وصبر طويلا مبتعداً عن نفسه وعنها ليراها من بعيد، ليقول بنضج نافذة المقاتل المثخن بالدروس وحكمة الساموراي الفلسطيني التائه في براري الحلم المكسور، تفاصيل حياته في زمن الانتفاضة الأولى ثم الثانية، حياته التي هي حياة جيل كامل، اندفع هائل الإرادة وعميق الروح نحو الجواب الوحيد: الحرية أو الموت.
سعيد بها العمل الجدي الأول عن بقعة زمكانية فلسطينية عمقت روحنا، وشكلت معالم طريقنا الوطني، وحسمت خياراتنا القومية وأعطت أجيالنا اللاحقة درساً ما زال حاضراً في عظمة إرادة الشعوب حين تقرر مصيرها وتقول قولتها. هذه ليست سيرة ذاتية ولا سيرة وطن، رغم إغواء الاعتقاد بذلك. هذه رواية تقول واقع الانتفاضتين وما بينهما برؤية إبداعية ومنظور فني ولغة أخرى، وهذا لا ينفي عنها رغم ذلك إمكانية الاستفادة من تفاصيلها في دراسة هذه الظاهرة العظيمة التي هزت العالم: انتفاضة فلسطين الأولى، من زوايا اجتماعية ونفسية واقتصادية ووطنية.
نادرا جدا ما تشدني نصوص لأكملها في جلسة واحدة لكنها هواجس أمير دَاوُدَ التي سحبتني من الزمان والمكان لزمن الانتفاضتين الأولى والثانية ومابينهما هذه السرديات أشبه ما يمكن ان يطلق عليها أدب اليوميات او المذكرات هي ذكريات طفل، شاب جامعي ،وأب هي ذكريات الخوف والبحث عن الحرية والكرامة والوطن أمير الذي نراه حينا طفلا خجولا وانطوائيا على نفسه متوحدا بعالمه وحينا أخرى نراه ابا مشغولا بأولاده وأسئلتهم وفي أحيانٍ كثيرة نراه الشاب الجامعي الباحث عن الجمال والوعي والفكرة ما يميز أمير هو قدرته على تحويل اليومي والعادي الى قطعة فنية هذا ما عرفناه عنه من خلال صفحة الفيس بوك هذه القدرة على تعرية الذات وكشف هشاشتها وضعفها أمير الذي يصارحنا بعيوبه وخوفه من الزواحف وافتقاره أدنى مستوى من الشجاعة وجدتني في هذه السرديات قريبة من عالمه الجواني ، لاسيما وهو يصف حاله مع الكتابة بأسلوب قريب للقلب ومحبب يغوص أمير كعادته بعلم النفس وسيكولوجية المجتمع ليشرح لنا ذاته حينا والمجتمع احيان أخرى نختبر مع أمير مشاعر اللحظات الفاصلة بين الموت والحياة والانتظار هو الذي صادف الموت يجلس الى جانبه على حاجز طولكرم على شكل انفجار كان من الناجين فيه جميلة هي نصوص أمير وتنقلاته الزمكانية وددت لو أنه عكف على هذه النصوص اكثر لتحويلها الى رواية ملحمية تتناول كل هذا الزخم المشاعري في حياة الفلسطيني
أتابع بانتظام ما يصدر عن الشباب في فلسطين، بشقيها المحتل عام 67 والمحتل عام 48. وأزعم أن للنثر الفلسطيني مذاقا مميزا. ذلك الثقل النوعي في المواضيع، وتلك الرشاقة الفنية في الصياغات. مذاق صنعه كتاب كبار مثل محمود درويش ومريد البرغوثي وحسن خضر وحسين البرغوثي، كل له بصمته الخاصة، ولكن بالعموم ثمة علامات تشير بوضوح لأن ما يكتبونه ينتمي لحالة واحدة، لتيار كبير متدفق من القول الفني الفلسطيني، يضم شهادات وتأملات ومراجعات وحكايات تسعى جهدها لأن ترث أرض الكلام، وإذا لاحظتم، فإني أستثني النثر الروائي والقصصي، لا لقصور فيه، ولكني أنظر لتلك الكتابة التي تتراوح بين السيرة الذاتية والسرد، مثل "سأكون بين اللوز" و"حيرة العائد" ورأيت رام الله" و"أرض الغزالة". أتابع ما يصدر عن الشباب في الأرض المحتلة وأنتظر أن أجد امتدادا لهذه المدرسة الفنية الجميلة. فتصيبني في رحلة البحث هذه صدمات كثيرة، وأحيانا رضات نفسية، لأسباب عديدة، بدأت تضرب التجربة السردية الفلسطينية في مقتل، حيث توجه العديد من الشباب للاهتمام بقضايا تدور حول ذوات منفصلة عن الواقع هائمة بالأوهام والأحلام، التي تشعلها الهرمونات الفائرة، وتطفئها على ما يبدو الكلمات. فيما ارتاح عدد من كهول الكتاب لما أطلق عليه الناقد وليد أبو بكر مصطلح " المزاج التطبيعي" فصرت ترى نصوصا مرتبكة خجولة لا تحسن أن تطيل النظر في "أم سعد"، بينما تحسن أن تطيل النظر في مجندة حسناء، تسلب اللب، وترقق المشاعر الوطنية، وتنسي الهموم والأحزان! لا علينا! ولا أعتقد أن الصديق أمير داود سيرضيه أن أبدأ الكتابة عن كتابه الصادر حديثا عن الدار الأهلية تحت عنوان " صديق نقطة الصفر" بإجراء مثل هذه المقارنات. غير أني وجدت فعلا في كتابة أمير ما كنت أبحث عنه. وهو ما قد أوجزه في نقاط سريعة: - كالسابقين الأولين من الناثرين الفلسطينيين يحاول أمير في كتابه أن يتعقل تجربته الحياتية تحت ظروف الاحتلال. ويسعى لأن يتأمل في ما جرى، وأن يحلل ويستنتج ويصف الأحداث التي مرت عليه في الانتفاضة الأولى والثانية. - يكتب أمير واحدة من السير الممتازة في الأدب الفلسطيني المعاصر. يكتب بروح قوية. لا تخذله المفردات ولا يخطئ في توصيف العدو. ثم إن أمير "منتج" فلسطيني كامل. ولد وعاش في قلقيلية، درس علم الاجتماع في بير زيت، قرا الأدب الفلسطيني كما قرأ الأدب العالمي، وعايش الحياة اليومية كواحد منا. و"منا" هنا تشير إلى أنه يشبهنا جدا، لولا تلك الميزة والهبة الربانية التي تساعده على التأمل، وصياغة التجربة باللغة! - لدى أمير سمات أسلوبية تشد القارئ. مثل قدرته على تشكيل الصور العريضة عبر السرد الطويل، فهو عندما يصف حياة والديه وحياته، وكأنها شظايا متقطعة، تبدأ من تواريخ يستهل بها الفقرات، يراكم شعورا عاما لدى القارئ بأن جبل حياة الفلسطيني تفجر، وهو ما يريك إياه رأي العين في نهاية النص عندما يخبرك عن الجبل الذي محاه الاحتلال لينشئ مستوطنة. ثم إن لديه قدرة بديعة على السخرية. وتأتي السخرية مثل المشهد ما بعد الأخير. فبعد أن يصف ما يجري ويصف مفاجئات الحياة والأقدار والمعاناة التي يسببها الاحتلال يتابع وكأنه يستأنف فيلما انتهى بخلق مشاهد ساخرة تمد لسانها لما سبق. السخرية عند أمير رصينة ولطيفة وليست سوداء. - يحسن أمير تدوير المشاعر والتعبير عنها وعندما تقرأه تشعر بما شعر به وليس فقط تعرف عما شعر به. وهو يبني معانيه الكبرى حول موضوعات يومية بسيطة كالنظارة التي يختبئ خلفها، والسيجارة التي يخفيها عن والده، والاشكال التي يرسمها في الهواء دون انتباه. - يحدثنا أمير عن تفاصيل حياته الشخصية كما يحدثنا عن التجارب الجماعية. ويتنقل بين ما يمكن تسميته الملاحظات الاجتماعية والملاحظات النفسية برشاقة توحي بأنه استفاد جيدا من دراسته لعلم الاجتماع! لو لم تكن مهتما بالقضية الفلسطينية ستجد في الكتاب ما يشدك من حكايات وتجارب حياتية يومية، ولو لم تكن مهتما بالتفاصيل الذاتية ستجد ما يهمك من قضايا جمعية. يمزج أمير بين الاثنين ببراعة ظاهرة. - يمكن اعتبار هذا الكتاب كتابا في التامل الذاتي كما يمكن اعتباره مرافعة بليغة عن الشعب الفلسطيني! وفي نهاية هذه العجالة، يمكنني بثقة تامة أن أضيف كتاب " صديق نقطة الصفر" لقائمة الكتب الممتازة المذكورة في أول هذا الادراج. وأدعوكم أصدقائي لقراءة الكتاب والحكم بأنفسكم !
هذا كتاب لذيذ، أعلم أنه يتحدث عن وجع الانتفاضتين في جزئيات كثيرة منه، لكنني كفلسطيني عايشت الانتفاضة الثانية وما تلتها من أحداث وطنية أبحث عن أي كتاب يتطرق إلى طفولتي المليئة بهذه الشواهد، هذه الذكريات التي لن أنساها كفلسطيني كانت طفولته قائمة من الشهداء والانتفاضات والحجارة والخوف. أقرأ في صديق نقطة الصفر ما لم أستطع أن أكون حاضرًا فيه وهي الانتفاضة الأولى، وأوائل التسعينات، أقرأ سيرة أمير التي تشبه سيرة شعب كامل، وأقرأ ما بعد بداية القرن الواحد والعشرين في سيرة أسقط فيها أمير شخصيته وعائلته التي تشبه كثيرًا سيرة فلسطينيين كثر. نصوص تخللتها حياة عائلة، بنوع ممتزج بين الفكاهة والجد، وفي الخلفية صوت إطلاق للرصاص، وصراخ مصحوب بتكبير: شهيد آخر
لغة سلسة لا يوجد فيها أي تكلّف مزعج وسردها جذّاب. تمنحك شعور غريب عندما تقرأ الواقع في سياق روائي رغم أنك كفلسطيني عشت هذه الأحداث أو أحداث شبيهة بها... خاصة بعد مرور سنوات على الانتفاضة تأتي الرواية لإحياء التفاصيل في ذاكرة الفرد.
كانت الحيرة الأولى مع تلك القراءة تتمحور حول: هل ما بين يدي كتاب أم رواية أم سيرة ذاتية؟ والحيرة الثانية: هل ما كُتب داخل تلك الصفحات حدث للكاتب فعلًا أم تراه اقتباس من واقع يعيش فيه؟ وبالاستمرار في القراءة أيقنت أن ما اقرأه جزء كبير من حياة الكاتب تُرجم على هيئة كلمات جريحة لوطن ومواطن جريج من جراء الاحتـ.ـلال، واقتبس في بعض الأحيان واقع من خالطوه ليقص علينا قصة وطن. أما التسمية أو الوصف فقررت أنا أن أُطلق عليه (رواية ذاتية واقعية لا مجال للخيال فيها).
من قبل لم أكن مهتمة بما يحدث فعليًا داخل فلسطـ.ـين المحتلة، ولا أي بلد مُحتل أخر، لكن قرأت عما يعانيه هذا البلد من بعض روايات رضوى عاشور. لكن أن اقرأ تفصيليًا من ذاكرة طفل عاصر الانتفـ.ـاضة الأولى ونُقشت ذاكرته بفعل مشاهد ووقائع وأحداث كونت فكره وشخصيته، لم أجرب هذا من قبل!
كيف يعيش طفل تكونت طفولته من دبابات واقتحامات وقتل ودماء في خضم هذا كله ويُصبح شاب/ رجل سوي نفسيًا؟ هذا السؤال راودني كثيرًا مع كل فيلم أو مسلسل أو كتاب يتحدث ويسلط الضوء على حرب ما. إلى أن جمعني الفضاء الأزرق برجل عاصر هذا كله، وأيقنت أن الإدارك/ الفهم/ الوعي قادر على تهيئة الطفل في خلال رحلته للجهاد نحو السلام النفسي النسبي. ساهم في ذلك ميل هذا الطفل إلى الثقافة والاطلاع.
ولكن الأقسى من أن يعاصر هذا الطفل وينشأ في بلد محتل ويسعى أن يستوعب هذا كله، هو أن يجد نفسه داخل وطن مُمزق من داخله، قبل أن يكون مُمزق من الخارج! منقسم لحزبين كل منهم يأكل في الأخر ويترصد وينتقم! وكأن الإنسان لا يكفيه ما يعانيه تحت وطأة مُحـتل، فجلب لنفسه صراع أخر يدور حوله! مسكين هذا الإنسان، ومسكين من تكونت ذكرياته من هذا الواقع، وقوي من عبر عنها وأخرجها على هيئة كلمات. كلمات تحمل ضعف وهشاشة وحزن وفقد وخوف. كلمات تنزف ألم وجراح وموت. وتحمل أيضًا لحظات سعيدة دافئة نتج عنها بيت وأسرة وأولاد ومستقبل رغم أنف العـ.ـدو.
هذا كتاب من ذاكرة رجل، وسأقتبس منه ما قاله داخل كتابه: "والذاكرة احتفال بالنجاة". . ونصيحة هلى الهامش، لمن يريد أن يقرأ هذا الكتاب، قبل البدء فيه أعد لنفسك كوب من الشاي بالنعناع، أو فنجان من القهوة، لأن الكتاب أشبه بجلسة سمر طويلة مع الكاتب. جلسة طويلة ممتعة برغم ما فيها من وجع، ولكنها غير مُملة على الإطلاق. .. خمسة نجوم 2022 (16)
أمير دَاوُدَ الصديق الذي لم ألتقيه يوما على أرض الواقع أدهشني في كتابه " صديق نقطة الصفر" ككل مرة قرأت فيها نصا له على صفحة الفيس بوك. استطاع أمير أن يجسّد بطريقة مذهلة خيبات الشعب الفلسطيني ومآسيه وأوجاعه الممتدة. استطاع وبكل دقة رسم ما حدث في الشارع الفلسطيني ولا زال في فترة الانتفاضتين. اثناء قراءتي، ضحكت كثيرا، وبكيت أكثر ولا سيما في فصل عنوانه " موت أقرب" لا أعلم لم تخيلتني أمير! عاجزة وبائسة خائفة وحزينة. أن تواجه الموت وتراه على بعد شبر منك أو أقل ليس بالشيء السهل. ما حدث مع أمير أجزم أنه حدث وما زال ومن الممكن أن يحدث مع كل فلسطيني. نحن عرضة لمشاهد بائسة و بشعة ومذّلة. كتبت مرّة مقالا عن محمد الدرّة وقلت فيه أنَّني ابنة الانتفاضة الثانية، وأنني ورغم عمري الذي لم يتجاوز الخمس سنوات إلا أنّ بشاعة الأحداث وقساوتها لا زالت تتردد في ذهني، لا زلت اذكر صوت الدبابات التي كانت تجوب شوارعنا، وأصوات الجنود وهم يعلنون منع التجول، كنتُ كطفلة صغيرة و محمد الدرة كان اول شهيد تراه عيني، كنت اظنه اول شهيد وآخر شهيد ستراه عيني، ولكن حين كبرت أدركت أن الموت صنبور ماء لا يزال يقطر وان غسان الكنفاني لا زال يتسع لكثير من الموت. بانتظار أعمال شاهقة لأمير واسمح لي أن أقول: أنك كاتب كبير،ولست هاوٍ كما ادعيت. و كحسين البرغوثي الذي أدهشك يوما، ها أنت تدهشني.
عن فلسطين الحبيبة .. جرحنا الممدد في ثنايا العمر عن المقاومة والانتفاضة والالم والخوف عن الانسان عن الاحلام عنا نصوص بهية دافئة مبهرة وحكي سلس رقراق بسرد متمكن منساب منهر وديع كتاب جيد جدا انصح به
تقييمي للكتاب 6 من 5 حقيقة :) سألت أمير هل كل ما ورد في الكتاب حقيقي، وكانت إجابته ١٠٠% ! لا أدري كيف وصف أمير نفسه بالجبن في أكثر من موضع في الكتاب ولكن أنا أراه شجاع وشجاع جداً! كيف له أن يشاركنا تفاصيل حياته، وكيف له أن يحدثنا عن مخاوفه وعيوبه وأفكاره الجنونية نحن القراء على اختلافنا! يذكر لأمير أيضا أسلوبه البسيط السلس المليء بالعاطفة الصادقة، عن نفسي أبكاني مرات عدة وأضحكني أكثر. على كل، أنا أعرف أمير وأعلم أنه مطلع وثقافته واسعة وقادر على كتابة المعقد ولكنه اختار البساطة التي أراها أصعب وتحتاج ذكاء وحرفية أكثر بالمناسبة. صديق نقطة الصفر، أمير داود، بانتظار عمل آخر في أقرب وقت.
أنهيت سردية أمير داوود الجميلة وسبحت في ذكرياته في ذكريات الإنتفاضة الأولى والثانية....رأيت بطش الإحتلال ووجع مرير يمر به الفلسطيني في حياته تحت هذا الإحتلال سردية جميلة ذات واقع كئيب ولأول مرة أرى حياة فلسطيني يعيش في الضفة الغربية التي تتعرض لإجتياحات ومضايقات كثيرة من جنود الاحتلال كتاب رائع وأنصح بقرائته