لم أطلب إلى أولئك الناس الذين طلبوا إلي أن أصبر وأكافح أن يتحملوا عني بعض أعباء الحياة، ولو أن واجب الصداقة وأوامر الدين الحنيف تطلب ذلك. غير أني رجوت منهم أن يساعدوني برأيهم في وحشتي، فيدلوني على نوع من السلاح الذي يجب أن أحمله ويعينوا لي العدو الذي أقاتله. فإني لرجل له معدة كمعدهم تطلب الطعام في مواعيد منتظمة، وله جلد كجلودهم لابد له من الحماية.. لا، لا، سنسمع منهم، ولن نطيعهم، كل هذا سخف، هؤلاء الناس إنما يهزأون مني، إن كنز صبري الغني قد نضب ولم يبق في قوس التجلد منع ولا في رقعته مرتقع. فلأترك برلين للبرلينيين وللأجانب من أكلة النار والزجاج. أنا أطلب من برلين المستحيل ولكن أين المفر؟ إلى آكلي لحوم البشر؟ إلى نيام نيام؟ إلى مملكة الباب؟ أنا لا أطلب إلا عملا. أحصل من ورائه على سقف فوق رأسي وخبز وكتاب. أصاحب مطامع انا؟ لا. فلم يبق أمامي إلا الرحيل أو انتظار وقوع معجزة.
عجيب امرنا ، نتعلق في حياتنا باشياء ليست لها في حد ذاتها قيمة مادية كبرى ، نغضب ونثور اذا مسها ضُر ، ونسر لرؤيتها، ونلاعبها ونداعبها ونحنو عليها كأنها كائن حي، ونحوطها من الأحداث ، وندافع عنها السوء، ونوصي بها الأوفياء كأنها كنز الحياة ، تعوزنا الشجاعة عند مفارقتها ، ونذوب شوقاً اذا حيل بيننا وبينها، ونذكرها في الليل والنهار على السواء كلما عاد بنا الفكر الى امس الدابر . وليت شعري أى عجب في ذالك، وهي روح خالصة وإن تألفت من جماد امام اعيننا ، فهي سجل مرقوم لذكريات غالية علينا. لانحتاج في قراءتها الى تعلم حروف الهجاء، يستوي في ذالك المتعلم والأمي ، فهي رمز حي ناطق بلغة صاحبة ، يحدثه عن آماله الحلوة وعن أحبابه ، وإذا شئت حدثته فيصغي إليك وهو مُعلم متواضع ، وناصح كريم لا يضن عليك بالنصيحة ، ولا يدل عليك بعلمه، هي جزء منا ونحن جزء منها، لا، بل هي على الأصح جزء من روحنا ، وما أغلى من الروح وأرخص من المادة ...