يقول حسين المحروس في حديثه حول كتابة السيرة: "إذا كنت من النوع الذي لا يلتفت، لا تكتب سيرة أحد. فأساس كتابة السيرة، هو أساس الكتابة: أن تلتفت". فما بالك فيما لو كانت هذه الإلتفاتة إلتفاتة صحفي متمرس.
(الإلتفات) هذا ما يفعله تماماً الصحفي والكاتب محمد فاضل في منجزه "كردم". يقف على ناصية نوستالجيا متشظية ليحكي لنا سيرة المكان. نصوص قد تبدو منفصلة عن بعضها البعض، ولكن المكان يبسط حضوره تحت أقدامها، كخيط رفيع جداً يجمعها، يلملمها تحت مظلة واحدة. لذلك، إن كان من ثمة بطولة لهذه النصوص، لو اعتبرناها نصاً واحداً، ستحيلنا الدلالات إلى (المكان) بوصفه فضاء ينمو ويتطور ويتغير يؤثر ويتأثر.
ينزاح محمد فاضل في "كردمه" إلى الإنسان البسيط جداً، الإنسان الذي لن تلتفت إليه ولن يستوقفك فيما لو لم تكن كاتباً أو صحافياً يمتلك عيناً مختلفة ومتلفتة. بهذه الشخصيات يؤثث محمد فاضل مكانه بشيء من الأهمية. قد تتقاطع نصوص "كردم" مع العديد من المنجزات التي يكون عمودها الفقري فكرة الحنين إلى التراث أو الزمن القديم، والفكرة هنا ليست في تقاطعها من عدمه، فالتراث فكرة مباحة وخصبة على مستوى السرد والدراما والمسرح، على عكس من يظن ويروّج (ملّينا وتعبنا من النصوص التراثية)، هي نصوص قادرة على التجريب والحفر والمغايرة. الفكرة ببساطة تكمن في كيفية تناولها.