ليل طنجة – محمد سعيد احجيوج
لكل قارئ عالمه الخاص، ورغم سعينا الدائم نحو تنوع المقروئية، وبحثنا المستمر عن طرق أبواب التجارب السردية المختلفة، إلا أن الذائقة تهفو دوما نحو ما يروقها، وتتعامل بحذر مع ما يعاكس هواها، وحدها النصوص الممتازة التي تمتلك القدرة على "جرك" نحو عالمها رغما عنك، وهذا ما نجحت فيه رواية "ليل طنجة" باقتدار.
ينظر القارئ العربي -عموما- إلى التجريب بعين الريبة، أولا للصعوبة التي يواجهها في الفصل بين "الرواية" و "الحكاية"، وثانيا لما ارتكبه بعض الكتاب في تجنيهم على تجريب أدب "ما بعد الحداثة" (المصطلح الذي جرى تمييعه إلى حد لا يطاق، وهذا موضوع آخر)، وذلك بتحويله إلى تخريب، يكاد يطابق (على سبيل التشبيه الساخر) القصة الشهيرة للغراب الذي سعى إلى تقليد مشية الحمامة، فنسي مشيته هو، وفقد بالتالي هويته الأصلية.
"ليل طنجة" رواية كتابة بامتياز، لا يتجاوز عدد صفحاتها ال 150، مع انتصار احجيوج للنوفيلا وامتلاكه لأدوات إتقانها، لكنها نوفيلا متفردة، لا تمنح كل أسرارها للقارئ دفعة واحدة، وهي أبعد ما تكون عن نموذج "استلق وتدثر بأغطيتك وسلم نفسك للسرد"، بل على العكس من ذلك، فمحمد سعيد يضعك أمام تحد صعب، يشبه مستويات لعبة فيديو، لابد من تجاوز مطبات كل مستوى قبل المرور إلى الذي يليه، بعدما تلاعب بكل البديهيات التي تشكل مثلث السرد (من؟ ماذا؟ لماذا؟)، فالمطلوب منك أولا أن تفرق بين المؤلف والسارد والشخصية، وتطرح سؤال "من يكتب؟"، بعدما أفلح الكاتب في خلط أوراق هذا الثلاثي، قبل نقلك إلى مستوى ثان، هو القبض على إجابة لسؤال "ماذا يكتب؟"، فالباحث هنا عن "الحكاية" سيجد حكايات، كما الباحث عن "الرواية" الذي سيتشتت بين روايات، أو بالأحرى "مسودات" روايات، يزرع الكاتب بذورها، تاركا للقارئ مهمة حصادها، والبحث فيها عن "الواقعي" و"الخيالي" و"ما يتأرجح بينهما"، وصولا إلى المستوى الأخير "لماذا يكتب؟"، هل ليشخص ليل طنجة (أو بالأحرى ما يجري ويدور خلف أبوابها المغلقة وبين أزقتها الضيقة والمظلمة)؟ أم ليبث هموم وشكوى ضحايا السرطان الذي يفتك بعدد كبير من أبناء الشمال، مذ تفتق ذهن شيطان إسباني عن قصف قرى الريف الصامد بغاز الخردل، ردا على الهزيمة الشنعاء في أنوال؟ هل كتبها ليعري حقيقة الواقع الثقافي الطنجاوي والمغربي، مشيرا إلى تجربة مجلة أدبية انطلقت بمجهود ذاتي وكابدت كل أنواع الصعوبات؟ أم ليأخذ بيد القارئ مستعرضا أمامه تشكيلة متنوعة من "أواني" مطبخ الكتابة؟ وكل هذا ضمن إطار شكلي يقدم الرواية كاملة ك "دفقة" واحدة، لا تهتم بالتقسيم التقليدي للفصول، وتستدعي تقنية التداعي أو تيار الوعي لتوظفها بذكاء قادر على تحريك البوصلة، بين أعلى درجات سمو النفس البشرية، وأسفل دركات بذاءتها.
"ليل طنجة – الرواية الأخيرة" عمل جميل استمتعت بقراءته، بعد "استيلائي" المؤقت على النسخة الوحيدة المتوفرة حاليا بالمغرب، متمنيا وصولها إلى المكتبات في أقرب وقت، واطلاع القراء (كما النقاد) على تجربة كاتب له أسلوبه ورؤيته الخاصة للرواية، رؤية يرفض الاستسلام لكل "مغريات" التخلي عنها...