ديوان تقليدي كثيرًا في الصور والمعاني، أحبَّ شاعرها أن يدرج نفسه تحت لواء حركة أبولّو في الشعر، لمعرفته برائدها أحمد زكي أبو شادي، وما أظن إلا أنه وجد أن حركة الرومانتيكيين كانت ذائعة فحشرَ نفسه بينهم غصبًا، وكتب بعض قصائده على سماتهم المعروفة عنهم، من المقطّعات والتنوّع في القافية والخيال الرومانسي ومخاطبة القمر والنجوم والليل .. ولكنه على أي حال لم يكن منهم، فقد مال في أكثر هذا الديوان القصير (الذي نجا من مصير سائر قصائده) إلى النظم بشكل تقليدي بحت في الأسلوب والمعاني، وإن دعاه أبناؤه، الذين توّلوا نشر هذا الديوان، مِن شعراء أبولو المتأخرين.
وأما لغته فقد خدعتني منذ القصيدة الأولى، فاللغة جميلة، وحسنة السبك كما يقولون، والشعر يبدو رصينًا، ولكني انتهيت من القصيدة الأولى، والتي هي في مدح الرسول، ثم قلت لنفسي ما الجديد الذي قاله؟ ولم أجد شيئًا، فقط كلام منظوم في لغة جميلة، ولكنه كله مكرر، ففيها يقول: فكم صنم تحطّم في يديه = وكان لقومه الحصن الحصينا همو عبدوه دون الله ربًا = ويا لضلالةِ المتعبدينا وكم سفهٍ أضلَّ الناس دهرًا = وباءوا بالضلالةِ خاسرينا تولى عند مبعثه كسيرًا = يحاذر أن يصرّح أو يبينا وجاهدَ في سبيل الله حتى = أذلّ جهادُه المتكبرينا وصابرَ قومه لمّا أشاحوا = عن الحقِ المبلج مدبرينا وليس محمد إلا رسولاً = هدى بالنور قومًا غافلينا أقام السمحة البلقاء دينًا = حنيفًا للخليقةِ أجمعينا فقلَّد هامةَ التاريخ تاجًا = تخرّ له الجبابر ساجدينا
وها أن اللغة عربية صحيحة وجميلة ومنظومة .. ولكن أين الشعر؟
بل لعل ما يمكن تسميته بالشعر هنا، حسب صدق العاطفة وانطلاق المعاني، هو ما قاله عند مرض زوجته، وعند وفاتها، وتلك المقطوعات الأخيرة التي نشرها تحت عنوان خواطر.
وذيّل الديوان بصفحات لم يتمّها من مذكراته، لم أر فيها غناء كثير، فهي لم تكد تروي شيئًا حتى انتهت! حكى في صفحات معدودة عن طفولته في القرية، واستخدم الكثير من المفردات والتشبيهات القرآنية من أجل معاني جدّ هيّنة! من ذهابه للكتّاب ولعبه في الزقاق وحديثه المقتضب عن بعض رجال قريته، وصراحة نفد صبري من هذا الأسلوب البياني الثقيل الذي لم يكن يناسب طبيعة المذكرات، وسعدت لإنهاء كتاب لا أحسب أني استمتعت بقراءته.