شخصيات رواية "طعم النوم" عندها انتقاد واضح ومحدد لروايتين "الجميلات النائمات" و"سيرة عاهراتي الحزاني", الا وهو أن الشخصيات النسائية فيها مش شخصيات حقيقية، مش من لحم ودم (لو أن الروايتين حرفيا عن لحمهم ودعمهم), عرايس، مجرد مرايات العواجيز دول بيشوفوا نفسهم فيها، ايماءات وتلميحات لقصص وليسوا قصصاً، ليسوا أشخاصاً، هم شيء تحت تحكم وتحت سلطة الرجال وسردية هم اللي بيدوها سياق. رواية طعم النوم بتقولك أنها هتعمل العكس، هتدي النساء دي صوت وبالتالي تديهم البطولة، ودا ينفع رواية لوحده، واليفيتور بيتش كافي لرواية "الجميلات النائمات بس من منظور السن" وانا بدأت قراية الرواية اصلا بناءاً علي دا. بس طعم النوم مش كدا، طعم النوم هي رواية عن السرد نفسه، عن الحواديت كمفهوم فلسفي، هي رواية بتتفكك وتتحلل ويعاد تشكيلها وتلف وتتغير زي ثعبان بياكل ديله، رواية تفكيكية عن تفكيكها لنفسها، والنتيجة أن النساء هنا بتفضل حبيسات برضو، نفس السلطة الأبوية الذكورية موجودة بس السرد ذات نفسه وحتميته وقدره ليتحول لسلطة عليهم برضو، ودرجات التناص بتحولهم من شخصيات لمرايات وانعكاسات وايماءات، ويمكن بشكل أكثر قسوة بكتير من روايتين كاواباتا وماركيز. (ايوه أي شخصية في أي عمل سردي هي بالضرورة حبيسة الحدوتة والسرد والكلمات، بس لما يبقي العمل عن السرد ذات نفسه بالشكل دا الحبسة نفسها بتبقي أوضح)
مش بقول دا كانتقاد، (لو انك لو عايز تنتقد ممكن تقول أن الرواية من كتر التفكيك مفيهاش حاجة، دا هد المبني بدون ما يبني حاجة مكانه، علشان كل ما بيبني حاجة بيعيد تفكيكها زيه زي رئيس جمهورية كدا بيهد وبيبني بدون دراسة جدوي في حالة هيسترية خنق شاطيء اسكندرية بالكافيهات والخرسانة) لأن النص به ما يكفي من البصيرة ومعالجة النص اللي تخليك تقول "ايوه هو اكيد واخد باله من دا وعارف دا" (لو اني مش متأكد، يمكن الرواية كانت شايفة أنها كدا بتحررهم، أن شهرزاد ممكن تبقي الأم والبنت وروزا في نفس الوقت ،واي حد ممكن يبقي اي حد واي حاجة), ولأن هذا المصير والتفكيك بيصيب برضو الرجالة العواجيز مش الستات بس، ليصبح الكل سواء تحت بطش ووطأة نفس القوي الخانقة والمتحكمة (أو يمكن العواجيز الرجال حالهم اصعب شويتين) ،وفي رواية في الأساس عن السلطة والقمع وزيف السردية (دا بنشوفه من التلميحات السياسية الخفيفة اللي في الرواية، دا نص بيشرح وبعيد شرح كل قرار فلسفي وسردي ونقدي هو بيعمله، بس بيعامل أفكاره السياسية باستحياء وتخفي مقصود لحد ما ربنا يفرجها، بيخلي خطوط السرد اللي بتلف حوالين بعضها زي الاسباجيتي تعمل دائرة حوالين الفيل اللي في الغرفة بدون ما تلمسه, تحاوطه كجدار زي الجدران الكتير في النص. رغم أن تاريخ ١٤ اغسطس ٢٠١٣ بيتذكر كتير في الرواية، كنقطة مفصلية للمأساة اللي العود الأبدي اللي النص كله قائم عليه وبيدور وبيتكرر، إلا أن زي ما عمنا نجيب محفوظ قال "آفة حارتنا أنها متعرفش ايه اللي حصل في أغسطس ٢٠١٣")
رقصة بين ثنائيات، رجل ومرأة، شابة وعجوزة، كبيرة وصغيرة، ام وبنت، ادب غربي (كاواباتا وماركيز) وأدب شرقي (الف ليلة وليلة)، يتبادلان الأدوار في اكل بعضهم البعض لحد ما يوصلوا لحد وسط ويعملوا 69 ،ين ويانج، رقصة متبادلة بين الثنائيات لدرجة أنها هي نفسها نص متناقض يصبح شديد الثراء والخواء معاً
هذه الرواية هي -وعدم اللامؤاخذة- "عشرات" المسودات والأفكار والقصص المبتورة والخطوط المتشابكة الغير مكتملة، نص بيوصف نفسه اكتر ما بيوصف النصوص التانية اللي هو بيعمل تناص ليها، أو بيفصصها عن طريق التشريح الذاتي، كطبيب شرعي شق بطنه بسكين. مسودات وافكار وحكايات غير مكتملة، هم مش العواجيز بيشوفوا ماضيهم كدا؟ في لحظات الندم والتأمل علي فراش الموت؟ مسودات وافكار وحكايات غير مكتملة، مش الش��اب بيشوفوا مستقبلهم كدا؟ في لحظات القلق والتفكير برضو علي نفس الفراش؟
النص اللي بيبدأ بوعد كاذب أنه هيحرر نساء كواباتا وماركيز، تدريجياً بيرسم حدود السجن/الحلقة المفرغة اللي كلنا محبوسين فيه، وبيقولك "يلا مفيش حد هيتحرر هنا لا رجالة ولا ستات، ولا حد هيخلص روايات ولا هيحقق احلام هنا!".. ويمكن صعب ترسم سجن أو حلقة مفرغة من غير ما تخلي الحلقة المفرغة دي... "مفرغة" ،فالرواية رغم اني كنت مسحور ومنبهر في أجزاء كتير منها وكان فيها لحظات وتجليات عظيمة، بس نهاية الرواية انتابني احساس بالخواء، احساس اني عجوز، اني بكمل قراية مش متعة ولا استمتاع ولا فضول بل بفعل القصور الذاتي، عايز اخلصها رغبة في الخلاص.
يمكن كل الشباب راحوا، يا اتقتلوا في حرب يا في اعتصام، يا اللي فاضل منهم اتجند إجبارياً، يا بيدعوا النوم يمكن يعرفوا يحلموا بحاجة تاني، او أجساد صامتة مغمضة العيون متعرفش نايمة ولا ميتة. ويمكن علشان كدا مش فاضللنا، غير مدينة العجائز.