تبقى السلطة محورًا رئيسًا تدور حوله الصراعات السياسية والاجتماعية في اليمن، الظاهرة منها أو الخفية. وفي قلب المشهد اليمني الراهن المتسم بالاضطراب والتعقيد، يخوض اليمنيون جدلًا حول الانتماءات العصبوية للحكام أو السلطة، متهمين بعضهم بعضًا بالسيطرة على هذه السلطة والاستئثار بها. وترجع أهمية هذه الظاهرة وخطورتها إلى قدرتها على اختزال المشهد اليمني بتعقيداته وتفاعلاته كلّها، وعلى تفسير ما يجري فيه. فهي ترتبط بالمشهد السياسي المضطرب في علاقة تعبِّر عن نفسها بالتطابق الكبير بين حدود الجدل حول هوية السلطة وحدود أهم الصراعات الناشطة في البلاد. ليست إثارة سؤال هوية السلطة ظاهرة جديدة على اليمن، لذا يهدف هذا الكتاب إلى التعرف إلى توزيع السلطة بين الهويات المحلية الم
البحث مثير للاهتمام وبدأ بشكل علمي رصين ورصد معلومات تاريخية مهمة ونتائج مهمة ...ومن منتصف الكتاب عاد المؤلف لنسف ما أثبته، وسرد ما يتناقض مع ماء توصل له. مشكلة الباحث اليمني أنه ينتقي من الحقائق ما يدعم توجه سياسي معين...شيء مؤسف الكتاب يقع في 240 صفحة، من منشورات المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات للعام 2019.
يحتوي الكتاب على مقدمة وأربعة فصول.
في المقدمة يقدم المؤلف تعاريف لكل من السلطة والهوية. ويبدو واضحا أن الكاتب بذل مجهود كبير في توضيح حقيقة الهوية باليمن، حيث يفحص هوية السلطة في اليمن على مستويات عدة:
1- الانتماء العصبوي للحكام، حيث ينفذ مسح تاريخي للانتماءات العصبوية للحكام في اليمن.
2- الانتماء الجهوي
يضع المؤلف توضيح للأعراق في اليمن:
العرق العربي ، والعشيرة قحطان أو عدنان. يتفرع من قحطان حمير ومنها كهلان الذي يتفرع منها همدان بشقيها حاشد وبكيل، ومذحج، وكنده، والأزد.
أما عدنان فيتفرع منها: قريش بشقيها الأموي والهاشمي.
وفي الفصل الأول الذي يحمل عنوان: الاستئثار بالسلطة في اليمن دعاوي الحاضر وحقائق التاريخ
يشرح الكاتب كيف يدور الجدل حول هوية السلطة في اليمن على المستوى الجهوي والعشائري والمذهبي.
وهناك من يرفع دعوى سيطرة الزيود على السلطة واستمرارية تلك السيطرة، وتقول الدعوى بسيطرة الهاشميين على السلطة طوال الأحد عشر قرنا الماضية. ويسرد الباحث طبائع السلطة في التاريخ اليمني بالتفصيل للتحقق من هذه الدعاوي.
الفصل الثاني: التوزيع الهوياتي للسلطة في اليمن
يؤكد الباحث أن هناك كثير من الجدل وقليل من الحقائق. ويأخذنا الباحث في مسح ومراجعة لكل ماكتب عن تاريخ اليمن ومن حكم، ويلخص الكاتب اسماء الدول التي حكمت اليمن وتاريخ ظهورها وتاريخ أفولها ومدة الحكم ونوع الانتماء العرقي والعشائري لها والانتماء المذهبي واسم العاصمة في جدول، وفي جدول آخر ياخص الانتماءات العصبوية لحكام العهد الجمهوري من حيث الانتماء المذهبي والعشيرة وفترة الحكم والانتماء المناطقي.
ويتوصل المؤلف إلى النتائج التالية التي يلخصها في جداول ورسومات بيانية توضيحية:
أهم العواصم بحسب فترة الحكم: 41% زبيد، 31% صنعاء، 28% تعز.
توزيع السلطة بين القحطانيين والعدنانيين بحسب الدول: 69% قحطانيين، 23% عدنانيين.
توزيع السلطة بين السنة والشيعة بحسب فترة الحكم: 65% سنة، 25% شيعة زيدية، 10% شيعة اسماعيلية.
ويؤكد أن السلطة تنقلت بين مختلف الانتماءات، وهذا ينقض اي تصور حول سيطرة نسب أو هوية بعينها على السلطة، وينقض على وجه الخصوص التصور الشائع بين اليمنيين والدعوى المركزية في جدلهم حول هوية السلطة التي تتهم الأئمة الهاشميين بالسيطرة على السلطة في البلاد أكثر من ألف عام.
ويخلص إلى أن هوية السلطة في اليمن لم تكن هوية جامدة، بل هوية متحركة وتعددية وعابرة للانتماءات. فقد تنقلت بين اليمنيين بمختلف هوياتهم؛ بين ذوي الأصول العربية وذوي الأصول الأفريقية، وبين القحطانيين الحميريين والكهلانيين، وبين العدنانيين الهاشميين والأمويين، كما تداولتها الجغرافيات المختلفة.
وتثبت النتائج التي توصل لها الباحث كما يقول في النهاية، أن جدل اليمنيين حول هوية السلطة لا يقيم علاقة صحيحة مع تاريخ السلطة وتاريخ السياسة وصراعاتها في البلاد، وتثبت أن مالدى هذا الجدل وأصحابه من تصورات وأحكام بشأن هوية السلطة عبر التاريخ ليست أكثر من مسلمات شعبية بنت نفسها خارج الوعي بالتاريخ، ولا علاقة لها بحقائقه.
العجيب أن الكاتب يعود لينسف كل ذلك في الفصلين الثالث والرابع:
يعرج في صفحة 133 لليمن الجمهوري حيث يقول:
" ففي اليمن الجمهوري مثلا، أصبحت السلطة والمعارضة والجماعات السياسية والأيديولوجيات والمواقف تُعرف وتصنف على أساس جهوي؛ فالعقائد والأيديولوجيات السياسية التقدمية ( اليسارية والقومية) ارتبطت باليمن الأسفل وبالجنوب، في حين ارتبطت العقائد المحافظة أو الرجعية السياسية باليمن الأعلى. "
ويلمح لحوادث حدثت في أغسطس 1968 حيث كادت الخلافات والمواجهات بين الجمهوريين تتحول إلى مواجهة بين اليمن الأعلى واليمن الأسفل. "
" وتظل حوادث يناير 1986 في عدن أحد أهم ما يقدمه لنا الزمن الجمهوري من شواهد على ارتداء الصراع السياسي حلة مناطقية صارخة، فقد انقسم المتصارعون في الجنوب إلى فريقين: الزمرة والطغمة. الزمرة مناطق شبوة وأبين، والطغمة ردفان والضالع وإلى حد ما حضرموت. إن أهمية هذا المثل ودلالته تأتيان من كون الصراع حدث بين مجموعة من التقدميين الذين أعلنوا إيمانهم وتبنيهم الاشتراكية والأممية."
وهذا تحليل مهم لكنه غير كاف ، لكنه لم يضع تفصيلات كافية ليفهم القارئ حقيقة ما حدث، وكأن ذلك كان مدخل لتبرير ما سيأتي في الصفحات التالية التي تتناقض مع ما جاء في الفصلين السابقين.
ابتداء من الفصل الثالث وحتى نهاية الكتاب، يخلط حقائق تاريخية وسياسية بتحليلات متحيزة وأقوال أثبت عدم صحتها سابقا.
ويبدو أن البحث والدراسة كانت هي الفصلين الأول والثاني أما الفصلين الأخيرين الثالث والرابع ليستا إلا محاولات لإرضاء طرف سياسي معين على حساب مبادئ البحث والدراسة العلمية الحقيقية.
ومما يؤسف له أن هذا الأمر يبدو شائعا في كثير من الدراسات والتحليلات اليمنية، فنادرا ما نجد باحث يلتزم بشروط الحياد والنزاهة العلمية.
السؤال هل يتعرض الباحث اليمني لضغوط تجبره على ذلك؟