السعادة و الشقاء ليس كتابا واحدا بل هو تسعة كتب فهو يشمل عزاء الى ماركيا ، عزاء الى هليفا ، عزاء الى بولسبوس ، قصر الحياة ، عن صمود الحكيم ، سكينة العقل ، عن وقت الفراغ ، عن الحياة السعيدة و عن العناية الربانية
سيجد القارئ أن سينيكا يعتمد على طريقة الحوار في كتاباته، فهو يطرح السؤال ثم يجيب عليه ثم يعمد الى طرح الأدلة التي تمكنه في النهاية من استخلاص الحكمة التي يطرحها بمنتهى البساطة
تبدو كتابات سينيكا مناقشات تدور مع رجل كهل حكيم، قد خبر الحياة و عرف أسرارها، و تعلم في مدرستها الكبرى
Lucius Annaeus Seneca (often known simply as Seneca or Seneca the Younger); ca. 4 BC – 65 AD) was a Roman Stoic philosopher, statesman, and dramatist of the Silver Age of Latin literature. He was tutor and later advisor to emperor Nero, who later forced him to commit suicide for alleged complicity in the Pisonian conspiracy to have him assassinated.
في كتاب "عزاءات الفلسفة" لألان دو بوتون، ورد ذكر سينيكا في فصل " عزاء في شأن الاحباط"، وأنه يتأقلم مع الظروف بفضل سنوات من التأمل الصباحي، وفترات تناول الحساء الباهت". وبطبيعتي التي تميل إلى التعاطي مع الحياة وجدانيا، وقعتُ في حب فلسفته، وكم بدا لي شيئا ساحرا أن يفصل بيننا ألفي سنة، ولا تزال كلماته تصلح عزاءا لي.
كان هذا بداية معرفتي بالفيلسوف الروماني " لوكيوس أنايوس سينيكا"، الذي عاش في القرن الأول الميلادي، وكان قد ولد قبل الميلاد بأربع سنين. وكم سررت حين علمتُ بصدور كتاب عن دار أفاق يتضمن خلاصة فلسفته في الحياة.، ويحمل عنوان " محاورات في السعادة والشقاء"، فسارعتُ إلى اقتنائه.
"العزاء" هو جنس أدبي قديم، ويتضمن هذا الكتاب إحدى أقدم العزاءات على الإطلاق. تعددت مواضيع العزاء، بين الموت وفراق الأحبة ، وبعد المسافات، وعزاءات بشأن التعاطي مع الحياة : في أوقات الفراغ، وسكينة العقل، وصمود الحكيم، والحياة السعيدة. أن يواسيك حكيم في مصابك ليس مثل أن يواسيك أي كان، فهو لا يهرب بك من المصيبة بل يضعك أمامها وجها لوجه، ويجبرك إلى تشريحها بينما نياط قلبك لا تزال تتقطع، وينتهي بك أن تتقبلها كأمر لا مفر منه.
ترجمة هذا الكتاب كانت كارثية، بعض الجمل صياغتها غير سليمة، وليست مفهومة بتاتا. ومن الملاحظ أن هذا مصير ترجمة معظم النصوص القديمة، وغير الواضحة حتى في نصها الأصلي. وحتى لو أخذنا بهذا العذر، فهذا لا يشفع أبدا الأخطاء اللغوية والإملائية التي تكاد لا تخلو صفحة منها، وهي مزعجة للقارئ.
::انطباع عام شخصي جدًا:: =============== "لا يمكن العثور على المثال العظيم إلا في الحظ التعس." واهًا! يا حبيبي يا سينيكا! يا للأقدار وكيف تجري! رافقني هذا الكتاب في أصعب شهر (سبتمبر) في هذه السنة - فأثناء قراءته مررت بتجربة عمل جديد صعبة؛ ومقاربة شبه افتراق عن حبيبة قلب؛ وأخيرًا عملية جراحية فورية تحت تخدير كلي! كل هذا، وسينيكا يجلس على كنبتي ينتظرني كل ليلة لأقرأ منه بضع صفحات ثم أغلقه. ليلة عمليتي الجراحية الساعة 2 صباحًا كنت ممددًا والألم متوحش في جسدي والأرق أخذ مني كل مأخذ، وأنا جالس على كنبتي أقرأ رسائل سينيكا المعزية لأصدقائه. كيف هي توازيات القدر؟ كل كلمة قالها سينيكا كنت أفهمها، كل عبارة خرجت منه كانت تمتزج بي في الخلايا العقلية، هذا المخلوق أحبّه؛ كان سلوانًا حقيقيًا لي - أعظم سلوان هو السلوان العقلي. "دع الطبيعة تستعمل أجسامها كما تريد." ما ألذ تلك المتعة الفكرية في التحاور مع مثيل سينيكا ومبادلته عقليًا! كعادته ينتمي للرواقية لكنه يتمرد عليها ويضيف من عقله عليها، فنجده في عزاءاته لا يوصم الحزن بوصمة عار كالرواقيين بل يتقبله ويحتويه ثم يرشد إلى كيفية وضع الحد له وتحجيمه. عبارة سينيكا تنبض بالحياة ولديه مقدرة جبارة على التناقل السلس بين الأفكار الفلسفية والصور الاستعارية الحية والأمثلة التاريخية والتعليق عليها بأسلوبه المميز كما يستطيع الاستشهاد بالتاريخ بحرفية أدبية عالية. أحب كذلك تناقضات سينيكا وأضمها لي. "كل الأشياء التي يستعملها الحكيم هي على سبيل الإعارة؛ فمن يستاء مما ليس له؟ الحكيم لا يتأذى." كانت الترجمة من الدكتور حمادة قريبة جدًا من النص الأصلي مما جعلها غامضة وغير عربية، وهذه ميزة من وجهة نظري، لذلك كانت الترجمة في بعض المواضع تحتاج لمجهود لفهم المغزى، لكن المتآلف مع سينيكا وأسلوبه، ولديه خلفية عن التاريخ الروماني والرواقية، لن يجد أي صعوبة في قراءة المعاني بين السطور. "قد تفعل الأضرار لكن الحكيم لا يتلقاها." بهذا الكتاب أكون قد انتهيت من معظم ما كتبه سينيكا الحبيب وهي الرسائل الآتية (وهكذا ينقصني فقط قراءة درامياته):- (1) رسالة "عن العناية الربانية" - موجه إلى لوسيليوس صديقه (2) رسالة "عن صمود الحكيم" - موجه إلى سيرينوس صديقه (3) كتاب "حول الغضب" - دراسة في عواقب الغضب والتحكم فيه - موجه إلى أخيه نوفاتوس (3 فصول) (4) رسالة "عزاء إلى ماركيا" - يُعزيها في وفاة ابنها (5) رسالة "عن الحياة السعيدة" - موجه إلى غاليو أخيه (6) رسالة "عن وقت الفراغ" - موجه إلى سيرينوس صديقه (7) رسالة "عن سكينة العقل" - موجه إلى سيرينوس صديقه (8) رسالة "عن قصر الحياة" - مقال يشرح أن أي عمر طويل يكفي إذا عُيش بحكمة مُوجَّه إلى بولينوس (9) رسالة "عزاء إلى بوليبوس" - يُعزيه فيها بوفاة أخيه. (10) رسالة "عزاء إلى هيلفيا" - رسالة إلى والدته يُعزيها فيها بغيابه أثناء المنفى. (11) كتاب "حول العفو" - كُتب إلى نيرون حول ضرورة الرحمة كفضيلة في الإمبراطور. (12) كتاب "عن الإحسان" (13) كتاب "تأليه كلاوديوس الإلهي" أبوكولوسينتوسيس ديفي كلودي - عمل ساخر. (14) مجموعة الرسائل الأخلاقية إلى لوسيوس أو رسائل من المنفى – مجموعة مكونة من 124 رسالة، مقسمة أحيانًا إلى 20 كتابًا، تتناول القضايا الأخلاقية المكتوبة للوسيليوس الصغير. (15) المسائل الطبيعية - [سبعة فصول] نظرات حول النظريات القديمة في علم الكونيات والأرصاد الجوية ومواضيع مماثلة. ((مازلتُ أبحث عن الكتاب لقراءته) *** ::في سطور:: ========= "لا أحد يُكسر بمعاداة الحظ إذا لم يُخدع أولاً بفضله." ينقسم هذا الكتاب إلى قسمين كبيرين: (1) محاورات الشقاء وهي رسائل العزاء التي كتبها سينيكا إلى ثلاثة أشخاص: ماركيا؛ هيلفيا؛ بوليبوس (2) محاورات السعادة وهي رسائل السعادة الرواقية وكيفية تحققها وهي مقالات على شكل رسائل تتفاوت في الطول عددها ست رسائل: قصر الحياة؛ صمود الحكيم؛ سكينة العقل؛ وقت الفراغ؛ الحياة السعيدة؛ العناية الربانية. *** (1) العزاء إلى ماركيا ============ "الأماني أشد ضررًا من المخاوف." الحكيم الرواقي لا يشعر بالحزن على الإطلاق لأن الحزن مثل الانفعالات الأخرى، هو نتاج المعتقد الخاطئ عن الطبيعة والحياة والموت، ورغم ذلك لا يجب إنكار الحزن أو التشدد في عدم إظهاره عند سينيكا.
يلتزم سينيكا في مقالته بتجريدات فلسفية تتعلق بمبادئ الرواقية للحياة والموت. ورغم أنه يقدم رسالة تعزية، إلا أنه يفتقر بشكل ملحوظ إلى التعاطف مع حزن ماركيا وفقدها الشخصي. حزنت ماركيا بشدة على وفاة ابنها ميتيليوس لأكثر من ثلاث سنوات. يحاول سينيكا إقناعها بأن مصير ابنها، وإن كان مأساويًا، إلا أنه ما كان ينبغي أن يكون مفاجئًا. كانت تعرف أمهات كثيرات فقدن أبناءهن؛ فلماذا تتوقع أن يبقى ابنها على قيد الحياة بعد وفاتها؟ إن الإقرار، بل وحتى توقع، أسوأ النتائج المحتملة هو مبدأ أساسي في فلسفة سينيكا الرواقية. وبينما تعاطف سينيكا، ذكّرها بأننا "نولد في عالم من الأشياء كلها محكوم عليها بالفناء"، وأنه إذا استطاعت أن تتقبل أن لا أحد يضمن حياة عادلة (أي حياة يعيش فيها الأبناء دائمًا بعد أمهاتهم)، فإنها ستنهي حزنها أخيرًا وتعيش بقية حياتها بسلام.
قارن سينيكا بين نموذجين للحزن الأمومي عن الفقد: نموذج أوكتافيا الصغرى، شقيقة أغسطس، التي عندما فقدت ابنها الوحيد مارسيلوس في العشرينيات من عمره، "لم تضع حدودًا لدموعها وأنينها"؛ مع مثال ليفيا، زوجة أغسطس، التي عندما فقدت ابنها دروسوس "بمجرد أن وضعته في القبر، مع ابنها، تجاهلت حزنها، ولم تحزن أكثر مما هو محترم لقيصر أو تيبيريوس الجميل، عندما رأوا أنهما على قيد الحياة". *** (2) العزاء إلى هيلفيا ============ لا يمكن نفي الحكيم الرواقي فهو مواطن عالمي يجد كفافه في كل أرض جديدة ويكفيه أنه يحمل فضائله معه فأينما يمضي تتبعه فضيلته الفردية. ("دي كونسولاتسيوني آد هيلفيام ماتريم") أو التعزية إلى هيلفيا الأم، يكتب سينيكا إلى والدته ليعزيها في منفاه الأخير إلى كورسيكا. في هذا العمل، يستخدم سينيكا العديد من الأساليب البلاغية الشائعة في النوع الأدبي عن العزاءات، مع دمج فلسفته الرواقية. سينيكا هو المعزي والمسبب للألم في هذا العمل، ويشير إلى هذه المفارقة في النص. كان قد اتُهم سينيكا بالزنا مع جوليا ليفيلا، شقيقة الإمبراطور كاليجولا، عام 41 ميلاديًا. نُفي بعد ذلك بوقت قصير إلى كورسيكا. خلص الباحثون إلى أن هذه الرسالة يعود تاريخها تقريبًا إلى عامي 42/43 ميلاديًا. في النص، يخبر سينيكا والدته أنه لا يشعر بالحزن، وبالتالي لا ينبغي لها أن تحزن على غيابه. يشير إلى نفيه على أنه مجرد "تغيير للمكان"، ويطمئنها أن نفيه لم يجلب له مشاعر العار. يُعلّق سينيكا على شخصية والدته القوية كفضيلة تُمكّنها من تحمّل غيابه. تتّبع نظرة سينيكا الإيجابية ظاهريًا لنفيه تعاليمه الفلسفية الرواقية التي تُلزم المرء بعدم الانزعاج من الأحداث الخارجة عن السيطرة. يُظهر هذا الاقتباس وصف سينيكا لحياته بأنها مُحتملة، بل ومُمتعة روحيًا: "أنا سعيد ومُبتهج، كما لو كنت في أفضل الظروف. وبالفعل، هذه هي الأفضل الآن، لأن روحي، المُجرّدة من كل انشغالات أخرى، لديها مجال لأنشطتها الخاصة، وهي إما تُسعد بالدراسات الأسهل أو تنهض مُتحمسة للحقيقة، مُتأملةً في طبيعتها وطبيعتها الكونية..." *** (3) العزاء إلى بوليبوس ============= الطبيعة تدعو كل شيء لنفس النهاية؛ فهي قد اتخذت أفجع شيء فعلته وجعلته كليًا، وحتى تكون معاملة القدر مساوية للجميع، فبعض التعزية في قسوة القدر. إن في حتمية الموت سعادة بالغة: لا نوقن بأي شيء. يخاطب سينيكا بوليبيوس، السكرتير الأدبي للإمبراطور كلوديوس، لتعزيته في وفاة شقيقه. تحتوي المقالة على فلسفة سينيكا الرواقية، مع اهتمام خاص بواقع الموت الذي لا مفر منه. على الرغم من أن المقالة تتناول مسألة شخصية للغاية، إلا أن المقالة نفسها لا تبدو متعاطفة بشكل خاص مع حالة بوليبيوس الفريدة، بل هي مقالة أوسع نطاقًا عن الحزن والثكل. في الواقع، لا يكتشف القارئ أبدًا اسم شقيق بوليبيوس المتوفى. من الواضح أن هذه الرسالة إلى بوليبيوس تحاول كسب ودّه، فضلاً عن إرضاء الإمبراطور كلوديوس، ساعيًا بشكل ساخر إلى استحضار التعاطف مع نفسه في هذه العملية. يشجع سينيكا بوليبيوس على صرف انتباهه عن الحزن بجدول أعماله المزدحم. يحدث التحول في النغمة من مواساة بوليبيوس إلى الإطراء على الإمبراطور كلوديوس. ينسب سينيكا الفضل إلى الإمبراطور كمصدر "مكانته العالية" ومانح "متعة القدرة على أداء الواجبات". *** (4) عن قصر الحياة =========== لن تجد أحدًا على استعداد أن يوزع ماله لكن كم من الناس منا قد وزع حياته! فالناس ممسكون في حراسة ممتلكاتهم التي بمجرد أن تقبل تضيع زمنهم وهم يتطرفون في حب سلعة واحدة تحترم بدافع الجشع. ("دي بريفيتاتي فيتا") أو ("حول قصر الحياة") هي رسالة أخلاقية كتبها سينيكا الأصغر، الفيلسوف الروماني الرواقي، حوالي عام 49 ميلادي، موجهًا كلامه إلى حميه بولينوس. يطرح الفيلسوف العديد من المبادئ الرواقية حول طبيعة الوقت المتاح للإنسان في حياته، وتحديدًا أن الناس يضيعون الكثير منه في مساعي لا معنى لها. ووفقًا للرسالة، تمنح الطبيعة الناس وقتًا كافيًا للقيام بما هو مهم حقًا، ويجب على الفرد تخصيصه على النحو الصحيح. وبشكل عام، يُستغل الوقت على النحو الأمثل من خلال عيش اللحظة الراهنة سعيًا وراء حياة هادفة وذات معنى. يمكننا العثور على أفكار مماثلة في رسالة أخرى لسينيكا ("حول الفراغ").
هذه الرسالة موجهة إلى رجل يُدعى بولينوس - ربما بومبيوس بولينوس ومن المرجح أنه كان مسؤولاً حكومياً، أي المسؤول عن إمدادات الحبوب في روما، وبالتالي كان رجلاً ذا شأن. يُرجّح أنه كان قريبًا لزوجة سينيكا، بومبيوس بولينا، وربما والدها. ويُعتقد أيضًا أنه والد بومبيوس بولينوس آخر، شغل مناصب عامة رفيعة في عهد نيرون؛ أما بالنسبة لتاريخ التأليف، فلا بد أنه كان بعد وفاة كاليجولا (41 م)، ربما سينيكا كتب هذه الرسالة كذريعة لبولينوس للتقاعد مبكرًا في عام 55 م.
في الفصل الأول يرد سينيكا على شكوى قصر الحياة برأيه أن الحياة طويلة بما يكفي إذا أحسنت إدارتها. وتستعرض الفصول من الثاني إلى التاسع الطرق العديدة التي تُبدّد بها الحياة وتُبدّد بها الوقت من قِبل أولئك المنهمكين في مساعي لا طائل منها. وتُقارن الفصول من العاشر إلى السابع عشر بين النهج الفلسفي للترفيه والنهج الشائع الوهمي. ويتوج هذا في الفصول من الثامن عشر إلى العشرين التي تُظهر تحرر الحكماء، الذين يستطيعون التسامُح فوق حياة الآخرين الغارقين في انشغال لا ينتهي. بعد المقدمة، يستعرض سينيكا المشتتات التي تجعل الحياة تبدو قصيرة، ويوضح أن الناس يضيعون الكثير من الوقت. ثم يقدم ثلاثة أمثلة عن الرومان المشهورين (أغسطوس، شيشرون، وليفيوس دروسوس) الذين كانوا، بطرق مختلفة، ضحايا للحياة المنهمكة. ويوضح أن المنهمكين لا يعرفون كيف يعيشون وليس لديهم وعي، وأنهم يضيعون الوقت لأنهم لا يعرفون قيمته. يجب على المرء أن يعيش اللحظة عن قصد، لأن الغد سيكون متأخرًا جدًا. على النقيض من ذلك تبدو حياة المنهمكين قصيرة جدًا بالنسبة لهم لأنهم مقيدين بالحاضر الزائل، ويتذكرون الماضي بألم. إنهم يتشبثون بشدة بالحياة لأنهم لم يعيشوا، على عكس الحكماء، الذين هم دائمًا على استعداد لترك الحياة وراءهم. يشمل المنهمكون من يعيشون في رفاهية وراحة، ويوضح سينيكا أن حتى أولئك الذين يكرسون أنفسهم للعلم يضيعون وقتهم إذا وجهت جهودهم بلا هدف. وبناءً على ذلك، فقط أولئك الذين يكرسون وقتهم بشكل صحيح يعيشون حقًا، مساوين للعقول العظيمة في الماضي، مما يسمح لعقل الحكماء بتجاوز الزمن، كإله. من ناحية أخرى، فإن المنهمكين، من ناحية أخرى، فريسة للمزاج المضطرب والمتناقض، وأفراحهم وملذاتهم مريرة مع الشعور بالخطر. وأخيرًا يحث سينيكا بولينوس على التخلي عن الانشغالات العامة وتبني الحياة التأملية للحكماء، خالية من الأهواء. وهذا يتناقض مع معاناة المنهمكين: يموتون دون أن يعيشوا أبدًا.
يناقش سينيكا بأننا نُهدر الكثير من الوقت لأننا لا نُقدّره حق قدره. نبذل جهدًا كبيرًا في حماية ممتلكاتنا الثمينة كالمال والممتلكات، ولكن لأن الوقت يبدو غير ملموس، فإننا نسمح للآخرين باحتلاله وسلب وقتنا. من ناحية أخرى، يُدرك الحكماء أن الوقت هو أثمن الموارد، وببذل الجهد يُمكنهم تحرير أنفسهم من السيطرة الخارجية للانخراط في تأمل ذاتي هادف وبناء حياة هادفة. يحث سينيكا قُرّاءه على عيش الحاضر، والتكيف مع حياة هادفة تتوافق مع الطبيعة. بهذا فقط، يُمكن للمرء أن يُطلق العنان لماضيه ومستقبله. إن اكتمال كل لحظة حاضرة يسمح لوعي المرء بالاتساع إلى مستوى وعي الكون، وتحقيق الفضيلة والسعادة الحقيقيتين. إن التصريحات التي تحث بولينوس على التقاعد من الحياة العامة تتناقض بشكل ملحوظ مع نصيحة سينيكا في رسالته لصديقه سيرينوس حول السعي إلى وظائف عامة لجعل الحياة أكثر جاذبية. ومع ذلك، يؤكد سينيكا على أنه لا يوجد تناقض، وأنه يمكن للمرء أن يخدم المجتمع الأكبر في أحد الدورين أو كليهما. *** (5) عن صمود الحكيم ============ إن الرجل الحكيم سالم غانم ولا يتأثر بأذى أو بإهانة. الحكيم لا يخسر شيئًا لأنه وضع كل الأشياء في نفسه ولم يضع شيئًا في إدارة الحظ. إنه لا يرغب لأن ما يرغب فيه قد يفقده؛ إنه ملك الفضيلة فحسب. في رسالته ("دي كونستانتيا سابينتيس")، يُجادل سينيكا بأن الرواقية ليست بتلك القسوة التي تبدو عليها للوهلة الأولى. مُسترجعًا شخصية كاتو الأصغر، يُجادل سينيكا بأن كاتو، كشخص حكيم، لم يُعانِ من أذى أو إهانة. ورغم اعتراض سيرينوس على هذه المفارقة، يُقدم سينيكا تشبيهات إضافية لتأكيد مناعة الشخص الحكيم. يُميز سينيكا بين(الإهانة) و (الأذى). أما بقية الأطروحة، فتتألف من مناقشات حول طبيعة كلا الموضوعين، مُبينًا أن الشخص الحكيم مُحصّن من كلٍّ من الإهانات والمآذي. ويختتم سينيكا الأطروحة مُشيدًا بفكرة الشخص الحكيم، مُقدمًا نصائح عملية لنا جميعًا، نحن غير الكاملين. *** (6) عن سكينة العقل =========== متى نختبر الأشياء ذاتها؟ الرفيق المضطرب الذي يتأوه في كل شيء هو عدو السكينة. يقل الألم الذي يأتي من عدم الحصول على الثروة أكثر من فقدانها. الفقر يقل معه العذاب حيث تقل فيه الخسارة. من المتأخر تدريب العقل بعد وقوع المخاطر. ("دي ترانكويليتاتي آنيمي") أو حول سكينة العقل أو الروح. يتناول هذا العمل الحالة النفسية لصديق سينيكا، آنيوس سيرينوس، وكيفية علاجه من القلق والتوتر والاشمئزاز من الحياة.
حوالي عام 400 قبل الميلاد، كتب ديموقريطس أطروحة في البهجة. مصطلح "يوثيميا"، أو "البهجة"، قد يعني ثبات العقل، وراحة النفس، والثقة بالنفس. أشاد سينيكا بديموقريطس في أطروحته حول هذا الموضوع، وذكر أنه سيستخدم الكلمة اللاتينية كترجمة تقريبية لكلمة "يوثيميا" اليونانية. بعد سينيكا بقليل، كتب بلوتارخ عملاً مشابهاً، وُصف في ترجمة عام 1589 بأنه "أطروحة فلسفية حول هدوء العقل".
تعد هذه الرسالة واحدة من ثلاثة حوارات موجهة إلى صديقه سيرينوس، إن المكانة العليا التي يحتلها الحكيم، المتمثلة في الانفصال عن الاحتمالات الدنيوية للأحداث المستقبلية ذات الطبيعة الضارة، هي الموضوع الموحد لتلك الحوارات. تبدأ الرسالة بطلب سيرينوس المشورة من سينيكا، ويتخذ هذا الطلب شكل استشارة طبية. يوضح سيرينوس أنه يشعر بالتوتر، وفي حالة من الجمود غير المستقر، كما لو كنت على متن قارب لا يتحرك للأمام ويتقاذفه الأمواج. يستخدم سينيكا الحوار لمعالجة قضية برزت مرارًا في حياته: الرغبة في حياة تأملية والحاجة إلى المشاركة السياسية النشطة. يجادل سينيكا بأن هدف طمأنينة العقل يمكن تحقيقه بالمرونة والسعي إلى حل وسط بين النقيضين.
إذا أردنا تحقيق راحة البال، يوصي سينيكا بحياة متقشفة، غافلة عن الترف المفرط وغير المجدي. وينصحنا باختيار رفاقنا بعناية، لأنه إذا اخترنا من أفسدتهم الرذائل، فإن رذائلهم ستمتد إلينا. التقشف هو العلاج الرئيسي لراحة البال: علينا أن نتعلم كيف نكبح جماح أنفسنا، ونكبح جماح رغباتنا، ونكبح جماح الشراهة، ونكبح جماح الغضب، وننظر إلى الفقر بنظرة ثاقبة، ونُبجّل ضبط النفس. يُشبّه سينيكا من يملك الكثير ولا يجيد الاستمتاع به بشخص يمتلك مكتبة ضخمة من الكتب لمجرد العرض. كما يُقدّم سينيكا شخصية الحكيم الرواقي، الذي ينبع راحة باله (الأتاراكسيا) مباشرةً من فهم أعمق للعالم. إن أمن الحكيم التام واكتفائه الذاتي يُبعدان عنه الانفعالات غير الصحية (الآباثيا)، أي الاضطرابات التي لا يُمكن أن تُزعج الشخص العقلاني بطبيعته. وحده التفكير والحذر وبعد النظر يُمكن أن يُهيئا للإنسان جوًا مثاليًا من السلام. لا يكره الفيلسوف، مع حفاظه على راحة باله، البشرية على ظلمها أو دناءتها أو غبائها أو فسادها. إن عصرنا ليس أسوأ من العصور السابقة، وليس من المعقول إضاعة الوقت في الغضب من هذه الشرور، بل من الأجدر السخرية منها. لذا، فإن العلاج الصحيح هو اتباع الطبيعة، وإيجاد التوازن الصحيح بين الاختلاط والوحدة، والعمل والترفيه، والإفاقة والسكر، ومراقبة عقولنا المتذبذبة بعناية شديدة ومتواصلة. *** (7) عن وقت الفراغ ============ إن أعظم خير أن تعيش وفقًا للطبيعة والطبيعة خلقتنا لغايتين وهما التأمل والفعل - أن أكون فاعلاً وحرًا في تأملي. في رسالته ("دي أوتيو")، يناقش سينيكا الحياة المناسبة للفيلسوف الرواقي. وينقل سينيكا الموقف السائد للمدرسة القائل بأن الحكماء سينخرطون في الشؤون العامة، ما لم يمنعهم شيء. ويسرد سينيكا بعض الحجج ضد الانخراط في الحياة العامة، مثل فساد الدولة الشديد، أو محدودية نفوذ الحكيم، أو مرضه. ثم يُظهر سينيكا أن الحياة الخاصة (أوتيوم) بعيدة كل البعد عن كونها حياة تقاعد رتيب، يمكن أن تكون فاعلة من وجهة نظر الرواقية. فالحكيم يستطيع أن يختار الانخراط في الكون الأوسع: بنقل أفعاله من المنظور المحلي إلى المنظور الكوني، والانخراط في الأسئلة الأساسية للكون، يستطيع أن يُساعد البشرية جمعاء. *** (8) عن الحياة السعيدة (أفضل الرسائل من وجهة نظري!) ============ الخير الأقصى هو العقل الذي ينظر إلى أسفل على أمور الحظ ومبتهجًا في الفضيلة، وهو قوة العقل غير المهزومة والضالعة في طرق العالم. يقدم سينيكا أخلاقًا مبنية على ازدراء الملذات ("المتعة شيء وضيع، وذليل، وضعيف، وقابل للفناء") والثروة ("لا تفسدك الأشياء الخارجية، كن لا تُقهر ولا تُعجب إلا بنفسك، كن شجاعًا في الروح ومستعدًا لأي مصير، كن صانع حياتك"). لكنه يعترف بوجود ملذات مقبولة "هادئة، معتدلة، خاملة تقريبًا، وخافتة، وبالكاد تُلاحَظ" مرتبطة بسلوك الشخص الحكيم. لذا، لا يمكن بلوغ السعادة إلا باتباع الفضيلة، التي "كجندي بارع، تذعن للجروح، وتحصي ندوبها، وتطعنها السهام وهي تموت، ومع ذلك تعشق القائد الذي تنتصر له"، لأنه "لا أحد يستطيع أن يعيش حياةً هانئةً دون أن يعيش حياةً شريفة". وهكذا، يُميز سينيكا بين الفضائل الصعبة أو الصعبة والفضائل السهلة أو السهلة الممارسة، لأنه "لا فضيلة بدون جهد". ومن بين الفضائل الصعبة الصبر والثبات والمثابرة، ومن بين الفضائل السهلة الكرم والاعتدال والوداعة.
أما الثروة، فلا يعتبرها سينيكا خيرًا أو شرًا في حد ذاتها، بل يُقر بأنها "نافعة وتُضفي راحةً كبيرةً على الحياة"، لذا يُفضلها الحكيم دون أن يكون تابعًا لها. بهذا المعنى، يجب أن تكون الثروة أداة للفضيلة، واستخدامها في العطاء للآخرين، لأنه "سوف أقدم فضلي لبعض الناس، وسوف أفرضه قسراً على الآخرين". *** (9) عن العناية الربانية (أكثر الفصول صدمة بسبب أسلوب سينيكا المسيحي الذي يكون من الواضح جدًا أنه كان المعين الذي أخذ منه فلاسفة المسيحية فيما بعد) ============ الرب يعامل الخير كمحبوبه فيجبتيه ويقسو عليه ليصطفيخ لنفسه؛ فالخير تلميذ الرب ومحاكيه ونسله الحق، لا يحدث شر للأخيار. "فجتى في غرق السفينة على الربان أن يتشبث بالدفة." يبدأ الحوار بشكوى لوسيليوس لصديقه سينيكا من أن الشدائد والمصائب قد تصيب الصالحين أيضًا. كيف يتوافق هذا مع الخير المرتبط بتدبير العناية الإلهية؟ يجيب سينيكا وفقًا لوجهة النظر الرواقية. لا يمكن أن يصيب الصالح (الحكيم) أي مكروه، لأن الأضداد لا تختلط. ما يبدو محنة هو في الواقع وسيلة يمارس بها الرجل فضائله. وهكذا، يخرج من المحنة أقوى من ذي قبل.
وبهذا، وفي انسجام تام مع الفلسفة الرواقية، يوضح سينيكا أن الحكيم الحق لا يستسلم أبدًا في مواجهة المصائب، بل سيخوضها دائمًا، وحتى لو سقط، سيواصل القتال راكعًا على ركبتيه. يفهم الحكيم القدر وتدبيره، ولذلك ليس لديه ما يخشاه من المستقبل. كما أنه لا يأمل في أي شيء، لأنه يمتلك بالفعل كل ما يحتاجه - حسن سلوكه. الخلاصة هي أنه في الواقع لا يصيب الصالحين أي مكروه. يكفي أن نفهم معنى السوء: فالشر عند الحكيم هو التفكير في الأمور السيئة، وارتكاب الجرائم، والسعي وراء المال والشهرة. أما من يتصرف بحكمة، فيملك كل الخير الممكن. *** ::سينيكا المسيحي!:: =========== "العالم يتكون، علينا أن نعاني من شيء ما، دعونا نأخذه بعقل كبير، وهذا هو الميثاق الذي أخذناه حينما جُندنا وهو أن نتحمل الأمور الفانية، وألَّا نضطرب بأمور ليس بمقدورنا تجنبها، لقد ولدنا تحت ملك، والحرية في طاعة الرب. إن السعادة الحقة كائنة في الفضيلة، فبمَ تقنعك هذه الفضيلة؟ بالنظر إلى ما ليس حسنًا ولا رديئًا وهو ما لا يتعلق بفضيلة ولا خبث، ومن ثم الثبات سواء تجاه ما هو رديء وتمشيًا مع ما هو حسن بقدر إمكانك في حدود المسموح به وصنيع صورة الرب. وبمَ تعدك الفضيلة في هذه العجالة؟ بأشياء هائلة تساوي ما هو إلهي، حيث لن تُجبر على شيء ولا تفتقر إليه، وتكون خاليًا آمنًا من الضرر..." *** ::خلاصة فلسفة سينيكا في اقتباس واحد:: ===================== "الحظ العظيم هو عبودية عظيمة ولا شيء مقدس وكل شيء ينتهكه الحظ؛ حتمية الموت هي سعادة بالغة؛ سعادة الحكيم هي عقل حر ومستقيم ويقظ وقوي وصامد." *.*.*.*.*.*.*
الحكمة الرواقية والتي هي أقرب الفلسفات للإسلام تعتبر من أكثرها صدقاً عند الحديث عن الحياة فهي تنظر لها من منظار واقعي بعيداً عن المثاليات وكذلك بعيداً عن الإرجاء والعدمية. الكتاب عبارة عن 9 رسائل أرسلها سينيكا في مراحل متنوعة من حياته وكذلك أحوال متغيرة منهن ثلاث عزاءات الأول عزاء لأم فقدت ابنها، والثاني إلى أمه عندما تم نفيه، والثالث عندما فقد أخ أخاه؛ وفيها من التعزية والتهوين عليهم مصابهم ما يشرح القلب وينوّر العقل عن حقائق تلك الأمور. والرسائل الست المتبقية تتحدث عن، قصر الحياة، وصمود الحكيم، وسكينة العقل، وأوقات الفراغ، والحياة السعيدة، والعناية الربانية. ففي الرسائل التسع نظرة عن غالب أحوال الإنسان وما تعتريها من صعوبات وأفراح، وآلام ومباهج، ومن سعادة وشقاء؛ وغيرها من الأحوال والتي ما إن فهمنا ووعيناها بحقيقتها إلا وتهون علينا وتستطيع العيش بفاعلية أكثر وبقوة بها نتجاوز ونتعايش ونفرح في كل حال بما يناسبه من شعور وفعل وعاطفة.
في هذا العام قمت بزيارة المدرسة الرواقية الرومانية، التي يمثلها سنيكا، أبيكتيكوس ( سأتحدث عنه في المنشور اللاحق ) والامبراطور الروماني ماركوس أورليوس ( قرأته في السنة الماضية ) تبدو لي الرواقية اليوم مجموعةٌ من الحِيَل الحياتية، التي تساعدنا على الحد من القلق والغضب ، وبقول أخر يمكن القول بأنني رواقي بدون رواقية ( كما كتب عبد السلام بنعبد العالي ) تركز الرواقية على اللحظة الراهنة أو الحاضرة، بوصفها حقيقة يمتلكها الإنسان، عكس الماضي والمستقبل، اللذين ينفلتان من وجود الإنسان الحقيقي إلى الوجود الوهمي في العقل.. وتدعو إلى تقبل هذه اللحظة بكل ما فيها من آلم أو لذة، ونبذ أي استجابة في العقل للأشياء التي حدثت في الماضي، أو التي قد تحدث في المستقبل، فأغلب انفعالات النفس تأتي من تمازج هذين التيارين في العقل والنفس، فتولد مشاعر الألم والإحباط والمعاناة من الماضي، والتوتر والخوف من المستقبل. الرواقية كما يكتب عنها ميشال أونفراي، أنتربولوجيا شفَّافة وملموسة تضربُ بجذُورها في "الهنا والآن"، وهي في الأخير فكر ذو نزعة حتمية، في علاقة مع الكوسموس الذي يعيد وضع الإنسان في مكانه الصحيح. ، إنها الحياة التي تريد الحياة la vie qui veux la vie وبالتالي فمن البداهة ألا نريدها قبل أن تصير، لكن حين صيرورتها يمكننا إرادتُها عندئذ وإرادتنا لها ليست إلا حُبَّنا إيَّاها، لأننا لا نستطيع ولا نقوى على القيام بشيء ضدَّها، ذاك ما يسميه نyتشه، الذي استعار كل شيء تقريبًا من الفلاسفة الرواقيين، بـ""amor fati: "أحب قَدَركَ"، وفضلا عن ذلك نجد أن إنسانه الأعلى هو تعبير وإفصاح عن فلسفة رواقية عليا surstoïcisme. من المثير للاهتمام أن كتاب عن الغضب لسينيكا كان قد هربا الى زنزانة الزعيم الافريقي نيلسون مانيلا الذي قال علمني سينيكا ان اؤمن ان كل الناس يرتكبون الاخطاء، وعلينا ارشادهم وهدايتهم دون ان يتملكنا الغضب.
رسائل وتأملات منتقاة، كتبها سينيكا في فترات متفرقة من حياته الصاخبة، جمعها المترجم بين دفتي كتاب سماه محاورات السعادة والشقاء. عنوانٌ هو صورة مكبرة تختزل مشهداً أوسع، تبرز ثنائيين وجوديين، كانت تقف إلى جوارهما أحوال إنسانية أخرى.
الخيط الذهبي الذي يربط متفرقات الكتاب هو الفلسفة؛ إذ يحض سينيكا في كل الرسائل والحوارات على تكريس الوقت للدراسات. الاشتغال بالفلسفة هو ما يمنح الحياة معناها، بل لا يعيش حياة حقيقية من لم يعطها من وقته، فالعمر لا يقاس بالعدد. هل حياة المرء طويلة؟ لا يهم، المهم أن تكون عميقة.
العمق الذي يريدنا أن نصل إليه لا يتأتى من دراسات صمّاء، فالفلسفة كما فهمت من كتاباته ليست جدلاً أكاديمياً، بل طريقة للعيش. يوصينا أن نخرج أنفسنا من الحشد بعض الوقت، حتى نتعلم من حكمة الأولين ما يعيننا على ترويض أنفسنا وضبط انفعالاتنا والتغلب على مخاوفنا، ثم ما يساعدنا على إدراك قيمة الوقت، وحب الحياة القائمة على الفضيلة بوصفها غاية؛ لنعرف حقيقتها ونستعد أتم الاستعداد لمفارقتها.
تظهر الرسائل بوضوح أن سينيكا ليس منزهاً من الأخطاء، ففي حياته تناقضات بين القول والعمل، يلمح ويدافع ويبرر، وأحياناً يوازن بين ما يؤمن به وما هو مضطر لفعله. كما أن قلمه لا ينطق بلسان معصوم، وكتاباته ليست كلها عظيمة وممتعة ولا حتى دائماً بدافع نبيل. وهذا أجمل ما في الرسائل والحوارات: أن تقرأ لإنسان لا يدّعي الكمال ولكن يطلبه، يسعى أن يعيش وفق الطبيعة ويكتب من قلب التجربة.
كتاب جميل كباقي المؤلفات الرواقية في بعض أجزاء النصف الأول يوضح لنا سينيكا مدى خطورة الفلسفة الأبيقورية التي وضعت الأولوية في الإبتعاد من الألم قدر المستطاع و بلوغ اللذة دون إهمال الفضيلة كوسيلة لبلوغ حياة كاملة و سعيدة و كذالك منسجمة مع الطبيعة، بينما يرى فيلسوفنا الرواقي أن ذالك لا ينسجم مع الطبيعة، لأن على الإنسان أن يرتقي بالعقل و أن يهتم بالفضيلة أكثر مستعدا لكل التجارب المؤلمة و الملذات التي سوف يعيشها المرء، و سيكون بذلك منسجماً أكثر مع الطبيعة و سعيدا في حياته. و يعترف سينيكا بأن فكر ابيقور له هدف أسمى و لكن تبجيل اللذة هو احتقار لطبيعة دور اللذة نفسها قراءه ممتعه..