.
رواية كمال الرياحي "ألبيريتا يكسب دائما " هي رواية ما بعد الحداثة التي تتناول مواضيع شتى منها فنّ الرواية ذاته, الذي يصبح موضوعا رئيسيا, فطوال صفحات الرواية يساءل الراوي الكاتب فنّ الرواية ويناوره بشتى الطرق
محاولا التّعرّف عليه واكتشافه كفعل جديد ملتبس مع الواقع التباسا كبيرا, لكنّه ليس سوى تخيّل" كما بينه الكاتب نفسه في مقال صدر له حديثا حول رواية" احجية ادمون عمران المالح" للروائي المغربي محمد سعيد أحجيوج عنوانه" ما بعد الحداثة والمسألة الفلسطينية" الصادر في آخر نوفمبر 2020 ب "اولترا صوت"و يضيف إن من علامات ما بعد الحداثة "أن الحدث في الرواية حدث متحرّك بين الوقوع الفعلي وعدم الوقوع أو الوقوع بشكل مختلف", فلأنٌ "الراوي يكذّب نفسه كلّ مرة بعد أن يقنعك بالحدث. يشقى في نحته وتركيب عناصره وبجرّة قلم يطيح به ليبني فرضية جديدة هي الأخرى مهدّدة بالتفكيك... في حركة دائرية"
تندرج رواية "ألبيريتا يكسب دائما" في سياق هذا المشروع. وتعبٍّر هذه الرواية عن
رؤية كمال الرياحي لفعل الكتابة. هي كتابة متمردة ثائرة على الفساد بمختلف وجوهه في السياسة والاجتماع والثقافّة... تسبر أغوار الذات لتكشف منابع الشر فيها.
يكتب الرٌياحي منتصرا للمهمشين ولضحايا منظومة سلوكية نمطية ليخرج لنا جمالا مختلف هو جمال القبح الساكن فيها.
الرّياحي يتجاوز مفهوم الرواية الواحدة في"ألبريتا يكسب دائما" نجد أشكال سرد مختلفة في النٌص: الرسائل، اليوميات،تحقيقات بوليسية، الهلوسات، رسائل الانتحار، والمقالات الصحفية، يدخلها الكاتب في مختبره السردي ليلوكها شخوصه ثم يتجشٌؤونها معجونة برائحة الرّصاص وسيرة مسدّس الاغتيالات في تونس...
فألبيريتا هو اللغز والمفتاح في الرواية منذ 2013. أين يتنقل تتأجّج نار العنف والجريمة, بالسلاح والرصاص.
وبقتل الحيوان والإنسان,
ويعبق المكان برائحة بالجنس الرّخيص, بمحاولات الانتحار وبتر الأعضاء والخيانات. في هذه الرّواية, الكل يواجه خطر الموت: الجلاٌد والضحية
في" ألبيريتا يكسب دائما" تتعدد الأصوات. فالراوي لا يُحكم قبضتهُ على السرد بل يُفسحُ المجال أمام عديد الشخصيات لسرد أجزاء متفرّقة من قصّة المسدس الضائع، حتى اكتملت قصّة فكّ اللغز. هذه القصص الفرعية كشفت لنا عن شبكة من العلاقات المعقدة أحكم الكاتب رسمها وبناءها وفق نسق مُربكٍ وطريف وممتع. " فيُمكنك قراءة صفحات تختارها بطريقة عشوائية وبدون نظام أو ترتيب يبدل ترتيب الصفحات داخل النص. وهو ما يُحيل إلى تكسير الحبكة والموضوع والمكان ويتعدّد الأبطال. و يجعل الحبكة مثلا لا تتطوّر بشكل واقعي ومتسلسل وإنّما بشكل " وحدات من أحداث وظروف" ويجعل الحدود التي تفصل العالم الحقيقي عن عالم النصّ تنهار. وذلك إمّا بدمج الكاتب مع النص, أو بضمّ شخصيات تاريخية للنصّ المتخيّل.
و"هي تقنية سردية تقوم على "فكرة التداخل النصوصي بين حكايات تفضي إلى معمارية سردية واحدة وهي في عمليتها السردية هذه لا تعني تشويش ذهن القارئ، إنما تعمل على خلخلة التسلسل المنطقي للمروي عن طريق الانتقالات السردية أي التنقل بين القصص الفرعية التي يجري الربط بينها عن طريق تناظر مجموعة من الأحداث المتشابهة ويتم في هذه الانتقالات تناول أحداث معينة في حياة الراوي وباقي الشخصيات وهو أسلوب السرد" الما بعد حداثي" أو ما يُسمي "أسلوب الميتاسرد"" كما ذكره رنا صباح الخليل في مقال له عنوانه الاشتغال على" الميتا سرد " في رواية " الساحر العظيم" لأمجد توفيق الصادرة بنشرية إلكترونية " وكالة الصٌحافة المستقلة
فالرياحي أقحمنا في عالم من الفوضى المربكة الخلاقة للعنف والجريمة أقرب ما تكون من واقعنا المعاش لتونس ما بعد الثورة لكن بأسلوب إبداعيّ يغلب عليه الحوار. الذي مثّل عمود الرواية ويحلّ محلّ السّرد, منذ الأسطر الأولى يكتسح الحوار المتن، فتنطلق الشخصيات في الكلام بلغة تتناسب والشخصيات المختلفة داخل المتن, والتي تنبع من بيئات متباينة بين مثقفين ومهمّشين. تسكن الحيّز الزمنيّ والمكانيّ للرّواية, تعبّر عن مشاغلها وهواجسها, تثور وأحياناً تنهار بلغتها الخاصة بعيداً عن النّفاق الاجتماعي. فالشخصيات وليدة واقعها تنتمي إليه وتعبّر عنه بكلّ تلقائيّة عن ذاتها وتناقضاتها في مربع العنف كأنّك تشاهد عملاً سينمائياً.
فعبر الحوار الباطني يغوص الروائي في أغوار الشخصية
وهو أسلوب خاص تميز به الكاتب عبر مسيرته السردية, إذْ يجعل أعماله تتماهى مع المشهدية السنمائية في تفاصيلها ودقتها وتقنيتهاً فقطع مع البنية التقليدية للرواية العربية.
في الرواية نرى تمرّد الشخصيات على المجتمع يتناغم معها تمرّد الكاتب على الأسلوب الرّوائي التقليديّ. تتابع الأحداث وتتشابك. يزجّ بك الكاتب في بحرٍ من التفاصيل وتأخذك الحوارات ويغيب السرد.
هذه الرّواية جملية متفرّدة في الرؤية والأسلوب الماتع تتداخل فيها الأجناس وغابت فيها الرّتابة شكلاً ومضموناً
في حركة
دائرية فنلتمس في"ألبيريتا...", أسلوب" الميتاسرد" المشحون بالتشويق وبالحكاية رغم لعبة التجريب والهدم والبناء فالراوي هنا قادر على رواية الأحداث بطرق شتى ومتناقضة
لا تقدّم حقيقة واحدة ولا خطا سرديا واحدا يمكنه أن يفضي إلى نتائج, إنّما هي "فوضى التداعيات الحرّة التي تصنع ذاكرة مخترقة بذاكرة أناس آخرين وتصوّراتهم عن الذات ومسارها, ولكن كل ذلك يتبناه الكاتب, فالراوي نفسه لا يسرد شخصا غيره كجزء من ذاكرته كما ذكره الرياحي في مقال ذكر سابقا..
"ألبيريتا يكسب دائما" رواية منخرطة بقوة في رواية ما بعد الحداثة في موجتها الثانية. هي وورشة لمقولاتها وأسلوبها المبني علي التشظّي والفوضى الزمانية" للأحداث, أو ما سمى "بالماضوية", وبحثها واستثمارها للماضي الشخصي والجمعي و"البارانويا" لشخصيات تعيش عدم الثقة وتعارض السكون والثبات وهو ما يعمٌق إرباكها لأنّه لا يقين شامل،
وإقحام الكاتب فيما يسمى بالتخيّل الذاتي وأساسا لعبة التزوير والتحريف للأمكنة و الأزمنة والشخصيات باستعمال تقنية ما يُسمى ا"لدوائر العدائية" وهذه الدوائر تعبر عن "انهيار الحدود التي تفصل العالم الحقيقي عن عالم النص كما بينا سابقا. وذلك إما بدمج الكاتب مع النص، أو بضم شخصيات تاريخية للنص المتخيل , إقحام" التجزيء " والذي يحيل إلى تكسير الحبكة والشخصيات والموضوع والمكان, فالحبكة على سبيل المثال، لا تتطور بطراز واقعي أو متسلسل, وإنما بشكل «وحدات من أحداث وظروف)
ترتبط أيضا بالصدفة في قراءة النص (مثلاً قراءة صفحات تنتقيها عشوائيًا وبدون ترتيب أو نظام, أو برنامج يبدل ترتيب الصفحات داخل النص)أو ما يُسمى بالارتباط الضعيف" وهي أساليب وردت في مقال بعنوان" أدب ما بعد الحداثة ( مجلٌة فكر الثقافية الاليكترونية أكتوبر 2020)
كما تؤكّد الرواية انخراطها في تيار ما بعد الحداثة بعملية إدماج الأدب الشعبي بالأدب العالي فاستفاد أسلوبها من منجز الرواية العالمية. ومن أفكار الحداثة والتجريب في السرد الطويل.
"البيريتا يكسب دائما" نص سردي يكتب بشكّ كبير في كل شيء تماما مثل رواية " احجية إدمون عمران المالح التي كتب عنها الرياحي، أنها تعتمد تقنية "انقلاب العين" " لقراءة السائد من القيم والأفكار و"الحقائق"
باعتبار أنّ الأدب غير بريء ومذنب. فهل تجوز محاكمة الأدب والأفكار؟
كمال الرياحي جعل من سرده الطويل نصاً ملغماً بعلامات الاستفهام المستقاة من المتخيل السردي الماضي وعلاقته بما يحدث في الحاضر مستثمراً مدوّنة ضخمة من خلفيته المعرفية ليرسم لنا سردا عجيبا ولذيذا فيه الماضي بمختلف تمثٌلاته وواقع اجتماعي وسياسي حاضر متأزم عصيب
شكرا بحجم المتعة المشتهاة كمال الرياحي الذي جعل الكتابة في "أليريتا...." معول للحفر في واقع تونس ما بعد الثورة": فهي شهادة هامّة من مثقّفٍ شخٌص الواقع و حلٌله ونقده في مرحلة تتنازعها التجاذبات من كل صوب.
نعيمة الحمامي التوايتي/ تونس
.