يحدث أن تكون طفلاً ريفيّاً متمرّساً على صيد العقارب فوق تلّة ترابيّة، فتجبرُك لسعاتُ المُدن العابسة على خلع البساطة وارتداء وجهاً غيرَ وجهك، وجهاً يليق باللّعب مع العقارب البشريّة! يحدث أن تتخرّج في كلية الحقوق مجرماً، في الوقت الذي يُفترض فيه أن تكون أداةً لردع الجريمة! يحدث أن يكون العشقُ فكرة، صفرةَ إعجابٍ بمن لا تعرفُه بعد، فيصير فيما بعد هاجسَك الوحيد، وأملك الذي به تنتصر، وبه تهتدي إلى قلبك سبلُ الحياة. تحاول هذه الرواية أن تقول: إنَّ لكلٍّ إنسانٍ حدثاً تاريخياً فاصلاً بين عمرين، قدراً مذهلاً يطالعُ فيه حجمَ المسافة الشاسعة بين ما كان وما آلت إليه الأمور.
يرصد الكاتب في هذه الرواية حياة طفل ريفي من لحظة تشرّبه بساطة الريف ومهارته في اللعب مع العقارب الموجودة في تلة قريته، إلى لحظة انتقاله إلى المدينة الصاخبة وانخراطه في اللعب مع العقارب البشرية.. استطاع الكاتب بإتقان أن يمزج بين مهارة البطل الطفولية في صيد العقارب ومهارته الرجولية في ملاحقة المهرّبين وتجار المخدرات. الجميل في أسلوب الكاتب أنه من السهل المتنع الذي يقول كل شيء دون تكلف؛ فيصوّر لنا الحياة الريفية بكل بساطتها المعقدة، ويعالج خطورة التستر بالدين، ويجعل من الحب النقي دافعاً لسيرورة الأحداث، ذاك الحب الذي يبدأ من عدم ويصير قوة إيجابية تقود البطل إلى الخير.
منذ قليل أنهيت قراءة هذه الرواية الجميلة، لكني ما زلت عالقة في دروب تلك القرية الريفية وبيوتها وتلتها الترابية. عالقة في تفاصيل الحياة التي عاشها "إسبير" وكأنها هاربة من حكايا الجدات. أبدع الكاتب في رسم الشخصيات، والغوص في مكنوناتها وجعلها تفكر بصوت عالٍ. الرواية قسمان واضحان، الأول في الريف والثاني في المدينة. يبدو أن الكاتب كان يكتب الجزء المتعلق بالريف بحب وواقعية وكأن الأحداث معروضة أمام عينيه، فالوصف فيه نابض بالمشاعر والروح أكثر من الجزء المتعلق بالمدينة. الرواية كانت موفقة من حيث اللغة السلسة والممتعة والقادرة على شد القارئ إلى متابعة القراءة دون ملل.
كان تقييمي للرواية خمس نجوم لولا أن الحبكة في الجزء الأخير أسقطت نجمة. كل أمنياتي بالتوفيق للكاتب. قلم واعد يسرنا انتظار أعماله القادمة.
تحليل رواية "اللعب مع العقارب" لحاتم اسماعيل وزو ملخص الرواية: تدور أحداث رواية "اللعب مع العقارب" حول شخصية "إسبير" أو "الليث"، وهو شاب نشأ في قرية ريفية بسيطة في شمال شرق سوريا. تبدأ الرواية بمقدمة يستعرض فيها الراوي موهبته الطفولية في اللعب مع العقارب الحقيقية، والتي يرى أنها مهدت لموهبته اللاحقة في التعامل مع "العقارب البشرية". تتشابك حياته بين اسمين: "إسبير"، الاسم الذي حمله في طفولته وكان اسم كلب جده، ويرمز إلى فطرته وبساطته، و"الليث"، الاسم الذي أُطلق عليه لاحقًا ويحمل توقعات القوة والشجاعة، والذي ارتبط بمغامراته وانخراطه في عوالم أكثر تعقيدًا وخطورة في المدينة. تنتقل الرواية بين زمنين : الطفولة في القرية (1994-1997) والحاضر الذي يعود فيه الراوي إلى القرية هاربًا من ماضيه في المدينة. يسترجع الراوي ذكريات طفولته، بما في ذلك علاقته بأصدقائه (محمود، عبد الله، وعيسى)، ولعبهم فوق التلة التي تحتضن مقبرة القرية وجحور العقارب. كما يتناول قصصًا مؤثرة من حياة القرية، مثل قصة جده "الكوم". وقصة "فضيلة" وزواجها المأساوي من "عزيز الراعي" ومعاناتها، وقصة "الملا معصوم" رجل الدين المخادع الذي استغل سذاجة أهل القرية. تتصاعد الأحداث مع انتقال الراوي إلى دمشق للدراسة في كلية الحقوق، حيث يلتقي بحبه الأول "ريم كوجي"، التي كانت صديقة الطفولة لصديقه عيسى. يخوض "الليث" رحلة شاقة لجمع المال من أجل الزواج بريم، وينخرط في أعمال التهريب بين سوريا ولبنان، ويتعرف على شخصيات خطيرة مثل "سعيد" و"زيدان" وصولًا إلى "القرش"، زعيم المافيا. تتداخل قصص الحب والخيانة والمخاطر، حيث يكتشف "الليث" أنه كان أداة في يد "القرش" لتهريب المخدرات دون علمه. تتوالى الصدمات والمآسي، بما في ذلك وفاة صديقه عيسى بالسرطان، وفقدانه لريم بسبب مؤامرة من سكرتيرة والدها، ثم اكتشافه لاحقًا أنها لم تمت وأنها أخت زوجة "عادل"، الضابط الذي أطلق عليه "الليث" النار خطأً وأصابه بالشلل. يسعى "الليث" للتكفير عن ذنبه بمساعدة "عادل" على استعادة حياته وتنمية موهبته في الكتابة. في النهاية، وبعد سلسلة من الأحداث المثيرة التي تشمل كشف فساد "القرش" وأعوانه، ومواجهة "الليث" لماضيه وجرائمه، تنتهي الرواية برسالة من ريم تعلن فيها استعدادها للزواج به، مما يمثل بصيص أمل ونهاية سعيدة محتملة لقصته المليئة بالصراعات. تحليل أدبي شامل: 1. البناء السردي والزمني: * تعتمد الرواية على تقنية السرد الاسترجاعي (الفلاش باك) بشكل مكثف، حيث يتنقل الراوي بين الحاضر والماضي. يبدأ السرد من لحظة عودة الراوي إلى القرية، ثم يسترجع ذكريات الطفولة وأحداث الماضي التي شكلت شخصيته ومسار حياته. * هذا التداخل الزمني يخدم الكشف التدريجي عن دوافع الشخصيات وتطور الأحداث، ويخلق حالة من التشويق لدى القارئ. * ينقسم السرد إلى فصلين رئيسيين: "عقارب من وحي الذاكرة الريفية" الذي يركز على الطفولة والتجارب الأولى، و"اللعب مع العقارب الكبيرة" الذي يتناول مرحلة الشباب والانخراط في عوالم الجريمة والتهريب. 2. الشخصيات: * إسبير/الليث (الراوي): شخصية مركبة ومعقدة، تتأرجح بين البراءة الريفية والقسوة المكتسبة من تجارب الحياة الصعبة. يمثل صراع الإنسان بين الخير والشر، وبين فطرته النقية وتأثير البيئة والظروف. يتميز بشجاعة وقدرة على التحمل، ولكنه يقع أيضًا في أخطاء جسيمة. تطور شخصيته واضح عبر مراحل الرواية. * ريم كوجي: تمثل الحب النقي والأمل في حياة الراوي. شخصيتها تتسم بالرقة والوفاء، وتلعب دورًا محوريًا في تحفيز الراوي وتغيير مسار حياته. * عيسى: صديق الطفولة الذي يمثل البراءة المفقودة والذكرى المؤلمة. قصته مع المرض والموت تترك أثرًا عميقًا في نفس الراوي. * الجد الكوم: يمثل الكرم والأصالة والقيم الريفية النبيلة. قصته ومأساته تعكس صراع القيم التقليدية مع المادية والجشع. * فضيلة: ضحية للظروف القاسية والتقاليد المجتمعية. قصتها تسلط الضوء على معاناة المرأة في المجتمعات الريفية. * الملا معصوم: يمثل النفاق الديني واستغلال الدين لتحقيق مصالح شخصية. شخصيته تكشف عن زيف بعض رجال الدين وفسادهم. * القرش: يمثل الشر المطلق والجريمة المنظمة. شخصية غامضة وقوية تتحكم في مصائر الكثيرين. * عادل: الضابط الذي يقع ضحية لتهور الراوي، ثم يصبح صديقًا له. قصته تمثل القدرة على التسامح والتجاوز، والبحث عن معنى جديد للحياة بعد المأساة. 3. الموضوعات والقضايا المطروحة: * صراع الخير والشر: هو الموضوع الرئيسي الذي تتناوله الرواية من خلال رحلة الراوي وتجاربه مع "العقارب البشرية". * الحب والفقد: يمثل الحب قوة دافعة في حياة الراوي، ولكنه يواجه تحديات الفقد والفراق. * الريف والمدينة: تعكس الرواية التناقض بين بساطة الحياة الريفية وتعقيدات الحياة في المدينة وتأثيرها على القيم والأخلاق. * الظلم والفساد: تتناول الرواية قضايا الظلم الاجتماعي والفساد المستشري في مختلف المستويات، سواء في القرية أو في المدينة. * الذاكرة والنوستالجيا: تحتل الذاكرة دورًا مهمًا في السرد، حيث يسترجع الراوي ماضيه ويحن إلى أيام الطفولة والبراءة. * القدر والمصير: تتجلى فكرة القدر في العديد من أحداث الرواية، حيث تجد الشخصيات نفسها في مواقف لم تخترها، وتضطر للتعامل مع مصائرها المحتومة. * التوبة والخلاص: يسعى الراوي في نهاية المطاف إلى التكفير عن أخطائه والبحث عن الخلاص من خلال مساعدة الآخرين ومواجهة ماضيه. 4. أسلوب الكاتب: * اللغة: يستخدم الكاتب لغة عربية فصيحة، تميل أحيانًا إلى الشعرية والوصف التفصيلي. يمزج بين السرد والحوار بشكل متوازن. تتسم لغته بالقدرة على تصوير المشاعر والأحاسيس بعمق. * الوصف: يتميز الكاتب بقدرة عالية على الوصف، سواء وصف الأماكن (القرية، التلة، المدينة) أو الشخصيات أو الحالات النفسية. هذا الوصف يساهم في خلق أجواء الرواية وجعلها أكثر واقعية. * الرمزية: يستخدم الكاتب رمز "العقرب" بشكل متعدد الأوجه، حيث يرمز العقرب الحقيقي إلى الخطر الكامن في الطبيعة، بينما يرمز "العقرب البشري" إلى الشر والخداع والغدر الكامن في النفس البشرية. التلة أيضًا تحمل رمزية المكان الآمن والذاكرة الأولى. * التشويق: ينجح الكاتب في خلق حالة من التشويق من خلال التلاعب بالزمن وكشف الأحداث تدريجيًا، بالإضافة إلى المواقف الخطرة التي يتعرض لها الراوي. * الواقعية: على الرغم من بعض الأحداث التي قد تبدو درامية، إلا أن الرواية تحمل طابعًا واقعيًا في تصويرها للحياة الريفية ومشكلات المجتمع. تقييم أسلوب الكاتب: أسلوب الكاتب حاتم إسماعيل في هذه الرواية يتميز بالقوة والسلاسة والقدرة على جذب القارئ. لغته غنية ومعبرة، ونجح في بناء شخصيات متعددة الأبعاد وتقديم عالم روائي متكامل. استخدامه لتقنية السرد الاسترجاعي كان موفقًا في خدمة بناء الأحداث وتعميق فهم الشخصيات. كما أن قدرته على الوصف التفصيلي واللغة الشعرية أضفت على الرواية جمالية خاصة. ومع ذلك، قد يرى بعض القراء أن طول الرواية وتعدد الأحداث والشخصيات قد يؤدي أحيانًا إلى تشتيت الانتباه أو إبطاء إيقاع السرد في بعض المواضع. كما أن بعض الأحداث قد تبدو ميلودرامية أو تعتمد على المصادفات بشكل كبير. بشكل عام، تعتبر رواية "اللعب مع العقارب" عملًا أدبيًا جيدًا يستحق القراءة، حيث يقدم الكاتب رؤية عميقة للحياة والصراعات الإنسانية، ويطرح قضايا مهمة بأسلوب مشوق ولغة جذابة. تقييم شامل للرواية: تعد رواية "اللعب مع العقارب" رحلة ملحمية في حياة شاب سوري، تعكس تحولات المجتمع والقيم والصراعات الداخلية التي يمر بها الفرد. تتميز الرواية بعمقها الإنساني وقدرتها على ملامسة قضايا واقعية ومؤثرة. نجح الكاتب في خلق عالم روائي غني بالتفاصيل والشخصيات، وتقديم سرد مشوق يجمع بين الواقعية والرمزية. نقاط القوة: * الشخصية الرئيسية المعقدة والمتطورة. * التصوير الواقعي للحياة الريفية وتناقضاتها مع حياة المدينة. * طرح قضايا اجتماعية وأخلاقية مهمة. * اللغة السردية القوية والوصف التفصيلي. * الاستخدام الموفق لرمزية العقرب. نقاط قد تحتاج إلى تطوير (من وجهة نظر نقدية): * طول الرواية قد يشكل تحديًا لبعض القراء. * بعض الأحداث قد تعتمد على المصادفات بشكل كبير. * قد يشعر القارئ أحيانًا بأن بعض التفاصيل أو القصص الجانبية كان يمكن اختصارها دون التأثير على جوهر الرواية. في المجمل، هي رواية تستحق الاهتمام لما تقدمه من متعة سردية وعمق إنساني، وقدرة على إثارة التفكير في قضايا جوهرية تتعلق بالحياة والخير والشر والحب والفقد.