حببت أمي ليس كمثل ما أحب إنسان أمه، كانت هي كل عالمي، أنا بكريها أول أبنائها الذكور، الأم الصعيدية شيء آخر ليست ككل الأمهات، الحبل السري الذي يربط الأم الصعيدية بوليدها لا ينقطع أبدا، أنا مربوط بحبلي السري إلى أمي ما حييت.
شريف الدين محمد العصفوري من مواليد بورسعيد، حاصل علي بكالوريوس هندسة بناء السفن و الهندسة البحرية كلية الهندسة و التكنولوجيا – جامعة قناة السويس، له عدد أعمال منشورة منها "عم جاد بياع العيش، "رؤى و روايات"، "زيارة لظل شجرة"، "تسالونيكي" وغيرها
ختام رائع لعام قرائي سعيد. ❤ في البداية اشتريت هذه الرواية علي ثقة بأن كاتبها هو الأستاذ شريف العصفوري والذي كنت أتابع مقالاته وكتاباته باهتمام بالغ، وحينما أعلنت دار المحروسة عن صدور رواية له لم أتردد في اقتنائها والحصول عليها. الرواية هي مقتطفات هامة ومكثفة لتاريخ مصر المعاصر بداية من يوليو ٥٢ حتي عام ٢٠٢٢ أحداث ربما أكون سمعت عنها لأول مرة، ومعلومات هامة أعطتني رؤية مغايرة لكثير من الأمور. بطل الرواية هو رجل عمره ١٠٤ عام يسرد تفاصيل دقيقة من حياته وحياة مصر ثم تنتهي الرواية نهاية مفاجئة غير متوقعة. الأحداث التاريخية المعروفة والمكررة في كل رواية وعمل أدبي يخص تاريخ مصر المعاصر إلا أن في هذه الرواية ما يساعدها لأن تكون الأحداث فيها وكأنك تقرأها لاول مرة فاللكاتب أسلوب أدبي يجعل من كل مشهد وحدث وكأنه لوحة مرسومة أمامك، تراها، وتتمعن في تفاصيلها، ورغم هذا اللوحة تكون صغيرة مكثفة ولكنها عامة وشاملة. الرواية مليئة بالتقرير ورغم أنه يكون ممل بالنسبة للقراء ولكن طريقة سرد الكاتب كانت شديدة الجاذبية، سرد يجعلك تعيش صراعات الأحداث السياسية في مصر حيث الرواية من أول صفحة هي صراعات وحروب وأحداث لا نهاية لها وتركيز الرواية علي الأحداث السياسية جعلت الكاتب يتقن في وصفها. تجربتي مع الرواية كانت مهمة وتعتبر من أهم قراءات السنة وترشيح جيد لكل قارئ يريد أن يستمتع بقراءة قصة ممتعة وتاريخية وسرد جذاب وأحداث عشنا وشفناها بأعيننا، وأحداث شافاها وعاشها أبوانا، وأحداث شافها وعاشها أجدادنا.💕 ٥/٥
في غلاف الرواية كتب الأديب كلمات من ذهب عن علاقته بوالدته، لخص علاقتي وأمي بصورة لم أكن أستطيع التعبير عنها ..
ثم يبدأ الكاتب روايته بعام ٢٠١٨ متسائلًا من أو ما هو البطل؟ وقائلًا: " أي عصر هذا الذي نعيش فيه، عندما تساوت تذاكر السيرك مع تذاكر المخدرات؟ ". ويقول عن الكتب مقولة تلخص حياتي معهم: "تكومت على جانب سريري كتب قرأتها أو أقرؤها،ثنيت أطراف من روايات، الكتب تتشابه شخوصها مع شخصي أو وصف لأحداث تقارب أحداثي، أو نهايات مبتكرة لمآزق وقعت أنا فيعا، أو حكمة وصلت أليها وحكم أخرى وددت لو وصلت إلى أعتابها".
في بداية الرواية يظن المرء أن الحديث عن شخصية ما غير معروفة ولكنني كنت أعلمها وبمرور الصفحات عرفت أنها بصوت الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ، وهو في عمر مائة عام أي أنه يحدثنا في زماننا هذا .. جمال الذي أحب أمه حبًا عظيمًا، والذي أطلق على والده طوال الرواية لفظ"هو" غاضبًا منه طوال عمره.. ودافع عن المرأة وساندها ..
غير الكاتب اسم الرئيس ل أحمد جمال، وأعطى زوجته وحب حياته اسم فتحية، وكذلك باقي الرؤوساء، وجعل الكاتب من مصر شركة ترأسها هؤلاء "الشركة المتحدة" عام ٥٢..
ثم يأتي يحدثنا عن تحية، المرأة التي أحبها بعد عقود من موت فتحية، المطلقة الثائرة التي يلتقيها في ميدان التحرير-ولعي وعشقي- في ٢٠١١.. المرأة التي اعتقدته في الخمسين من عمره وهو تعدى التسعين والفضل في ذلك يعود إلى سر الرواية "مسبار الخلود"..
تتنقل بنا الرواية في عدة أزمنة بدون ترتيب ويختار الكاتب أعوامًا معينة تكون عنوانًا للمشهد أو الفصل ثم نجده يكتب مشهدًا بعنوان "اعترافات الشتاء"للأميرة شويكار،ثم يعود للأعوام ثم "اعترافات الربيع" للملكة نازلي، وهكذا يتنقل بين الأعوام واعترافات الفصول الأربع..هذه الفصول تعبر عن الحياة في حقبة زمنية في تاريخ مصر .. حتى أن الكاتب يتطرق إلى المستقبل عام ٢٠٢٢ ..
يشير الكاتب كثيرا لاختلاف الطبقات في مصر ؛ ما بين أولاد العوام وأولاد الباشاوات والباكوات، ما بين الفقر المدقع والغنى الفاحش، الشراكسة والعرب أولاد العرب..
يمتاز السرد بالبساطة وخفة الظل وبأسلوب يشابه إلى حد ما أسلوب المقالات الصحافية .. إلا أنه كمسباره يسبر غور المشاعر قائلًا: " ما أن تكلمت أنا حتى حكيت قصة وفاة أمي، لم أدرك إلا حينها أن جرح الفقد لن يزول من داخلي، عندما يتحدث أي إنسان بعاطفة متقدة عن تجربة أليمة يتشارك فيها مع الآخر، تسقط فورًا كل الفواصل بين الغرباء، محرك التعاطف يدور ويزأر".
لا أدري هل يميل الكاتب لجمال عبد الناصر أما أنه يكتب بحيادية عن لسانه كما لو كان بالفعل حيًا بين سطور الرواية فنراه يقول على لسان ناصر: " تزامن ميلاد ابني الأصغر مع تمكني من رئاسة مجلس إدارة الشركة التي أسستها مع جماعة من زملائي، كان ذلك بمثابة إعلان انتصار، فلقد انقشعت الحجب عن حلمي المتكرر أنني موجود لإحداث شيء كبير ومهم في هذا العالم، فلقد أسست شركة وغيرت وجه السوق المصرية، وتزوجت وأنجبت بتعداد الكف الواحدة قبل أن أبلغ الأربعين من العمر".
ولكن لا نلبث إلا أن نقرأ للكاتب عن لسان جمال ثانية أن صورته صلبة لدى الزملاء و: "أردت أن أكون نموذجًا مغايرًا ل "هو" أو والدي، في العمل رغم كل محاولاتي صنفرة وقعي على من حولي، كنت نموذجًا أفظع ل "هو" الباطش القاهر". "أحيانًا كثيرة كنت أستدعي من ذاكرتي حلمي القديم بالتمثال الصحري الذي أكونه، وأتساءل هل أكون فعلًا فرعونًا مثل رمسيس الثاني؟ أعرف أن إحساسي الداخلي يرفض هذا التصوير، فمثل ذلك الوجود الحجري الصلب يليق أكثر بوالدي وليس بي". فندرك حيادية الكاتب في السرد أكثر حينما يقول: " جمال عبد الناصر لم يكن له عشر شجاعة سعد زغلول ليكتب بصراحة عن نفسه في مذكراته، أو لعل ملاك الموت غافله قبل أن يصل للكتابة بصدق، حتى يظل بيننا مغفلون يعبدونه".
تنقل الكاتب بمهارة ورشاقة بين مصر كشركة يديرها جمال وبين مصر كدولة وكلاهما واحد بالطبع ولكنه تمكن من التنقل بينهما بصورة لا تحير القاريء.. ويختتمها بأسلوب مرح يخفف من وطأة أخبار مصر على مدى عقود وعقود..
■ هو معروف إنه مفيش عاقل بياخد تاريخ من الروايات ، بس الموضوع في نفس الوقت بقي مزعج جدا ، تقريبا كده كل الناس بتسجل شهادتها عن اللي حصل أو علي الأقل بيسجلوا تاريخ بديل كان نفسهم يحصل إلا الإسلاميين اللاعب الأهم والأكبر في اللي عدي بالبلد في ٢٠١١ ، مفهوم ده حاليا مش بيحصل ليه عشان الظروف اللي بيمروا بيها ، وأصلا مش منتظرين شهادتهم عشان هما كانوا ملائكة مثلا من عند ربنا وانما بس عشان تتعدل الكفة شوية ، احنا قعدنا سنين طويلة قوي مفيش عندنا إلا الأفلام الموروثة من دولة يوليو ٥٢ وعلي مافكرنا نعمل حاجة واحدة تنصف الملك ولو جزئيا عملناها سنة ٢٠٠٧ ولهدف سياسي مش تاريخي حتي.
■ للأسف كل اللي بيسجل حاجة بيسجلها عشان ينتصر لنفسه أو فصيله وبس ومحدش لحد دلوقتي بيبص علي الصورة الكاملة إلا مثلا محمد جمال في رواية طيران - وده في حدود ماقرأت من روايات تناولت الثورة وأحداثها سواء بالتفصيل أو حتي كخلفية للأحداث - فتخيل أي حد مستقبلا هيحاول يدور علي روايات مش هيلاقي إلا نوع واحد بس من الحكي فيه فصيل واحد بس موصوف بإنه ثوري/نقي/طاهر/ملائكي/أخطاؤه كانت عادية/ومقبولة/فردية/لاتمثل التيار كله/وغير مؤثرة ، في الوقت اللي اتحملت كل الأخطاء علي الإسلاميين من ناحية ، وعلي الطرف التالت اللي محدش بقي قادر يدينه صراحة وبرضه مفهوم ليه
■ الرواية فيها فكرة فانتازيا من أروع ما يمكن ، عبدالناصر اللي تم الإشارة ليه بالرمز وانت وفهمك بقي ، خضع لتجربة جراحية خلته عاش ١٠٠ سنة تقريبا لحد ما حضر ثورة يناير في التحرير ، وأثناء ماهو بيحكي قصته بيستعرض أغلب الحوادث المهمة والمؤثرة في تاريخ مصر من أول انقلاب ٥٢ اللي عمله هو وأصحابه لحد الأيام بتاعتنا دي.
■ الحكي كان سلس من غير ملل ، والرواية صغيرة تجري في ايدك لكنها في المجمل كانت محتاجة محرر أو حد يكون محترف يظبطله ايقاعها ويخليه يعدّل كتير من تفاصيلها ، لأنه مرة بيحكي مباشرة وبيقول أسامي الشخصيات وبيخليهم حتي هما اللي يحكوا ، ومرة تانية بيحكي بالرمز والإشارة مش عارف ليه ، والمحرر كمان كان هيبقي محتاج يظبط الإيقاع بين الأحداث التاريخية المعروفة والرأي الشخصي في اللي حصل
■ والرأي الشخصي ده تحديدا كان ألعن وأعفن حاجة في الرواية لأنه أعاد لذاكرتي فس الأسلوب والطريقة القذرة اللي كان العلمانيين واليسارجية بيتكلموا بيها في ٢٠١١م لما حبوا يفرضوا رؤيتهم بالعافية ، ولما فشلوا راحوا دعموا انقلاب عسكري ، وفضلوا انها تخرب علي إنها تطيب لغريمهم التلقيدي ، خوفا من إنه غريمهم ده لما يستتب ليه الأمر يقلعهم المايوهات البيكيني والميني جيب اللي ماشيين بيه في شوارع القاهرة ، ويلزمهم بحجاب أونقاب أو يمنع البالية أو يحط قيود علي ال سينما ، وباقي الكلام الأهبل اللي شفناه منهم ساعتها ومحدش فيهم بيتكلم عنه دلوقتي إلا علي استحياء كده
التجربة ككل مكنتش حلوة خالص ولو ان الفكرة كانت تستحق من الواحد انه يقرأها ، علي الاقل عشان لما الواحد يفكر ينشر اللي بيكتبه يوما ما ميغلطش نفس الغلطة ، رواية جديدة بتتضاف لقائمة روايات اتمسحت في الثورة والثورة منها ومن أمثالها براء
الكاتب شريف العصفوري مختلف - مُجهد لقرائه - ممتع لقرائه
مسبار الخلود رواية ثلاثية الابعاد وضع فيها شريف العصفوري شهادته علي تاريخ مصر الحديث من زوايا عدة وتناول الاحداث من منظور ابطالها بشقيهم السياسي والاجتماعي بالاضافة لشهادة الراوي. لذا جاءت شخصيات الرواية هم انفسهم ابطال الواقع يحيون حياة مزدوجة يتناولها الراوي من منظورين مختلفين.
لا يكتفي العصفوري بذلك لكنه ينقلنا نقلات مكوكية عبر الزمن جيئة وذهابا كأنما الحكايا تتري في جلسات الراوي مع رواده دونما الوقوع في اسر السرد التاريخي الممل.
رواية شيقة ومليئة باسرار الحياة السياسية والاجتماعية في مصر في النصف الثاني من القرن العشرين والخمس الاول من القرن الواحد والعشرين