لا يختلف الكتابان اللذيّن تناولا تاريخ الرومان - منذ أقدم عصور الهجرات فيما قبل التاريخ والتى أدت إلى تكوين مدينة روما مروراً بتحولها إلى مملكة ذات نظمٍ حضارية ثم بتحولها إلى جمهورية وإنتهاءً بإنهيار هذه الجمهورية على يدى يوليوس قيصر - نقول أن هذان لا يختلفان كثيراً من حيث الأسلوب أو المنهج المتبع عن كتب ويل ديورانت فى موسوعته قصة الحضارة عموماً وفى الأجزاء التى تناولت الحضارة الرومانية تحت اسم ( قيصر والمسيح ) خصوصاً . فوضوح الرؤية التاريخية واتخاذ المواقف الوسطية والحكم المنطقى التاريخى السليم هو واحد فى الحالتين بحيث ينجح الكاتبان فى الانتقال بالقارىء الى روما ذاتها او الى ميادين المعارك وكذلك الى الوصول لتكوين رأى سليم ومحايد علمى وتاريخى عن الشخصيات التاريخية المشهورة التى يتوقف عندها التاريخ بل وينقسم الى مراحل. وهم هنا امثال هانيبال وسقيبيو والأخوان جراكوس وماريوس وصلا وبومبى الأكبر إلى يوليوس قيصر . سلسلة طويلة ومتنوعة من الاحداث والشخصيات والشعوب ينجح الكاتب فى تجسيمها وسبر أغوارها وتحديد أسباب ظهورها ونتائج هذا الظهور تحديدا علمياً ومنطقياً إن ضنت الوسائل العلمية التاريخية عليه بالمعرفة او إن تناقضت الروايات أو إستحال إستيعابها . إلا أن دور المؤرخ لا يقتصر على ذلك فهو لا يتم عمله إلا بعد أن ينجح فى رسم صورة موحدة واضحة تضم شتى التفاصيل والأحداث فى كل متجانس بعد هضم كل المتناقضات التى تظهر خلال الصيرورة التاريخية وتوحيدها لرسم العناصر العينية لهذه الصورة بحيث تظهر الصورة الموحدة كحركة حية فى آن واحد . وهو ما حدا بالكاتب ألا يقتصر كتابه على سرد التفاصيل وذكر الشخصيات التاريخية المتنوعة وتصويرها وتحديد اهدافها المختلفة وألا يتركنا قبل أن يولى عناية خاصة بتفصيل الحياة والوضع الداخلى فى روما على نهاية عهد الجمهورية وبداية الإمبراطورية فيصف لنا المدينة بكل تناقضاتها الطبيعية والاجتماعية واحوال مختلف الطبقات والاعمال كصغار الصناع والزراع والعبيد والفرسان والنبلاء ووضع المرأة وتأثيرها فى المجتمع كما يحدثنا عن المآدب والهوايات وأشكال الترف والأخلاق وعن مختلف الفنون فى روما والتى تأثرت فيما مضى تأثراً كبيراً بالثقافة والفنون الإغريقية لتقوم بتوليد طابعاً فنياً وثقافياً فريداً فى اصالته بعد بلورة كل ما أبدعوه وكل ما تأثروا به خلال فتوحاتهم وتجارتهم مع الحضارات القديمة المحيطة بهم وهى التأثيرات المتناقضة فى حد ذاتها كعلاقاتهم بالغال والكلت البرابرة فى الغرب والشمال وكذلك بالإغريق والمصريين أقدم الشعوب حضارة وأغزرهم علماً آنذاك وهى علاقات تنوعت كذلك بين الصداقة المخلصة والعداوة الصارمة . والحركة التاريخية لحياة الجمهورية الرومانية منذ نشأتها إلى زوالها تشكل إجمالا الجوانب العريضة او التغيرات الأساسية فى كل حركة تاريخية مهما كانت حداثتها مما يشكل لدى القارىء وعياً بأن العملية التاريخية يمكن فهمها بالتجربة والملاحظة والمقارنة المستمرة بين الحاضر والماضى وتأثير العناصر المضافة لكل عملية أثناء التطور التاريخى . وهذه هى النقطة الأكثر محورية فى تقييم كتب التاريخ .