يصور لنا إميل زولا بأسلوبه الساحر الفياض حياة الوسط الفني والفنانين ( في باريس في اواخر القرن التاسع عشر .. وبأسلوبه الزاخر بعناصر التشويق ، وببصيرته النافذة إلى أعماق النفس البشرية .. يروي قصة حب عنيف نشأ بين فنان عبقري وبين فتاة بريئة طاهرة إلتقى بها مصادفة في ليلة عاصفة ومع تشابك الأحداث وتطورها ، نرى أروع قصة لعلاقة يمكن أن تقوم بين فنان متقلب الأهواء ، وبين فتاة لها مبادؤها ومثلها العليا وقدرتها الفائقة على تكريس نفسها للحبيب كما نرى صورة خالدة للزوجة التي تغار من فن زوجها ومن " عشيقاته " العاريات المرسومات بريشته ..
من اروع ماكتب اميل زولا, روايه امتازت بسرد رائع اشتملت على كثير من المبادئ الانسانيه والقيم التي تقمصتها شخصيات الروايه مع التفاوت بين الشخصيات في الاحتفاظ بهذه القيم اوالابتعاد عنها كما جسد في شخوص الروايه النجاح ,الفشل, الاحباط , اليأس والسطوه جعل رحلتنا داخل الروايه ممتعه ورائعه
أعتقد انني لو بحثت في كل الروايات العالمية القديمة والحديثة على رواية تثبت عبث ما يطلق عليه الناس القيم الانسانية الجميلة مثل الحب والاخلاص والتضحية والوفاء ... لن أجد مثل هذه الرواية ، فقد أجهضت - عندما انتهيت من قراءتها - كل ما كنت قد احتملته في ذهني خلال ما مضى من سنوات عمري عن هذه المبادئ النبيلة والقيم السامية التي لا غنى لحياة المجتمعات عنها ، وكان يتوجب علي ان ابتعد عنها وانساها - أقصد الرواية واحداثها - مدة من الزمان حتى أعود الى السلام النفسي الذي كنت اشعر به مع المجتمع الذي اعيش فيه ومن يحيطون بي ، انه احباط ما بعده احباط وخسارة ليس كمثلها خسارة ، ان تفقد حياتك كلها التي راهنت عليها وعملت من اجلها سنوات عمرك ، لو كان الفقر رجلا لقتلته نعم والفشل ايضا فكلاهما وجهان لعملة واحدة ، عملة هذا الزمان ، لم تكن كريستين مخطئة في ما قدمته من تضحيات من أجل الارتباط السريع اليوم قبل غدا بحبيبها الذي لو كان رجل آخر غير " كلود " لربما نالت الحياة التي تمنتها ، فلقد وعدتها السيدة العجوز التي كانت تخدمها أنها سوف تورثها مبلغا كبيرا من المال يغنيها عن العمل والمسالة ما بقي من عمرها لو بقيت معها حتى وفاتها ، لكنها فضلت "كلود " الفنان الفقير على الثلاثة ملايين فرنك ، للوهلة الأولى يبدو هذا مستحيلا في هذا الزمان وفي كل زمان ، يقولها من لا يعرف الحب ولا اثره في النفس ، فهو كما أتوهمه يشبه الولادة الثانية التي تحدث عنها السيد المسيح " لن يلج ملكوت السموات والأرض من لم يولد مرتين ، وفسروا الولادة الثانية بأنها الخروج عن الصفات الحيوانية بتزكية النفس أو الولادة في السيد المسيح بأن يكون لك أبا ومعلما وقائدا و... ، وهذا ما يحدثه " الحب " في النفس انه يطهرها فتخرج بيضاء من غير سوء ولا رذيلة وتعود الى ماكانت عليه يوم ولدت على الفطرة النقية الطاهرة التي نزلت بها من عالم الملائكة ، ولو اننا أدركنا هذه الحقيقة او بعض منها لكان حقا علينا ان نمهد الارض والحياة لأطفالنا قبل ان نقذفهم فيها او نتركهم هناك كما هم في عالم الملكوت