"لا يحس أشخاص ذوو جسد متشبع بثقافات وتواريخ مختلفة، إزاء الواقع نفسه، بالأحاسيس نفسها ولا يفكّون شفرة المعطيات نفسها: فكل واحد منهم حسّاس للمعلومات التي يتعرف عليها والتي تحيل إليه نظامه المرجعي الخاص."
هذا الكتاب يحمل في سماكته ثقلا من الذكريات جثم على قلبي طيلة رحلة القراءة. في مزيج من الحواس المتقدة استطاع أن يسبر أغوار الإنسان، أناه وهويته وجسده وتاريخه ومشاعره وخوفه وفقده.
ربما لم أستشعر حواسي فيما سبق بهذه الطريقة الغائرة الجلية.
الحواس هي منافذنا على العالم، من خلالها يمكننا أن نتفاعل معه ومع الآخرين من حولنا، البصر والسمع والشم واللمس والتذوق، تتبادل رسائل شديدة الحميمية مع الكون، وتختزل في ذاكرتنا المجزأة أحاسيس متفككة قد تجمعها رائحة عتيقة ما.
فمثلا تقذفني رائحة الحافلات بالزمن إلى الوراء حين كنت أنتظر حافلة الروضة في الصباح أمام باب منزلنا الخشبي الثقيل، تتجلى الذكرى شيئا فشيئا، تصعد الأذن سلّم المسرح.. صرير قفل الباب عند فتحه، صياح ديك مزرعتنا الصغيرة، تغريد عصافير الصباح، وأخيرا صفير زامور الحافلة وصوت عجلاتها عند ركنها، ينتهي دور الأذنين إلى هذا الحد. لكن الذكرى لم تكتمل بعد، لا بد من استحضار الجزء الخاص بالعينين.. أرتدي فستانا أصفر تنسدل على كتفيه ضفيرتان صغيرتان، وأحمل حقيبة مدرسية لا أذكر تفاصيلها، تلامس بشرتي نسمات الصباح العليلة وأشم رائحة الصيف.
نحن مجموعة من الحواس، التي تستجيب بناء على هوية فردية أو جماعية، وكل ما يلقى قبولا بداخلنا سنرى ونسمع ونشم ونتذوق فيه الجمال، حتى لو كان مقززا لجماعة أخرى. فمنذ طفولة الشخص يتحدد بغضه وحبه للأطعمة بناء على ردات فعل والديه حين يتناولها، برغم أن ذوق الرضّع الأول لا يتبع لأي تصنيف سوى الحقيقة.
رحلتي مع الكتاب كانت زاخرة وغزيرة بالأفكار الحسية والثقافية والاجتماعية والفلسفية،
أدهشني دافيد لوبروطون ووسع مدارك حواسي وأثراها.